«فورين بوليسي»: لا توجد هيمنة إيرانية على المنطقة إلا في عقل ترامب وجنرالاته

حجم الخط
0

لندن – «القدس العربي»: يعتقد ستيفن أم وولت، في مقال له في مجلة «فورين بوليسي» أن استراتيجية إدارة دونالد ترامب في الشرق الأوسط تقوم على فكرة واضحة؛ هي احتواء التأثير الإيراني بالمنطقة. فقد شجب ريكس تيلرسون، وزير الخارجية ووزير الدفاع جيمس ماتيس ونيكي هيلي، سفيرة واشنطن في الأمم المتحدة نشاطات إيران. وفي شباط/ فبراير غرد ترامب بعد فحص للصواريخ الباليستية أن إيران «تلعب بالنار» وفي تشرين الأول /أكتوبر أعلن البيت الأبيض تحركه نحو السياسة الرسمية وهي «تحييد التأثير الإيراني الذي يزعزع استقرار المنطقة وضبط عدوانها».
وتبنى ترامب ومساعدوه فكرة أن إيران هي قوة هيمنة تريد السيطرة على الشرق الأوسط، خاصة دول الخليج الغنية. وهذا المنطق يساعد على فهم الدعم الثابت للسعودية بما في ذلك المصادقة (التكتيكية والواضحة) لما قام بها الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد من إجراءات في الداخل ومحاولاته التدخل في الشؤون الداخلية للبنان. وتفسر رفض ترامب المصادقة على الاتفاقية النووية في تشرين الأول /أكتوبر. ويعلق الكاتب هنا أن الهجوم الواسع على إيران لا معنى له لأنها لا تقترب من التحول لقوة هيمنة إقليمية. ويعتقد أن استعداد السياسيين والخبراء لتبني هذه «الفنتازيا الخطيرة» تشير أكثر إلى المظهر الفروسي للخطاب الاستراتيجي الأمريكي أكثر من التحدي الحقيقي الذي تمثله إيران. ويرى أن إيران تفتقد للقوة الحقيقية لكي تسيطر على دول الشرق الأوسط التي تعاني من انقسامات عميقة.
وحسب المعهد الدُّولي للدراسات الاستراتيجية فعدد سكان إيران 85 مليوناً ودخلها القومي السنوي هو 400 مليار دولار، أما الميزانية الدفاعية السنوية فلا تزيد على 16 مليار دولار. وعدد قواتها العسكرية بمن فيها الحرس الثوري فهو 520.000 جندي بعضهم مجندون لم يحصلوا إلا على تدريب فقير. وتعود دباباتها ومعظم ترسانتها العسكرية إلى عهد الشاه وهي في حالة فقيرة. وكما قال المحلل العسكري المخضرم أنتوني كوردسمان في عام 2010: «فقدرات إيران العسكرية التقليدية محدودة جدا وتعتمد على أسلحة قديمة ذات نوعية متدنية.. وقواتها ليست منظمة كي تظهر قوة عسكرية جدية في منطقة الخليج». وبالمقاربة فعدد سكان السعودية ومصر وإسرائيل والأردن والإمارات العربية المتحدة أكثر من 100 مليون نسمة وبدخل سنوي يصل إلى تريليون دولار. أما النفقات العسكرية مجموعة فهي خمسة أضعاف النفقات العسكرية لإيران ولدى هذه الدول المال لكي تشتري دبابات أبرامز ومقاتلات أف-15 وتعتبر إسرائيل من الدول النووية.

هجوم إيراني

وفي حال تعرضت هذه الدول لهجوم إيراني فستجد دعما من الولايات المتحدة للدفاع عن نفسها. وأمام هذه الحقائق يرى أعداء الجمهورية الإسلامية أنها تعتمد على الجماعات المحلية الوكيلة لنشر تأثيرها والسيطرة على المنطقة. ويعترف الكاتب أن إيران ومن دون شك دعمت قوات محلية في السنوات السابقة بما في حزب الله والرئيس السوري بشار الأسد والميليشيات العراقية والحوثيين في اليمن. وعززت هذه التحركات من تأثير إيران إلا أن السبب الرئيسي وراء هيمنتها هي أنها استفادت من الأخطاء الفادحة للرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش الذي أطاح الرئيس العراقي صدام حسين، إلا أن هذه الإنجازات لا تعني هيمنة كاملة على المنطقة. وواحد من الأسباب هي أن إيران لا تسيطر على هذه الجماعات مثلما لا تسيطر الولايات المتحدة على حلفائها في المنطقة. فكل لاعب لديه مصالحه، ولن يتبع حلفاء إيران الحاليون ما تطلبه منهم طهران من دون مناقشة لو اكتشفوا أن اتباعها سيضر بموقعهم. ويقلل الكاتب من حديث بعضهم مثل هنري كيسنجر وماكس بوت عن التحركات الإيرانية باعتبارها صورة عن «إمبراطورية فارسية».

فُرْسٌ وشيعة

وأكثر من هذا فقد عانى حلفاء إيران الرئيسيين في السنوات الأخيرة من نكسات أجبرتهم على رصد جهود إضافية لدعمهم. صحيح أن التدخل الإيراني عزز من وضع الأسد لكن سوريا الآن دولة مدمرة وليست حليفاً حيوياً. وبدلاً من توسيع إمبراطوريتها الإيرانية فإن المغامرات التي قامت بها أفرغت خزينتها ودفعت إسرائيل ودول الخليج نحو تحالف تكتيكي ضدها بشكل أضعف من موقفها.
كما أن الموقف المحذر من إيران ينسى المشاكل التي ستواجهها لو أرادت السيطرة على المنطقة. فسكانها هم من الغالبية الشيعية ولكن السنّة هم الغالبية ويسيطرون على دول عدة في المنطقة، فأية محاولة لافتعال حرب معها ستعمق من النزاع بين الطائفتين بشكل يعقد من مهمة إيران لبناء تأثير لدى جيرانها. ولأن إيران ينظر اليها كـ«دولة فارسية» بنظر الجميع فلن تجد دعماً من العرب او أية دولة عربية للسيطرة على المنطقة. ويعرف صقور إيران بمن فيهم جنرالات ترامب الدور الذي لعبته إيران في دعم التمرد وقتل العديد من الجنود الأمريكيين في العراق. فغضب هؤلاء مفهوم وكذا تصرفات إيران التي واجهت على مدى العقدين الماضيين عقوبات اقتصادية وحروب إلكترونية وتمويل خارجي للجماعات المعادية لها. وعندما أطاحت إدارة بوش صدام حسين عام 2003 أكد المحافظون الجدد أن الملالي في طهران هم الهدف التالي. وبناء على هذه الظروف فقد عملت إيران كل ما يمكنها لإحباط هذا الهدف، وهل كنا نتوقع سكوت إيران وأقوى دولة في العالم تحضر لإطاحة نظامها؟ ولحسن الحظ فلم تكن هناك دولة أو نظام يملك القوة للسيطرة على الشرق الأوسط. ولم تكن الولايات المتحدة مضطرة للعمل على تعزيز ميزان القوة.
وبدلاً من منح السعودية وإسرائيل صكاً مفتوحاً لمواجهة «هيمنة إيرانية خيالية» فعلى واشنطن البحث عن علاقة متوازنة مع دول المنطقة بما فيها إيران. ويرى أن مدخلا متوازنا سيؤدي للتعاون في موضوعات حول قضايا تهم الأمريكيين والإيرانيين مثل أفغانستان. ويضيف إن منظورعلاقات جيدة مع الولايات المتحدة سيقدم لطهران حوافز لكي تغير من مواقفها. فالمحاولات الأمريكية السابقة لعزل نظام الملالي دفعهم للعب دور المخرب بنوع من النجاح. ومدخل كهذا سيدفع حلفاء الولايات المتحدة بالمنطقة التفكير ملياً وعدم الاعتماد على الدعم الأمريكي وكأنه أمر واقع بل وسيشجعهم على بذل الجهود لإرضائها. ويقول إن حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة وجماعات الضغط الأمريكية التي تدافع عنهم سيغضبون لو توقفت واشنطن عن دعمهم حتى النهاية أو تقاربت مع طهران «وفي النهاية فهذه مشلكتهم وليست مشكلة أمريكا، فالدعم الأمريكي المبالغ فيه يشجع الحلفاء للتصرف بطريقة متهورة كما فعلت إسرائيل من خلال توسيع المستوطنات غير الشرعية وما تفعله السعودية في حملتها باليمن ومناوشاتها مع قطر والمحاولة الفاشلة لتشكيل الوضع السياسي في لبنان. ولو فهم حلفاء الولايات المتحدة أنها تتحدث مع الجميع وسيكون لديهم السبب للإستماع إلى نصيحة أمريكا وإلا خففت من دعمها وبحثت عن حلفاء جدد».
ويرى الكاتب في النهاية أن توازن القوى السياسية في الشرق الأوسط لا يعني تخلي أمريكا عن حلفائها ولا يحتاج منها لأن تميل أكثر نحو إيران. بل واستخدام القوة الأمريكية للحفاظ على التوازن ومنع الجهود لتغيير الوضع القائم والوقوف أمام أية دولة ترغب بالهيمنة على المنطقة. ولا يعدم أن تخفيف حرارة التوتر ستدعم حركة النفط بحرية وتؤدي لوقف دوامة الدمار وستعطي هذه الدول أسباباً لعدم دعم المتطرفين. وفي الحد الأدنى فالحملة الشاملة لمواجهة الهيمنة الإيرانية ليست ضرورية. وللأسف فلا يوجد سبب يدعونا للاعتقاد أن إدارة ترامب ستتبنى مدخلاً كهذا. ولو لم تفعل فستكون استراتيجية ترامب مثل غيرها في عهد بيل كلينتون وجورج دبليو بوش وباراك أوباما فاشلة وبثمن فادح.

«فايننشال تايمز»: قرار القدس تهديد للأردن والدور السعودي الغامض يضعف شرعية الوصاية الأردنية

يرى المعلق في صحيفة « فايننشال تايمز» ديفيد غاردنر أن تحرك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن القدس يعتبر تخليًا عن حليف هش مثل الأردن. وبدأ مقالته قائلا: « من بين الأفعال السياسية التخريبية لدونالد ترامب التي ارتكبها في سنته الأولى في البيت الأبيض وأكثر الأفعال المجانية هي قراره الشهر الماضي الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.
وأنهى بالتالي أي منظور لحل الدولتين في النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني يكون الجزء الشرقي من المدينة المقدسة عاصمة للدولة الفلسطينية المستقلة». فالقدس الشرقية التي احتلت عام 1967 وضمت بطريقة غير قانونية هي لب النزاع القابل للاشتعال والذي تراجع بسبب شراسة الحرب الأهلية السورية والمواجهة ضد تنظيم الدولة ويمكن ان يعود من جديد. ويقول الكاتب إن قرار ترامب بشأن القدس يعتبر تخليًا عن حليف هش للغرب وهو الأردن الذي كان مهما لاستقرارالمنطقة.

وصاية الأردن

ويشير الكاتب للرابطة الدينية التي تربط العائلة المالكة في الأردن، من ناحية النسب للنبي محمد أو بالنسبة للقدس التي عرج منها النبي محمد إلى السماء. وعليه فمن ناحية التقاليد وبناء على اتفاقية السلام التي وقعها الأردن مع إسرائيل عام 1994 فالأردن وصي على المقدسات الإسلامية (والمسيحية) في القدس. وأي تغيير في الوضع القائم سيضر بشرعية العائلة المالكة ولكن هذا جزء من الوضع. فغالبية سكان الأردن هم من اللاجئين الفلسطينيين الذين طردوا من بلادهم في حربي عام 1948 و 1967. ويدفع المتطرفون في الحكومة الإسرائيلية التي يقودها بنيامين نتنياهو الذين شعروا بالجرأة بعد اعتراف ترامب بالقدس نحو ضم مناطق واسعة استعمرها المستوطنون الإسرائيلييون.
ويقومون أيضاً بإحياء الشعار القديم «الأردن هو فلسطين» (الوطن البديل) مؤكدين أن الفلسطينيين لديهم وطن وهو: الأردن. ويتعامل قادة الأردن مع هذا باعتباره تهديداً وجودياً. ويخشون أن تؤدي أفعال إسرائيل إلى رحيل ثالث عبر نهر الأردن وتخريب التوازن السكاني الهش في المملكة. وكان الملك عبدالله قد أخبر قمة التعاون الإسلامي في اسطنبول وهي المظلة التي تضم 57 دولة عربية ومسلمة ان حلاً تفاوضياً ومجمعاً عليه بشأن القدس هو «المفتاح لإنهاء النزاع التأريخي في الشرق الأوسط». وردت منظمة التعاون الإسلامي التي أنشئت قبل نصف قرن عندما هاجم يهودي متطرف المسجد الأقصى، ردت على فعل التخريب السياسي الذي قام به الرئيس الأمريكي باعتبار القدس الشرقية عاصمة لفلسطين. وهو «خطاب فارغ في معظمه» لكنه خطاب يحتوي على نواة حرب دينية حول القدس لأية جماعة متطرفة تريد الإمساك به.

الموقف السعودي

وفي الوقت الذي عرفت فيه تصرفات الرئيس الأمريكي المتقلبة إلا أن المحير هو موقف السعودية في ظل حاكمها الفعلي الأمير محمد بن سلمان. وفي الوقت الذي انتقد فيه السعوديون القرار الأمريكي بشأن القدس إلا أنها أرسلت مسؤولاً من الدرجة الثانية ليمثلها في القمة. وضغطت الحكومة السعودية على الأردن لكي يفعل الشيء نفسه إلا أن الملك عبدالله الثاني حضرها. وصوت الأردن ضد القرار في الجمعية العامة للأمم المتحدة ما يعرضه لعقوبات انتقامية.
وفي حالة الأردن، المساعدة الأمريكية السنوية 1.2 مليار. ولم يتلق الأردن منها هذا العام سوى الثلثين ويحتاج للعناية بنحو مليون لاجئ سوري داخل حدوده. ويضيف غاردنر ان والد الملك عبدالله، الملك حسين الذي كان يمثل الاعتدال العربي وحضر 45 لقاءً سرياً مع مسؤولين إسرائيليين بحثاً عن السلام واجه المعضلة نفسها. فقد كان الملك حسين يعرف أن الهزيمة محتومة في عام 1967 لكنه شارك فيها وخسر الضفة الغربية والقدس الشرقية. واتخذ موقفاً مختلفاً من التحالف الدُّولي الذي أخرج قوات صدام حسين من الكويت 1990- 1991 وكان يعرف أنه سيواجه العزلة. وكانت هذه المواقف من أجل الشرعية. فبعد كل هذا فجده الملك عبدالله الأول، اغتيل في الأقصى عام 1951 بعد حملة اتهمته بالتعاون مع الصهيونية.
ويضيف أن بعضهم في الأردن وبقية العالم العربي يعتقدون أن السعوديين يتآمرون مع الولايات المتحدة لفرض حل مؤيد لإسرائيل بطريقة صارخة على الفلسطينيين وأن القدس هي الدفعة الأولى.
والتقى محمد بن سلمان مع جارد كوشنر، صهرالرئيس المكلف بما أطلق عليه «الصفقة الكبرى». وبناء على ما رشح من معلومات فإن العرض ما هو إلا صورة عن بلدية كبيرة على مناطق غير مترابطة في الضفة الغربية بمركز لها هو أبو ديس، قرب القدس. وهذه القنبلة الموقوتة قد تضـم إلى الأردن غيـر الراغب.
ويرى الكاتب أن هذه فانـتازيا خطيرة قد يتم تطبيقها في عهد دونالد ترامب. وهناك شـكوك عن محاولات آل سعود أخذ السيادة على القدس الإسلامية من الهاشميين. فقد أخذ جد الأمير ابن سلمان، الملك عبد العزيز بن سعود الأماكن المقدسة في مكة والمدينة من جده الأكبر الشريف حسين عام 1925.
ولكن الشرعية وإن كانت مهمة إلا أن ملوك السعودية يحبون وصف أنفسهم بخادم الحرمين الشريفين وليس كملوك والقدس قد تكون خطوة بعيدة.
ويقول إن الملك عبدالله الثاني هو زعيم معتدل في منطقة ضعفت فيها القيادة السنية المعتدلة. ويقول محمد بن سلمان إنه يريد إحياءها ولكن في الوقت الحالي يبدو أنه يعمل على تقويض واحد من امثلتها النادرة.

«فورين بوليسي»: لا توجد هيمنة إيرانية على المنطقة إلا في عقل ترامب وجنرالاته
طهران لا تملك القدرات العسكرية والاقتصادية للقيادة
إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية