فوضى المليشيات والسلاح في ليبيا وأولوية بناء المؤسستين الأمنية والعسكرية

حجم الخط
0

اتسمت عقود القذافي الذي تولى حكم ليبيا في 1/9/1969 ـ بواسطة انقلاب عسكري – بتشدد غير مسبوق تجاه المعارضين، ومعها لم يسمح بأي نوع من التعدد، ليس في السياسة فحسب، بل في الرأي ايضا، ناهيك عن قيام أحزاب تبحث عن مؤسسية، وفي سياق أطواره الغريبة ابتدع نوعا من الإدارة العشوائية، نظام حكم جماهيري، يعتمد على لجان شعبية، ليست في واقع الحال سوى مجموعات مؤيدة له، لينصب نفسه قائداً أبدياً للبلاد.
تمكن القذافي من سحق المعارضة الداخلية، وظلت محاولات الخلاص من كابوسه الديكتاتوري، موقوفة على أمل تحرك في الجيش. وما أن استشعر خطر المؤسسة العسكرية وتيقّظ لمخاطرها المتكررة، حتى التف عليها بذريعة تدريب الشعب، وإنشاء الشعب المسلح ليحل مكان المؤسسة العسكرية التقليدية، تحقيقاً لمقولته الخادعة «السلطة والثروة والسلاح بيد الشعب»، بشرذمة المؤسسة العسكرية، ثم أجهز عليها عملياً بعد الهزيمة في حرب تشاد في أوائل الثمانينات من القرن الماضي، ولم تعد تمثل إلا شكلاً فقط، ليستقر حال الجيش النظامي في السنوات الأخيرة بمؤسسة مليئة بالضباط وأقل منها جنودا. لقد قضى القذافي على الجيش بإقامة مؤسسة موازية أصبحت تمثل عنصرا في تحالف أساسي يعتمد عليه نظام القذافي، هو تحالف المال والقبيلة والكتائب العسكرية الخاصة، التي عرفت في مرحلة الثورة بكتائب القذافي. هذه الكتائب تشكلت في إطار أبعاد مناطقية معينة أو من عناصر وافدة. تبلورت بنية هذه الكتائب في الغالب من قبائل ليبية تنتمي لمناطق محددة، وفقا لاعتبارات الولاء للقائد، إضافة إلى بعض العرب الذين تحصلوا على الجنسية العربية التي كانت تمنح لهم تمييزا من الليبيين بالمولد، وأفارقة كانوا جزءاً من الفيلق الأفريقي الذي أنشأه القذافي منذ منتصف السبعينيات. وما أن خرج الشعب الليبي في ثورته ضد نظام القذافي في معركة استرداد الحرية والكرامة التي استباحها القذافي، حتى اتضحت هشاشة مؤسسات حكم القذافي وعشوائية بنائه السلطوي، وأصبحنا أمام حقيقة أن ليبيا تواجه تحديات كثيرة تعود أولاً، إلى طبيعة نظام الحكم في عهد معمر القذافي، الذي حكم من خلال منظومة تعتمد على شخصه فحسب لأكثر من أربعة عقود من حكمه، التي سقطت مع سقوطه، فضلاً عن السياسة الممنهجة لهذا النظام، من أجل استئصال جذور مظاهر الحياة السياسية كلها في المجتمع الليبي وجميع مؤسسات الدولة، بما فيها المؤسسة العسكرية والمجتمع المدني، كما تعود ثانياً، بما ترتب على إرث القذافي والثورة ضده، وما ولّدّته من استقطاب وشرخ اجتماعي واضح، وبما آلت إليه البلاد بفعل الديكتاتورية والثورة والعنف والتدخل الخارجي. فرغ الشعب من إسقاط النظام المستبد، وعلق مكسب الثورة في نفق مظلم من الاختلاف والتنازع السياسي، ودارت في حلقة مفرغة من ضعف الأداء العام، وغياب فاعل لسلطة الدولة في ظل انتشار كثيف للسلاح والميليشيات غير المنضوية تحت سلطة الدولة. لقد غدت النزاعات القبلية والمحلية والمناطقية، المتناقضة أحياناً، حاضرة بقوة لتجعل عملية التخلص من الأسلحة والمسلحين، وإدماجهم ضمن مؤسسات الدولة المدنية أو العسكرية والأمنية، أمراً صعب المنال، ما يعوق بناء مؤسسات الدولة لإنجاح عملية الانتقال الديمقراطي، ويعطل بناء المنتظم السياسي الجديد بشكل كبير. نظرا لتزايد أعداد الثوار وغيرهم من المسلحين وارتباط اغلبهم بولاءات سياسية أو قبلية، أو مناطقية، إضافة إلى ذلك أن كثيرا من الثوار المسلحين لم يبدوا استعدادا جديا للتخلي عن السلاح، بل بادر بعضهم إلى تشكيل أحزاب سياسية، مسلحة بالطبع، معلنين أنهم لن يسلموا أسلحتهم حتى يتم إقرار الدستور الدائم، ويختفي أي خطر قد يتهدد الثورة.
