يعد فوزي الديماسي واحدا من كتاب الرواية التونسية والعربية، إضافة إلى النقد. بدأ كتابة الرواية منذ عام 1995 وكانت تحمل «أخاديد الزمن» لتصدر بعد عامين من كتابتها وتكون بداية عهده مع الكتابة بعد تخرجه من قسم اللغة العربية في كلية الآداب في سوسة وقد تحصل على الأستاذية في اللغة والآداب العربية.
من أعماله رواية «واحة الأجداث» عام 2000 ورواية «الزنيم» عام 2003 لتتبعها رواية «زنيم مرة أخرى» عام 2010 فضلا عن كتاب نقدي «أريج قرطاج» وهو كتاب في الشعر التونسي عام 2007 وكان آخر إصداراته رواية بعنوان «هبل» عام 2015. عن أعماله ورؤيته الروائية والنقدية، كان هذا الحوار..
■ ما الذي جاء بك إلى عالم الأدب؟
□ يقول محمود المسعدي إن «الأدب مأساة أو لا يكون» وللمأساة وجوه متعددة، حضارية وسياسية، ولغوية ووجودية. وكل هذه الجداول التي ذكرت تصنع نهر السؤال وتبعث فيه تدفقا ورقصا وصخبا بعد موت وتلعب الحياة بشقيها الذاتي والموضوعي دورا رئيسيا في بناء شخصية الفرد ورسم ملامح سجيته، ومع لحظة ما وصدفة ما تولد بذور الفعل الفني. لقد عانقت اليتم منذ صغري، ولكن منحتني والدتي عطف الدنيا والآخرة، وقدمت عمرها قربانا لي وعشت معها حينا من الدهر حالة اكتفاء عشقي، وذات حاجة إليها تخيرت لها في عالم الغيب مقعدا، وتركت وراء ظهرها الحياة الدنيا، وكانت تلك صدمتي التي عشت على وقعها سقوطا لا قيام بعده، وتدفق الوجع بين جنبي منذ تلك اللحظة كلمات، كنت أجهل السير في دروبها، ولا وشائج صلة تربطني بها من ذي قبل.
■ وهل تجد أن الأدب صناعة حياة أم ملهاة؟
□ ما كان الأدب يوما زينة أو ترفا أو تسلية، إنما هو آلام وآمال تتواشج في ما بينها بين الجنبين لتصنع على أديم الصفحات من وراء حياة الناس حياة، وفي بساتين الأحلام رؤى وأمنيات. إنها لحظة تبث فينا شهوة السؤال، وقادح النقد الذاتي ومضرمه، وشهوة الوقوف أمام مرآة الذات وقفة لا يشوبها كدر أو سكينة، كما السراب قناعة، فنزكيها ونصقلها ونجنح من بعد ذلك إلى ثقافة النهوض من رماد الوهم والقعود، ونسعى في مناكب الكدح لعلنا نكون من صناع التاريخ، فانظر ماذا فعل بنا شعر المتنبي، وقول المعري في لزومياته، وانظر في تدفق تأثير «أيام» طه حسين في حياتنا الفردية، وفي علاقتها بقيم التحدي، وتجاوز لحظات الموت الرمزي، إن الأدب يفعل في النفس فعل المعول وعمل سواعد من نذروا حياتهم للبناء، وينفخ في النفس من روح أفقه البديع قيم النبوة، نبوة الإنسان/ الحياة لا نبوة اللهو واللغو.
■ هل تعتقد أن المتلقي يجنح إلى قبول اللغة العالية في الرواية؟
□ تحمل لغتنا الكامنة فينا كمون العاطفة في الفؤاد آهاتنا، وتكون في رحلتنا الأنطولوجية مطيتنا في أرض السؤال، بل إن اللغة وجهنا الذي نمشي به بين الناس، وسبب حضورنا الباذخ في الكون، إنها غايتنا وفلكنا واليابسة التي ننشدها لحظة الغرق في ظلمات القلق المعرفي والحضاري، وبهذه الحيرة الكونية ندخل حياة الناس دخول الراكب على جناح الحيرة، فنعيش دموعهم وانتصاراتهم وانكساراتهم وقيمهم التي تصرف حياتهم البرانية والجوانية، ولا أظن أن مناخات مثل التي ذكرت يمكن أن نرسمها بلغة عادية، وخطاب يفهمه عامة الناس، ولا أظن أن رحلتنا في مناكب سؤال المقدس هي الأخرى يمكن أن نتناولها بلغة لا تليق بعليائه في الوجدان، لذلك جاءت لغتي في رواياتي متلبسة باللحظة الأولى، لحظة الصفاء والنقاء، لحظة ما قبل أكل آدم لتفاح الغواية، هي لغة شعرية لغتي وليست من الشعر في شيء، إذ الشعر شرف لا أدعيه.
■ هناك محاولة لرسم السوداوية بطريقة بعث السؤال عن الأسباب، هل يمكن أن تتحول هذه السوداوية من خلال الرواية؟
□ في ظلام ليل الوجود قد لا نكتفي بسب الظلام وشتمه وذلك عندنا من عزم الأمور، بل نحاول إشعال شمعة تنير الدرب وتبعث في النفس بذور السكينة. وبالحرف نحاول رسم نور الصباح، ونطلبه في منعطفات رؤانا لعلنا ندركه، ونرسم على جبين السماء ابتسامة طفل وليد. فالوجود الحاضن لسيرة كدحنا وسعينا مهدد بالمحو لارتفاع منسوب ظلم المقيمين في الحياة الدنيا، وكذلك حجم العنف الوجودي الممارس من قبل المركز في علاقته بالهامش، ومراوحة حياة الناس لمكانها بين موت وتشريد، كل هذه مجتمعة تلون الفؤاد بشيء من السواد الذي يلقي ظلاله قطعا على قولنا وحبرنا، والحال أن الكاتب لا ينتح من عدم، وإنما هو سليل بيئته في جانب من جوانبه النفسية والإبداعية إلى حد ما، ولكن سنعمل على معانقة السعي والمحاولة لكي نقطع مع عواء الليل ومخالب سواده، ونؤسس بالتالي للفجر في كتاباتنا.
■ تظهر سمة مراوغة في أعمالك، هل هي لعبور مناطق التابوهات أم مشاكسة الذائقة؟
□ أنا لا أكتب نصوصي بل هي التي ترسمني ولا أحبر همومي، بل هو من يكتبني وتدفعني كهوف شجوني نحو مناطق البوح، فأدندن بين يدي سكوني المغلف بشوك الطريق موسيقى جنائزية تارة وموسيقى فجر أطوارا، وبين الشجن والضوء والمحن يراوح قولي مكانه بين المرافئ وموج الذعر المتلاطم كما الرحل بحثا عن المستقر، ومن هذه الكوة النحيفة التي ذكرت أي كوة الأمل العليل تخرج عليّ من قيعان ذاتي نصوصي، فتكون صدى لي، وأنا وجهها، بل ملامحها بل خرائطها المنحورة في معبد الضياع. أنا الإنسان الراكب موج السؤال في عرض الدهشة والحيرة باحثا عني وعن ملامح وجهي الذي أرتضيه لي قولا يتحدث بي وعني. هي نصوصي وعناوينها إنها دعوة للآخر لمشاركتي رسمها والدخول معي إليها من باب الريبة والظن، لعلنا ندرك نور الحقيقة معا. أما إذا كان النص وعتباته نصوصا سافرة متبرجة فقد الأدب الخير كله أو هكذا أظن.
■ كيف ترى واقع النقد العربي اليوم؟
□ لا أكاد أجزم بوجود نقد عربي أو عكسه، فمن باب الحيف أن نطلق الأحكام جزافا، وبدون التنسيب طبعا في التعاطي مع المدونة النقدية العربية، وللأمانة لنا أقلام عربية نقدية جيدة في ما اطلعت عليه من كتابات، على غرار ما حبّره محمد الباردي، ومصطفى الكيلاني، ومحمد لطفي اليوسفي من تونس، وريتا عوض وسيزا قاسم وفيصل دراج وإلياس خوري، والكثير من الأسماء التي ساهمت في بناء صرح النقد، ومهدت الطريق للأقلام الإبداعية الجديدة.
■ ما هو موقع الأدب التونسي، والرواية تحديدا، على الخريطة العربية؟
□ الرواية التونسية شأنها شأن بقية المشهد السردي العربي الآن وهنا. تبحث لها عن مكان تحت شمس الأدب العربي وتحاول مع الكادحين تجاوز الحدود القطرية، ولكن ما ينقص الرواية التونسية ثقافة التراكم وتعدد التجارب وقلة الأسماء في هذا المجال، ونذكر في هذا الباب، على سبيل الذكر لا الحصر، الروائي فرج الحوار وإبراهيم الدرغوثي ومحمود طرشونة ومحمد الباردي ومسعودة بوبكر وحفيظة قارة بيابن وحفيظة القاسمي وعبد القادر بالحاج نصر، ولكن كل هذه الأسماء تحاول رغم ضعف الحيلة وقلة ذات اليد أن تخرج للساحات العربية، شأنها في ذلك شأن إخواننا العرب في فضاء السرد، ولكننا لا نملك خارج حدود تونس اسماء علامات على شاكلة حنا مينه، صنع الله إبراهيم، إلياس خوري، أحلام مستغانمي من حيث تراكم نصوصهم وانتشارها.
حاوره: علي لفته سعيد