لندن – «القدس العربي»: ظهرت أول رسالة نصية على هاتف المعارض الإماراتي أحمد منصور في الساعة التاسعة والنصف من صباح يوم حار في آب (أغسطس) 2016 وفيها: «أسرار جديدة عن التعذيب في سجون دولة الإمارات» وتبع الرسالة رابط. وظهرت رسائل مشابهة في اليوم التالي على هاتف الناشط الإماراتي المعروف حيث قاوم الرغبة بالنقر عليها. وقام بإرسالها إلى «سيتزن لاب» (مخبر المواطن) وهو معهد بحثي مقره في جامعة تورنتو ويكرس جهوده لحقوق الإنسان وأمن الإنترنت. واكتشف الباحثون أن الرسائل النصية والروابط معها هي جزء من برنامج تجسسي متقدم صمم خصيصاً لاستهداف منصور الذي لو قام بالنقر على الرسالة لتحول هاتفه الجوال إلى «جاسوس رقمي في جيبه» يتتبع رسائله ويراقب مكالماته وصوره التي يلتقطها، كما جاء في تقرير «سيتزن لاب» لاحقاً.
إلا أن الكشف الكبير في التقرير لم يكن عن التكنولوجيا نفسها ولكن عن الكيفية التي طورت فيها المخابرات في الدول المتقدمة ونشرت برنامج التطبيق التجسسي حول العالم. والكشف الأهم في تحقيق المعهد الكندي هو أنه لاحق مصدر البرنامج الخبيث واكتشف أنه يعود لشركة إسرائيلية طورته واسمها «أن أس أو غروب» (وتم تشكيل الإسم من الأحرف الأولى لأسماء مؤسسيها).
وكما يقول نيري زيبلر، الزميل في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى ومؤلف لكتاب جديد عن تطور قوات الأمن الفلسطينية «دولة بلا جيش وجيش بلا دولة» في مقال نشره موقع مجلة «فورين بوليسي» إن هذه الشركة الصغيرة اكتشفت مكامن ضعف في آي فون الذي كان يعد من أكثر الهواتف المنقولة آماناً وقامت بتطوير برنامج لاختراقه وهي عملية مكلفة ومجهدة في الوقت نفسه.
رائدة
وكتب باحثو «ستيزن لاب» في تقريرهم «لا نعرف عن مثال سابق لاختراق آي فون وكجزء من حملة استهداف». ويقول الكاتب إن إسرائيل تعد من أكثر الدول الريادية في مجال «التكنولوجيا السايبرية» أو الإلكترونية الخاصة ولديها على الأقل 300 شركة متخصصة في كل شيء يتعلق بالتكنولوجيا الحديثة من أمن البنوك إلى البنى الدفاعية الحيوية. وفي الوقت الذي تهدف هذه الشركات لحماية المؤسسات الأخرى من الهجمات الإلكترونية إلا أن عدداً قليلاً منها استغل الخيط الغامض بين الدفاع والهجوم وبدأت بتطوير تكنولوجيا تقدم خدمات خبيثة لعملائها. وفي حالة منصور فقد استخدمت الإمارات برنامجاً طورته «أن أس أو غروب» للرقابة على أشهر معارض، حيث يقضي حكماً بالسجن عشرة أعوام لنشره معلومات مضللة على حساباته في مواقع التواصل الإجتماعي.
وفي العام الماضي كتب ساشا رومانوسكي الباحث في السياسة بمؤسسة «راند» إن هذه الشركات تطبق أساليب متقدمة وأحياناً أكثر تقدماً من المؤسسات الأمنية الأمريكية. ومع أن خصخصة هذه القدرات الهجومية لا تزال في مراحلها الجنينية إلا أن هناك قلقاً واسعاً من انتشار الأدوات القوية وخسارة الحكومة احتكار استخدامها. فعندما تقوم دول باستخدامها فإن هناك إمكانية للتنظيم والضبط أما عندما تشترك شركات خاصة في استخدامها فالأمر يصبح معقداً.
وتقدم إسرائيل حالة خاصة في هذا المجال فهي تقدم عاملين مدربين في مجال البرامج السايبرية/الإلكترونية والذين تعلموا الأساليب من خلال عملهم في الجيش ووحدة النخبة للإشارات الإستخباراتية – وحدة 8200 – وبعد ذلك يخرجون للعمل في الشركات الخاصة. ويقول الجنرال المتقاعد والقائد السابق لوحدة 8200 نداف زفرير إن الجنود الذي يقضون وقتاً في الخدمة لحماية إسرائيل من الهجمات السايبرية ينتهي بهم الأمر لمعرفة أمور للهجوم على الطرف الآخر.
استهداف إيران
ويقول زيبلر إن حالة منصور ليست معزولة فحسب «سيتزن لاب» فقد استهدفت التكنولوجيا التي طورتها «أن أس أو غروب» حوالي 175 شخصاً منذ عام 2016 بمن فيهم ناشطون في مجال حقوق الإنسان ومعارضون. وتقدم شركات إسرائيلية أخرى خدمات مماثلة.
ويعلق نمرود كوز- لوفسكي المحاضر في جامعة تل آبيب والمحامي المتخصص في الأمن الإلكتروني «لا يمكن التحايل عليها، فمن أجل تقديم شبكة دفاعية عليك التعرف على مكامن الضعف». ومن الأمثلة الواضحة على المعرفة الإسرائيلية بالهدف هو الهجوم الذي قامت به وحدة 8200 بالتعاون مع وكالة الأمن القومي الأمريكي على المفاعل النووي الإيراني في «نانتز» في عام 2009/2010 . واستطاعوا نشر فيروس «ستاكسنيت» حيث استهدف الفيروس أجهزة الطرد المركزي بحيث جعلها تتحرك بسرعة خارجة عن السيطرة وتعطلت عن العمل. وتم اختراق نظام الرقابة بحيث لم تلاحظ إيران الهجوم. ولهذا السبب فإن معظم شركات الدفاعات السايبرية تهدف لمنع هجمات على شكل ستاكسنيت على المنشآت الحيوية الإسرائيلية.
وتضم هذه الشركات أبيريو التي يديرها الجنرال الأمني السابق ليران تانكمان. وصنعت هذه منتجا قادر على اكتشاف عمليات التلاعب بالبيانات. ويعتبر فيروس «ستاكسنيت» مجال اهتمام الخبراء في المجال حيث استخدم من دولة ضد دولة وبنجاح تاركا وراءه الكثير من الأضرار. ولكنه وبعد عقد من الزمان ربما استوفى مبررات وجوده حسب الخبير غابريل أفنير «عقد في التكنولوجيا هو أبد». وفي زمن أصبح الكمبيوتر داخلاً في كل شيء، الهاتف والثلاجة والميكرويف والسيارة كما يقول بروس شنيير من جامعة هارفارد فإن شبكة الإنترنت التي ظهرت للوجود في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي لم تصمم والأمن في مركزها. ولهذا يحاول الكل اللحاق والبحث عن ثقوب في تكنولوجيا المعلومات.
ويقول شنيير إن «الهجمات أصبحت سريعة وأفضل». وهل هذا يعني أن كل شيء محكوم عليه بالفشل؟ الإجابة القصيرة، لا. وأنجح الهجمات الإلكترونية إلى جانب «ستاكسنيت» تلك التي استهدفت أوكرانيا وإستونيا- محطات توليد الطاقة والمؤسسات المالية ووزارات الحكومة والتي تسببت بأضرار فادحة لكن على الأقل تم تحديدها والسيطرة عليها سريعاً. ولم تحصل أي من سيناريوهات النهاية من مثل استهداف منشآت نووية أو وول ستريت. إلا أن الفجوة بين المهاجمين والمدافعين تتقلص مع استمرار تقدم التكنولوجيا. وجزء من المخاطر نابع من المنطقة الضبابية بين ما هو دفاعي وهجومي إلكتروني. وكذا غياب التفريق بين ما هو عام وخاص على الإنترنت. ويشير الكاتب إلى تقديم عامل سابق في «أس أن او غروب» للمحاكمة في تموز (يوليو) حيث وجهت له السلطات الإسرائيلية عدداً من الاتهامات منها سرقة معلومات حساسة ومحاولة بيعها بخمسين مليون دولار على «الإنترنت المظلمة» وهي المجال غير المتوفر للباحث العادي على محركات البحث.
واكتشفت الشركة الأمر سريعاً لكنه مثال عن غياب الفرق بين ما هو عام وخاص. فما كان خاصاً بالحكومة يصبح وبشكل متزايد بيد الشركات الخاصة وعادة في أيدي المجرمين. وأصبحت شيفرة «ستاكسنيت» على الإنترنت وفي عام 2013 حصل قراصنة، يعتقد أنهم روس على برنامج طورته وكالة الأمن القومي الأمريكي والتي حاولت من خلال البحث عن مكامن ضعف مايكرسوفت. واستخدم في أيار (مايو) 2017 لشن حملة طلب فدية عالمية تحت عنوان «واناكراي» والتي أصابت على ما يعتقد 200.000 كمبيوتر في 50 دولة منها أجهزة كمبيوتر مؤسسة الخدمة الصحية الوطنية البريطانية. وفي حالة منفصلة أثبتت شركة «مانداينت» الخاصة إن قراصنة يعملون لصالح الجيش الصيني حاولوا اختراق الشركات الكبرى الأمريكية ووكالات الحكومة.
بوابات خلفية
وفي عام 2015 قامت وحدة 8200 بالقرصنة على «كاسبرسكاي لاب» والذي يعتبر الرائد في البرمجيات المضادة للفيروسات واكتشفت أن الشركة هي بوابة خلفية للمخابرات الروسية وتتعامل مع عدد من الزبائن بمن فيهم وكالات حكومية أمريكية. ويقول رامي بن أفرايم الجنرال الإسرائيلي المتقاعد ومؤسس «بلو أوشين تكنولوجيز» المتخصصة بالهجمات الإلكترونية «في العالم المادي يعرف ما هو عام: الدبابات والقبة الحديدية وأف- 16» أما في العالم الإلكتروني «فالأمر معقد» فالبنى الحيوية قد تكون مملوكة من القطاع الخاص كما هو الحال في أمريكا لكن حالة تعرضت لهجوم إلكتروني فسيكون أثره على كامل البلد. وكذا رسائل التعبئة لجنود الاحتياط في الجيش الإسرائيلي تقوم بها شركات اتصال خاصة مما يجعلها عرضة للاختراق. ولهذا السبب اختارت إسرائيل الربط بين ما هو عام وخاص بطريقة حقيقية. فمركز التكنولوحيا الإلكترونية في بئر السبع حيث مركز النقب للأبحاث السايبرية/ الإلكترونية التابع لجامعة بن غوريون والمديرية الوطنية للسايبر والتي تقع تحت أوامر رئيس الوزراء أقاما جسراً بين ما هو عام وخاص. وفي وقت قامت به وكالة الأمن الداخلي، شين بيت بالإعلان عن قطاع خاص فإن التعاون بين ما هو عام وخاص سيزيد.
من هو المالك الحقيقي؟
والغموض ليس فيما هو دفاعي وهجومي ولكن الحرب الإلكترونية ألغت الفواصل في فكرة الملكية السيادية عندما يتعلق الأمر بالتطور التكنولوجي فماذا نعني بشركة إسرائيلية أو أمريكية وحتى صينية. وكما يقول شنيير من جامعة هارفارد: «تصنع الرقائق عند ألف وتجمع من «ب» ويكتب البرمجيات عدد لا يزيد عن 125 شخصاً ينتمون لجنسيات مختلفة». وتبدو هذه الميوعة واضحة في إسرائيل حيث انشأت الشركات الأجنبية مراكز بحث لها واشترت شركات تكنولوجيا ناشئة. وأدت الطبيعة الدولية للكمبيوتر إلى تعقيد عملية نسبة الهجوم الإلكتروني وبالتالي الرد والإنتقام وقيام الحكومات بسياسات ردع.
ويقول ديفيد سانغر مؤلف كتاب «السلاح التام: حرب وتخريب وخوف في عصر السايبر» «لهذا السبب ظهرت الأسلحة الإلكترونية كوسيلة للدول من كل الأحجام: وكطريقة للتخريب وممارسة السلطة والتأثير بدون حرب بالسلاح».
وفي الوقت الذي تقدم شركات التكنولوجيا المال والمنصب للعاملين إلا أن الحكومة بيدها الورقة الرابحة وهي القانون. وهذا يعيدنا لحالة منصور، فحتى تستطيع «أن أس أو غروب» بيع التكنولوجيا إلى الإمارات فعليها الحصول على تصريح وزارة الدفاع، وعليه فأنطمة الحرب الإلكترونية هي كأي منتج تبيعه إسرائيل لدولة أخرى.
ويقول يوفال ساسون المتخصص في تصدير الدفاع في شركة المحاماة «ميتار» «بيع أنظمة كهذه لمؤسسات غير حكومية، مثل شركة او نخب سياسية غير قانوني». وفي حالة منصور دعا عدد من المسؤولين الذين ينظمون مبيعات كهذه لعدم بيع السلاح السايبري لدولة عربية. وكشفت «يديعوت أحرونوت» أن النظام الذي باعته الشركة للإمارات أضعف من ذلك الذي اقترحته الشركة وأن مسؤولين في وزارة الدفاع عارضوا بيع التكنولوجيا لدولة عربية. وقالت الشركة إنها تلتزم بالقوانين وإنها لا تدير البرنامج بل تطوره للزبون.
تفريق ماكر
وهذا التفريق الماكر هو مثال عن الضبابية بين ما هو عام وخاص، فنفس السلاح المستخدم ضد الصحافيين والمعارضين هو نفسه المستخدم ضد مهربي المخدرات والإرهابيين. وفي عام 2016 استأجر مكتب التحقيقات الفدرالي (أف بي أي) شركة سيلبرايت الإسرائيلية لفتح هاتف آيفون الذي يعود لمنفذا عملية سان بيرناندينو- كاليفورنيا بعد رفض شركة أبل إعطاء المكتب الشيفرة. وتبيع سيلبرايت منتجها لأكثر من 100 دولة.
«أوبزيرفر»: روسيا تهيئ الغرب لمذبحة في إدلب وتقوم بحرب تضليل الرأي العام
«الفأس ستقع في الرأس والأفضل عدم التدخل مهما كان الثمن»
خصص المعلق في صحيفة «أوبزيرفر» سايمون تيسدال مقالة للحديث عن التطورات في محافظة إدلب وخطط النظام للهجوم عليها. وقال إن الروس يقومون بتحضير الغرب لمذبحة في إدلب.
ويقول إن الروس مضوا إلى أبعد حد في تبرير العملية الإجرامية التي يرى المراقبون أنها ستحل على إدلب في شمال غربي سوريا والتي يقيم فيها مليونا مـشرد سـوري. وتعتبر المحافظة آخر المعاقل الكبيرة التي لا تزال تحت سيطرة المعارضة لنظام بشار الأسد المدعوم من روسيا وإيران وهو مصمم على العودة إلى إدلب بأي ثمن بشري.
ويعلق تيسدال على التصريحات التي أطلقها المسؤولون العسكريون والسياسيون الروس في الأسبوع الماضي والتي حاولوا من خلالها إحباط أو إبعاد المعارضة الغربية لعملية جوية وبرية. وكانت كل التصريحات كما يقول تيسدال «دعاية خالصة». فقد اتهم سيرغي ريابكوف، نائب وزير الخارجية الروسي الولايات المتحدة بالتخطيط لعملية تغيير نظام بالقوة في دمشق. وقال «نشاهد مرة أخرى تصعيداً خطيراً». ويعلق تيسدال بأن هذا التصريح غير صادق ويناقضه الموقف الأمريكي حيث لم يظهر الرئيس دونالد ترامب المنشغل بأمور أخرى أي اهتـمام بالإطـاحة بنـظام الأسـد.
وقف دعم المعارضة
وأوقف الدعم الأمريكي للمعارضة السورية ومنح الرئيس فلاديمير بوتين يداً طليقة في سوريا. ولم تترك الهجمات الجوية التي قامت بها أمريكا وفرنسا وبريطانيا على دمشق كرد فعل على الهجوم الكيميائي في دوما وكانت غير عملية ولم تتكرر بعد ذلك «بيضة النعامة». فقد أدار ترامب ظهره لسوريا ويخطط لسحب ما تبقى من قوات أمريكية تقاتل تنظيم «الدولة» في أقرب وقت.
ويرى تيسدال أن التصعيد كله من الجانب الروسي الذي حشد اسطولاً بحرياً مكوناً من 25 بارجة حربية ومقاتلات جوية وصواريخ مارشال أوستينوف قرابة الساحل السوري. وهو أكبر استعراض عسكري منذ ان أرسل بوتين قواته إلى سوريا عام 2015. واعترف المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف بأن التعبئة العسكرية مرتبطة مباشرة بإدلب التي وصفها بـ «بؤرة للإرهاب» ويجب معالجتها بسرعة.
وبالإضافة للحشود العسكرية صعد المحور الروسي – السوري من جهوده الدبلوماسية فقد أكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في الأسبوع الماضي على ضرورة «تصفية» المتشددين في إدلب رغم أنه لم يقل من هم. وقال وزير الخارجية السوري وليد المعلم الذي التقى لافروف في موسكو «نحن في المرحلة الأخيرة من حل الأزمة في سوريا وتحرير المناطق من المتطرفين».
وفي معرض دفاع النظام السوري والروس عن الهجمات الجوية التي لا تميز والبراميل المتفجرة التي قتلت المدنيين والقصف المدفعي على المناطق المدنية والمستشفيات والمدارس خاصة في حلب والغوطة الشرقية إنهما كانا يحاربان الإرهاب، وذلك في معرض الدفاع عن النفس إزاء هذه الممارسات. ولكن وحسب أرقام الأمم المتحدة فإن من بين 3 ملايين في إدلب فقط 10.000 جهادي. فيما يبلغ عدد المعارضين للنظام 70.000 مقاتل.
وعبر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الأسبوع الماضي عن قلقه من «الكارثة الإنسانية» التي تلوح في الأفق والتي ستكون على قاعدة أوسع من تلك التي شوهدت خلال الأزمة السورية وذكّر تركيا وإيران وروسيا إنها اعتبرت إدلب في محادثات أستانة منطقة لخفض التوتر وهذا يعني ضرورة حمايتها. ولكن المنطقة مثل بقية محاور خفض التوتر تعرضت لهجوم.
وحسب منظمة حقوق الإنسان «الحملة السورية» فقد ارتكب النظام سلسلة من الجرائم في الأسابيع الماضية بما في ذلك قصف أوروم الكبرى في 10 آب (أغسطس) حيث قتل 39 شخصاً. ورغم معارضة تركيا موجة جديدة من اللاجئين الذين سيتدفقون على حدودها إلا أنها تبدو غير قادرة على وقف الهجوم رغم ما لديها من قوات داخل سوريا. ونقل الكاتب عن المتحدثة باسم «الحملة السورية» «يزعم النظام أن إدلب مليئة بالإرهابيين وذلك من أجل تبرير الهجوم عليها ولكن الحقيقة هي أن غالبية سكانها هم من المدنيين. وقد يؤدي الهجوم إلى تشريد 700.000 شخص وسيخلق كارثة لمئات الآلاف». وهناك حوالي 1.6 مليون نسمة هم بحاجة لمساعدة غذائية. وفي يوم الجمعة قام المقاتلون بزرع الديناميت في جسر وفجروه لإبطاء تقدم قوات النظام.
تضليل الرأي العام
ويقول تيسدال إن روسيا ضاعفت من جهودها لتضليل الرأي العام بحملة دعائية تتعلق بالأسلحة الكيميائية. ورغم الوثائق المتوفرة عن استخدام نظام الأسد هذه الإسلحة إلا أن موسكو ودمشق مصرتان على أن الهجمات لم تحدث وإن حدثت فقد ارتكبها الجهاديون أو جماعات المعارضة.
وقال الجنرال إيغور كونشاليكوف، المتحدث باسم وزارة الدفاع بإعادة تدوير هذه الأخبار المزيفة الأسبوع الماضي عندما قال إن مقاتلين تابعين لهيئة تحرير الشام قاموا بتهريب ثماني عبوات من غاز الكلور إلى قرية جسر الشغور في جنوب غربي إدلب. وذلك لارتكاب جريمة وتحميل النظام والروس مسؤوليتها ودفع الغرب للتدخل العسكري. وعبر المبعوث الأممي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا عن مخاوفه من هذا السيناريو حيث دعا الأسبوع الماضي لممرات آمنة لمنع هذه «المأساة المروعة» إن بقي المدنيون عالقين.
ويختم الكاتب بالقول إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يأمل بأن تكون الحرب السورية قد انتهت خاصة أن تدخله العسكري فيها قد كلفه المال والمواد. ولكن محاولات لحرف نظر العالم لموضوع إعمار سوريا والذي ناقشه في اجتماعه الأخير مع المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل مع أن الحرب لم تنته والدليل هو إدلب. وهو بحاجة لأن يسيطر عليها كي يبرر تدخله العسكري عام 2015 وتأمين بقاء الأسد في السلطة وانتصاره «الملحمي» على الولايات المتحدة. ومفاد الرسالة التي حملها للديمقراطيات الغربية هي أن «الفأس سيقع في الرأس» قريباً ومن الأفضل عدم التدخل مهما كان الثمن الإنساني والمعاناة.
«بروجيكت سانديكيت»: هل تفوت أوروبا فرصة إعادة تنظيم نفسها سياسياً؟
«هل يُعرَض على الناخبين في القارة الاختيار بين مجتمع مغلق وآخر منفتح»
حول مستقبل أوروبا والانقسام الحاصل بين تيارين فيها كتب جان بيزانيه – فيريه (مستشار الرئيس الفرنسي خلال حملته الانتخابية) مقالا على موقع «بروجيكت سانديكيت» جاء فيه: «في هذه اللحظة، تتألف أوروبا من جانبين. أحدهما يقوده ماكرون، الذي يدعم الهجرة. والآخر تدعمه بلدان راغبة في حماية حدودها». هكذا وَصَف رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان المشهد السياسي الأوروبي خلال اجتماعه في أغسطس/آب مع زعيم حزب الرابطة ماتيو سالفيني، الرجل القوي في الحكومة الإيطالية. وعلى الفور رد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قائلا: «إذا كانوا يريدون اعتباري خصمهم الرئيسي، فإنهم محقون».
يبدو أن كلاً من أوربان وماكرون يعتقد أن انتخابات البرلمان الأوروبي في عام 2019 سوف تجلب إمكانية إعادة تنظيم الصفوف السياسية. ولكن هل يحدث هذا حقا؟ هل يُعرَض على الناخبين في القارة الاختيار بين مجتمع مغلق وآخر مفتوح؟ الواقع أن الإجابة على هذا السؤال ــ الذي يشكل أهمية مركزية لمستقبل أوروبا وثقة مواطنيها في الديمقراطية ــ ليست مؤكدة على الإطلاق.
يعرض المشهد السياسي في أوروبا مزيجاً غريباً من الخصوصية والعمومية. فهو من ناحية يوضح المبدأ القائل بأن «كل السياسة محلية»: فالأحزاب تمتد جذورها عميقاً في التقاليد الوطنية، ولا تشكل تجمعات عموم أوروبا سوى اتحادات فضفاضة وغير مؤثرة. ومن ناحية أخرى، تتسم التداعيات السياسية بالقوة، وتعبر موجات التغيير الحدود بانتظام، فتصل إلى القارة بأكملها.
لفترة طويلة، كانت السياسة الأوروبية مبنية على أساس الانقسام بين اليسار واليمين. ومنذ أول انتخابات شعبية للبرلمان الأوروبي في عام 1979، إلى آخرها في عام 2014، حصل حزب الاشتراكيين الأوروبيين وحزب الشعب الأوروبي مجتمعين على نحو نصف الأصوات إلى ثلثي الأصوات (وكانت بقية الأصوات تذهب إلى الوسطيين، والخُضر، واليسار الراديكالي، وعلى نحو متزايد، سلالة جديدة من الأحزاب المتشككة في أوروبا). وعلى مدار أربعين عاما، حكم اللاعبان المهيمنان أوروبا من خلال تحالف كبير على شاكلتهما.
جناحان
ولكن في عدد من البلدان، لم يعد هذا الانقسام يميز المشهد السياسي. ففي بولندا والمجر وأغلب بلدان أوروبا الوسطى، تدور المواجهة الرئيسية بين القوميين غير الليبراليين والليبراليين المؤيدين لأوروبا. وفي فرنسا، لم يكن الاختيار في عام 2017 بين اليسار واليمين، بل بين ماكرون نصير الانفتاح (الذي كنت مستشاراً لحملته الانتخابية)، ومارين لوبان، نقيضه التام. وفي إيطاليا، جرى تهميش قوى يمين الوسط ويسار الوسط من قِبَل حزبين جديدين مناهضين للنظام تمتد جذورهما إلى أقصى اليمين وأقصى اليسار.
الواقع أن القضايا الأكثر إثارة للانقسامات اليوم ــ الانفتاح الاقتصادي، وأوروبا، والهجرة ــ لا تؤلب يسار الوسط ويمين الوسط ضد بعضهما بعضاً. فكل من المعسكرين اعتنق العولمة، على الرغم من اختلاف وجهات النظر بينهما في ما يتصل بكيفية إدارة العواقب. كما كان كل من المعسكرين مشاركا نشطا، وإن كان على مضض، في التكامل الأوروبي. وعلى الرغم من اختلاف مواقفهما إزاء الهجرة، فقد تقبلها المعسكران في أوروبا الغربية كحقيقة واقعة. والاختيار بين اليسار واليمين لا يمكن المواطنين من التمسك بالاقتصاد المفتوح والمجتمع المفتوح أو رفضهما. فكل من المجموعتين تبدو في حقيقة الأمر حائرة تماما عندما يتعلق الأمر بتمكين مواطني الطبقة العاملة المحرومين، في حين يعرض أنصار سياسات الهوية ما يشبه الاستجابة على الأقل.
صحيح أن الانقسام بين اليسار واليمين يظل بارزاً في العديد من البلدان. وهو أيضاً يدير النقاش حول قضايا محلية مثل توزيع الدخل والدور الذي تلعبه الدولة، فضلا عن بعض تحديات المستقبل الكبرى، مثل الضرائب العالمية أو مستقبل العمل. ولكن كما تثبت السياسة البريطانية بوضوح، فإن هذا لا ينطبق على القضايا المهيمنة حاليا: فالمحافظون والعمال هما الحزبان الوحيدان المشاركان، ومع ذلك يعاني كل منهما عندما يتعلق الأمر بالاختيار المهم حقا ــ كيف يُدار خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
لكي تجلب انتخابات البرلمان الأوروبي في العام المقبل قدراً أعظم من الوضوح بشأن قضايا تهم أوروبا، لا بد من تشكيل معسكرات جديدة. وعلى الرغم من الشقوق على كلا الجانبين، فإن هذا من غير المرجح أن يحدث. فقد انقسم اليسار إلى حد كبير بين جناح معتدل (أصبح ضعيفاً إلى حد كبير) وجناح راديكالي مناهض لأوروبا جزئيا. والسؤال المطروح الآن هو ما إذا كانت الحواجز التي تفصل الأخير عن اليمين القومي قد تُختَرَق. يُلمِح الائتلاف الحاكم في إيطاليا إلى مثل هذا السيناريو، في حين يشير الموقف المناهض للهجرة على نحو متزايد من جانب سارا فاكنكنيخت من اليسار، والخطب اللاذعة المناهضة لأوروبا من قِبَل جان لوك ميلينشون من «فرنسا غير الخاضعة»، إلى أن بعض اليساريين الراديكاليين يفضلون أن يخسروا أرواحهم على أن يخسروا الطبقة العاملة. ولكن حتى لو جرى إضعاف الحواجز فإنها لم تخترق بعد.
مناصر قوي لأوروبا
على اليمين، رفض حزب الشعب الأوروبي، وهو حزب المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، رسم خط أحمر وإبلاغ أوربان، القومي غير الليبرالي المعادي للإسلام بل وحتى السامية على نحو متزايد، بأنه عبر ذلك الخط. والآن يزعم أوربان، بلا اعتذار أو شعور بالذنب، أنه الوريث الحقيقي للمستشار هلموت كول، وأنه يمثل قلب حزب الشعب الأوروبي. في خطاب ألقاه في يونيو/حزيران، أخذ على عاتقه مهمة إعادة الحزب إلى جذوره المسيحية. ونتيجة لهذا، سوف يخوض حزب الشعب الأوروبي الانتخابات في هيئة ائتلاف غريب يشمل مدافعين عن أوروبا، وقوميين، وليبراليين، وغير ليبراليين، فضلا عن أنصار التنوع ودعاة العودة إلى الهوية المسيحية.
لتفكيك الهياكل القديمة، لا بد أن يظهر صوت قوي يناصر أوروبا والانفتاح. وقد شهدنا قدراً كبيراً من التكهنات بأن ماكرون قد يلعب هذا الدور. لكن العقبات بدأت تظهر. ومن الواضح أن الإصلاحات المحلية وتعزيز قوة القاعدة السياسية في الداخل تُعَد شواغل أكثر من كافية لاستهلاك كل وقت الرجل الذي فاز بالسلطة دون دعم من حزب سياسي. كما أُحبِطَت جهوده الرامية إلى إصلاح منطقة اليورو بسبب التأخر في تشكيل الائتلاف الألماني وخسارة إيطاليا كشريك. وعلاوة على ذلك، بات من الواضح الآن أن معركة اللجوء التي خاضتها ميركل بشجاعة كانت خاسرة: فبعد مرور عامين من الادعاء بأن ألمانيا قوية بالقدر الكافي لفتح حدودها، عانت ميركل من انتكاسة انتخابية حادة، تبعتها توترات داخل ائتلافها وتراجع على الجبهة الأوروبية. وهذا من شأنه أن يمنع الأنصار المحتملين للانفتاح من التحدث بوضوح وصراحة حول قضية فاصلة. والسؤال الرئيسي الآن هو ما إذا كان ماكرون لا يزال يأمل في تعطيل السياسة الأوروبية، أو ما إذا كان من الواجب عليه أن يعترف بهيمنة القوى القائمة وأن يرضى بتشكيل تحالف.
في ظل الظروف القائمة، يبدو من المحتمل إلى حد كبير أن تنتهي انتخابات مايو/أيار 2019 إلى سلسلة من المعارك التكتيكية المبهمة. وهو أمر بالغ السوء للديمقراطية لأن المواطنين يستحقون أن تُعرَض عليهم خيارات واضحة بشأن قضايا مركزية؛ ولأن هذا كفيل بتقويض شرعية الاتحاد الأوروبي في حين يحتاج الاتحاد الأوروبي إلى إعادة تعريف نفسه. وسوف تقرر الأشهر التسعة المقبلة ما إذا كان منع هذا السيناريو الكئيب لا يزال في حكم الممكن.