فشلت الحكومات المتتالية في ليبيا في استيعاب الكتائب المسلحة والثوار في مؤسسات الدولة، كما فشلت في فرض إرادتها عليهم، مما نتج عنه حالة من الفلتان الأمني ظهرت بكل جلاء في عملية اختطاف رئيس الوزراء الأسبق علي زيدان لعدة ساعات قبل إطلاق سراحه لاحقا. ناهيك عن كارثية خسائر معاركها العبثية المصالحية على المكاسب الوطنية الإستراتيجية كتدمير المطارات والمنشآت النفطية وغيرها. المليشيات المسلحة بأبعادها المناطقية والفئوية الضيقة وصراعاتها المدمرة لمصالح وأمن البلاد تساعد في انقضاض فلول النظام السابق على السلطة من جديد، بذريعة عدم قدرة القوى الثورية في تدبير أمن البلاد، وعبثية وهمجية قواها المسلحة بحق الوطن والمواطن، الذي أصبح يتذمر من تصرفات المليشيات التي لا تنم عن عقل يستشعر المصلحة الوطنية. ونكاية بهذا الوضع غير المرغوب تعبد الطريق أمام حفتر جديد مدعوم من قبل قوى ناقمة على المكسب الثوري، وتسعى للإطاحة به واستبداله بسيسي جديد.
إن ما جرى، خاصة في الآونة الأخيرة، من أحداث الاقتتال المتكرر بين المسلحين، خصوصاً ما يحدث حول مطار طرابلس العالمي بين مناطق مصراته والزنتان هي تعبيرات عن حراك ينم عن توتر لا ينبغي تجاهله. هذا التوتر يعكس هوة بدا من الواضح أنها باتت تفصل بين السلطة والناس، فقد اتضح تماماً أن السلطات الانتقالية المتمثلة في المؤتمر الوطني العام والحكومة الانتقالية لا تمتلك حتى الآن أي سلطة مدعومة بالقوة إلا السلطة المعنوية أو الأدبية، حيث لا يمكنها إقرار البرنامج الانتقالي على الأرض من دون الحصول على توافقات، جعل موقف القوى السياسية المختلفة وفئات من الثوار من توفرها أمراً صعب المنال. في الوقت الذي نحن بحاجة إلى دولة قوية تكمن في مؤسسة عسكرية وأمنية تتكون في إطار الشرعية المنبثقة عن الإرادة الشعبية الجديدة بعيدا عن المحاصصات المناطقية والفئوية، لا أن نستبدلها بالعصابات التي تمارس عمليات التخريب الآن، أو خيار عسكري مغمور يعود بنا إلى الحقبة السابقة، وهذا جزء من سيناريو تشويه المكسب الثوري، حرصا على المكسب الديمقراطي لثورة 17 فبراير. من هنا يمكن القول، إن إصلاح أو إعادة بناء المؤسسات العسكرية والأمنية هو التحدي الأساسي الذي يواجه ليبيا بشكل خاص وخطير، وهو الخطوة التي لا تسبقها أي خطوة أخرى لضمان النجاح في إرساء قواعد النظام الديمقراطي.
لم يظهر حتى اللحظة ما يشير إلى نجاح السلطات الانتقالية المؤقتة في إنجاز أي خطوة حاسمة في هذا الشأن، بل هناك مؤشرات على تدهور الوضع الأمني، وتأخر بناء الجيش الوطني والمؤسسات الأمنية، ويمكن تفسير عدم تمكن المؤتمر من القيام بأي خطوات ذات أهمية حاسمة لتنفيذ خارطة الطريق بالضعف الكامن في مؤسسة المؤتمر الوطني ذاتها، حيث يعكس المؤتمر قدراً لا بأس به من التشرذم والانقسام، ويعج بالمناورات السياسية والمنافسات الحزبية، أو تلك القائمة في الغالب على الولاءات الشخصية والجهوية.
لا يمكن فصل ما يحدث أيضا في ليبيا من صراع بعيدا عن قانون العزل السياسي، الذي أقره المؤتمر في تصويت علني جعل القيام بمعارضته مخاطرة، وشاب عملية صياغته وإقراره الكثير من المشكلات. وبناءً عليه، جاء قانون العزل السياسي الذي تم إقراره تحت تهديد السلاح ومحاصرة واقتحام وزارتي العدل والخارجية من قبل الميليشيات المسلحة. ولاشك في أن هذا القانون سوف يكون له الأثر الكبير في الحياة السياسية في ليبيا واستقرارها، على المديين القريب والمتوسط، بحسب الآلية التي سوف تُعتمد من أجل الفصل بين من يستطيع أن يشارك في الحياة السياسية في ليبيا ومن لا يحق له المشاركة بموجب هذه القانون. لاشك أن للثورة الليبية الحق في حماية نفسها من رموز النظام السابق ومنع عودتها إلى السلطة، ولكن من دون أن ينتج من هذا الحق عزل شرائح واسعة من الشعب الليبي. فهناك مخاوف من أن تضرب المصالحة الوطنية عرض الحائط نتيجة لقانون العزل السياسي، إذا اعتُمد منهج جارف وواسع في تنفيذه، مما يؤدي إلى تهميش جزء كبير من الشعب الليبي ويهدّد وحدته. لقد بدأت تداعيات هذا القانون واضحة في عدد من الأزمات الأخيرة.
وفي هذا السياق، لابد من الإشارة إلى أن المحاولة الانقلابية الفاشلة الأخيرة بقيادة اللواء خليفة حفتر، وهو ضابط سابق في الجيش الليبي انشق عن نظام القذافي في أواخر الثمانينات من القرن الماضي، يجب وضعها في إطار الهزات الارتدادية لقانون العزل السياسي ومحاولة القوى والرموز المستهدفة من هذا القانون من أجل البقاء وضمان وجودها في الخريطة السياسية المستقبلية لليبيا، خصوصا وبنية الأمن تساعد كثيرا في نفاذهم بقوة في الجسد الأمني الليبي.

٭ كاتب ومحلل سياسي ليبيِ

د. محمد الشيخ

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية