فوكوياما وصراع الحضارات والديمقراطية واقتصاد السوق كترياق

حجم الخط
0

في لحظة مفصلية من تاريخ العالم الحديث، لحظة انتصار الولايات المتحدة الأمريكية، وهزيمة الاتحاد السوفييتي، أطلق فرانسيس فوكوياما، الأكاديمي الأمريكي من أصول يابانية، صيحته المدوية عبر مقال في مجلة «ناشيونال إنترنست» عام 1989، يعلن فيه أن التاريخ انتهى، وأن النظام السياسي والاقتصادي الغربي بمثابة الفردوس الأرضي، الذي من خلاله تنعم البشرية جمعاء بالأمن والسلام والحرية، وبمجرد ما نال تلك الشهرة، وحاز ذاك الصيت، كان من الضروري أن يتعمّق فوكوياما في بيان أطروحته، فأصدر كتاباً بعنوان «نهاية التاريخ والرجل الأخير» في عام 1992، بحيث دارت حوله العديد من الحوارات والنقاشات، حتى غدا مرجعاً ضرورياً لمن أراد أن يفهم سياسات العالم في العصر الحديث.
إن أطروحة «نهاية التاريخ» حسب فوكوياما نُظر إليها على أنها «فرضية أكثر منها توقعات أو تنبؤات دقيقة» ظهرت في مرحلة مفصلية عندما «برزت أمريكا باعتبارها القوة العظمى الوحيدة، وبدا أن قوة المُثل الديمقراطية والاقتصاد المفتوح مستعدة لاكتساح كل شيء أمامها، وبدت العولمة كقوة لا يمكن إيقافها»، نتيجة لهذه الأوضاع لم يبق للبشرية من بدائل أو خيارات أخرى سوى السير في ركب أمريكا، والرضا بكونها قوة وحيدة، والقبول بنظامها المبني على اقتصاد السوق والنظام السياسي الديمقراطي، كحتمية لا مفر منها.
إلا أن هذه النهاية ليست وردية، كما يعتقد البعض، «ولن تكون البشرية عندئذ ألف زهرة تتفتح في صور وأشكال متباينة، وإنما ستكون بمثابة قافلة طويلة من عربات متشابهة» تسعى إلى الوصول إلى خط النهاية. قد يصل البعض، وقد يتأخر البعض الآخر، وقد يفشل أو يقاوم آخرون، فهناك مقاومات ستظهر هنا وهناك، مدعمة برصيدها الحضاري أو الديني، من أجل كبح جماح العولمة الغربية، ومنع توسع نفوذها في العالم، وقد يكون الإسلام مصدر إلهام لأتباعه بما يحمل من قيم، وبما يحقق من انتصارات على الديمقراطية الليبرالية في العديد من مناطق العالم الإسلامي، ذلك أن الإسلام، كما يقول فوكوياما «يشكل أيديولوجيا متسقة ومتماسكة شأن الليبرالية والشيوعية، وأن له معاييره الأخلاقية الخاصة به، ونظريته المتصلة بالعدالة السياسية والاجتماعية»، كما أن للإسلام جاذبية كبيرة، بحيث تتجلى هذه الجاذبية أكثر في دعوته العالمية إلى البشر كافة باعتبارهم بشراً «لا مجرد أعضاء في جماعة عرقية أو قومية معينة».

الصدام بين الحضارات حقيقة

وبما أن للإسلام هذه الأيديولوجيا المتماسكة والمتسقة، ويملك جاذبية من شأنها أن تجذب البشرية جمعاء إلى قيمه وتعاليمه، وإلى شرائعه وقوانينه، فهو بالتالي، يشكل سداً منيعاً ضد أيديولوجية الغرب المتمحورة حول الديمقراطية اللبرالية واقتصاد السوق، ومن شأن هذه المقاومات أن تؤدي في بعض الأحيان إلى الصدام بين الإسلام والغرب، ومن هنا يتفق فوكوياما مع أطروحة صموئيل هنتنغتون (1927- 2008) التي ذهب فيها إلى أن الصراعات ما بعد نهاية الأيديولوجيا، ستكون بسبب الاختلاف الثقافي والديني بين الحضارات الكبرى، بحيث «نظم، أي هنتنغتون، العالم في مناطق متصارعة، إذ تحل الثقافة محل الأيديولوجيا، باعتبارها خط التصدّع الرئيس» جاعلا من الإسلام والكونفوشوسية مصدر التهديد الأول ضد الغرب وحضارته.
وعليه، فإن فوكوياما يتقبل أطروحة «صدام الحضارات» لهنتنغتون، إلى حد كبير، ويرى أن النّمط الثقافي، من ديانات، وأواصر إثنية، وروابط تاريخية، سيكون له دور فاعل في تحديد الولاءات، وتشكيل التكتلات بين الدول في عصر ما بعد الأيديولوجيات، ما يؤدي إلى نشوب صدامات، ومع أن فوكوياما يقرُّ بأنه «يختلف في كثير من المسائل بشكل أقل مما يعتقده الكثيرون عندما نتحدث بشكل شخصي»، ويدلل على ذلك بحديثه الشخصي مع هنتنغتون بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول، الذي تمحور حول حرب العراق التي كان، في الواقع، يعارضها، لأن من شأن تلك الحرب أن تجعل أمريكا منخرطة في صراع حضارات بدون شك، كما أن ردود الفعل المناهضة للعولمة، والرافضة للهيمنة الغربية، مؤشر قويٌّ على أن العالم اليوم يعيش فترات صدام أكثر منها فترات تعايش.
أضف إلى ذلك أن العالم اليوم يعيش في فترة «حقّق فيها الدين، وإلى حد ما القومية، عودة كبيرة» إلى الحياة السياسية، وغدا الدين مُلهماً لكثير من الأنظمة والأحزاب السياسية. كل ذلك يجعل من أطروحة هنتنغتون في صدارة مشهد العلاقات بين دول العالم اليوم، خاصة في عهد دونالد ترامب، حين انكفأت أمريكا في عزلتها، وأصبحت تبني علاقتها مع الدول بمقياس الربح والخسارة، وعلت خطابات العنصرية ضد الآخر، سواء كان هذا الآخر حسب الدين أو العرق أو حتى اللون.

