على خلاف توقعات استطلاعات الرأي التي رجحت فوز أقرب منافسيه بثلاثة الى اربعة مقاعد، حقق رئيس الوزراء الارهابي بنيامين نتنياهو ما سماه «فوزا ساحقا»، بعد حصوله على تسعة وعشرين مقعدا متقدما بخمسة مقاعد كاملة على «المعسكر الصهيوني» بزعامة اسحاق هيرتزل وتسيبي ليفني.
وكان آخر تصريح أدلى به نتنياهو في حملته الانتخابية هو أنه «لن يسمح بقيام دولة فلسطينية طالما بقي في رئاسة الوزراء»، فهل كان هذا من العوامل التي اسهمت في قلب موازين الاستطلاعات المعروفة بدقتها عادة؟ ام ان نجاحه يبدو منطقيا بالنظر الى تركيزه على عنصر الأمن في منطقة تقف على شفير الهاوية، فيما اهتم منافسوه بالقضايا الاقتصادية والاجتماعية؟ ام ان ناخبيه الذين لا يقلون عنه ارهابا ارادوا منحه مكافأة على عدوانه على غزة، الى جانب ضوء اخضر للاستمرار في سياساته العدوانية؟ ام تراها هذه الاسباب مجتمعة؟ ام اعجبهم ما لقيه خطابه في الكونغرس من تصفيق، وهو الذي اذيع في وقت الذروة التلفزيوني في اسرائيل؟
على اي حال يبدو ان نتنياهو اضطر ان يكشف موقفه الحقيقي في اللحظات الاخيرة من الحملة الانتخابية في محاولة للبقاء في الحكم، وقد نجح. ولعلها المرة الاولى التي يصدق فيها هذا الكذاب الأشر الذي دعاه بعض اقرب حلفائه مثل الرئيس الامريكي باراك اوباما بـ «الكذاب الحقير». نعم ما قاله هو الحقيقة الوحيدة التي يجب على العرب ان يتعاطوا معها. وبتصرف في الصياغة فان نتنياهو قال للعرب: ايها الحمقى كل ما كنا نقوله حول «حل الدولتين»، و»عدم وجود شريك فلسطيني»، كان احتقارا لعقولكم واستهزاء باحلامكم.
وليس غريبا ان بعض العرب مازال يرفض ان يرى الحقيقة، ومثال ذلك تصريح امين الجامعة العربية الدكتور نبيل العربي امس الذي اعتبر فيه كلام نتنياهو «مجرد تصريح انتخابي». ولم تختلف تصريحات بعض المسؤولين الفلسطينيين كثيرا، ومنهم نبيل ابو ردينة الذي قال»لسنا معنيين من يكون رئيس حكومة في اسرائيل، ما نريده من اي حكومة هو ان تعترف بحل الدولتين وان تكون القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية». ترى من اذن يجب ان يكون معنيا باعادة انتخاب مجرم قتل اكثر من خمسمئة طفل فلسطيني في العدوان الاخير على غزة، وارتكب من الاعمال الارهابية ما تضيق به هذه المساحة؟
الواقع ان نتنياهو، مدعوما بالواقع على الارض، كشف عن «المانيفيستو» الذي لا يمكن ان يحيد عنه: نعم للمفاوضات من اجل المفاوضات، ولا لاقامة الدولة وانهاء الاحتلال. وكان بديهيا ان يكون رد فعل الفلسطيني هو أننا تبلغنا الرسالة ولا نملك الا العودة الى حق المقاومة الشاملة بكافة السبل واولها الكفاح المسلح لتحرير الارض. هذا الحق الذي تكفله كافة المواثيق والمعاهدات الدولية ذات الصلة، وكافة الاديان السماوية.
اما الذين كانوا يأملون في ان فوز هيرتزوغ يمكن ان يؤدي الى اقامة الدولة الفلسطينية، فعليهم ان يتذكروا ان شريكته تسيبي ليفني هي التي كانت مسؤولة عن ملف المفاوضات لسنوات، وطالما تبادلت الابتسامات والمداعبات مع مفاوضي السلطة الفلسطينية، ناهيك عن تناول اطباق الحمص والتقاط الصور، ولم تكن النتيجة صفرا كما يظن البعض، بل خسارة فادحة تمثلت في توحش الاستيطان.
وحتى اذا فاز هيرتزوغ ما كان يستطيع ان يشكل حكومة قادرة على اتخاذ قرارات صعبة، وان ارادت ذلك، وهو امر مشكوك فيه. بل ان الحكومة التي سيشكلها نتنياهو نفسه لن تكون اقوى من سابقتها، ويتوقع كثيرون ان تنهار خلال عامين على اكثر تقدير. وهو ما دعا البعض في الولايات المتحدة واسرائيل الى المطالبة بتعديل القانون الانتخابي بما يسمح بتشكيل حكومات مستقرة قادرة على ان تكمل مدتها الانتخابية. ناهيك عن ان هيرتزوغ كان سيضع قناع الحمائم على وجه اسرائيل القبيح الذي كشفه الارهابي نتنياهو ما ادى الى موجة غير مسبوقة من التعاطف والاعترافات بدولة فلسطين في اوروبا بشكل خاص.
اما عربيا، ومع اقتراب موعد القمة المقررة الاسبوع المقبل، فقد حان أن يتخذ الزعماء موقفا عمليا بدل تكرار الفقرات الانشائية الممجوجة اياها، بالاعلان عن سحب المبادرة العربية، او بالاحرى دفنها، وهي التي ولدت ميتة في قمة بيروت عام 2002، والسعي الى ترجمة التعاطف الدولي مع فلسطين الى اجراءات ملموسة. خاصة ان نتنياهو يدرك انه يملك الصلاحية الكاملة هذه المرة للتصعيد في عدوانه، ويتحدث البعض عن عزمه المضي قدما في تحقيق حلمه العنصري في «يهودية اسرائيل»، ما يعني تطبيق اجندة تهدف عمليا الى احياء مايسمى بـ «الوطن البديل» في الاردن، عبر «ترانسفير اداري» للفلسطينيين. وتبدو الطريق ممهدة امامه حسب رأي كثيرين.
واخيرا فان نتيجة الانتخابات التي خيبت آمال البعض، جاءت واقعية: فقد اختارت اسرائيل الارهابية العنصرية المتطرفة، رئيس وزراء ارهابيا عنصريا متطرفا. وعلى السلطة الفلسطينية، ومعها احرار العالم، ان يضعوه حيث يجب ان يكون حقا: وراء القضبان في المحكمة الجنائية الدولية. فهل ستفعل؟
رأي القدس