ترياقات ضد الصدام

إلا أن فوكاياما يطرح طريقين من خلالهما يمكن تفادي الصدام بين الحضارات، ونقلها، أي الحضارات، من حالة الصراع إلى حالة التعايش والوئام، الأول باندماج هذه الكيانات الحضارية، وذوبانها في المنظومة الأمريكية، وأبعادها السياسية والاقتصادية والثقافية، بمعنى آخر القبول بالهيمنة الأمريكية، وهو بذلك يؤكد، بطريقة أو بأخرى، أطروحته التي تقول بـ«نهاية التاريخ». أما المدخل إلى ذلك، فيكون اقتصادياً حيث يعتبر «التكامل الاقتصادي بين الدول الأكثر إثماراً».
أما الطريق الآخر الذي يرسمه فوكوياما لتجنب الصدام بين الحضارات، فهو التأسيس للحكم الرشيد، وفي إجابته عن التساؤل الذي يطرحه على نفسه بقوله: كيف تحقق دولة حديثة الحكم الرشيد؟ ذلك أن هذا الحكم لا يتحقق إلا عبر آليات ضرورية تجعل من المساءلة والمحاسبة من صميم الحكم، وتجعل من الحكام مجرد موظفين يسعون بكل جهد إلى خدمة المحكومين، في هذا الصدد يقول فوكوياما: «إن الحكم الرشيد ليس هبة يمنحها الحكام إلى المحكومين، إنه يتحدد في خاتمة المطاف على آليات المساءلة، التي تضمن أن يقوم الحكام حقاً بخدمة مصالح المحكومين، وليس فقط مصالحهم الخاصة، أو مصالح أصدقائهم وعوائلهم»، وحتى يقوم مثل هذا الحكم لا بد من استقلالية البرلمان والقضاء عن السلطة التنفيذية، وضرورة وجود معاهد توفر الشفافية، ومؤسسات إعلامية مستقلة تطلب الحقيقة، فضلا عن مؤسسات المجتمع المدني لمراقبة أداء وسلوك الدولة، فبقدر توافر هذه الشروط بقدر قوة الدولة، وبقدر غيابها تضعف الدولة، بمعنى آخر أن تعميم الحكم الرشيد في العالم كله يؤدي بالشعوب إلى التفاهم، والعيش الكريم، وانتشار مبادئ الفضيلة والكرامة والعدل والسلام، وهذا الطريق من شأنه أن يقوّض الصراع بين الحضارات، ويمهد أمام تعايشها. ومن ثمّ، فإن المشروع الذي يسوّقه فوكوياما لإنقاذ العالم من صراع الحضارات هو نفسه مشروع «نهاية التاريخ»، ولن تصل البشرية إلى هذا الهدف، ولن يتحقق ذاك الأمل إلا بعد أن يعمّ النظام الديمقراطي العالم كله، ويغزوه اقتصاد السوق، فهذان شرطان أساسيان لتحقيق ذلك «فقبل حصولك على الديمقراطية، يقول فوكوياما، يجب أن تكون لديك دولة وظيفية فاعلة».
أخيراً، قد يجادل البعض بالقول إن أطروحة «نهاية التاريخ» مرتبطة أساساً بالنموذج الأمريكي، الذي يعاني في السنوات الأخيرة، فأمريكا تتراجع قوتها، ومشروعها يترنح، والعالم يسعى إلى البحث عن بدائل أخرى، فكيف تكون هذه الأطروحة ترياقاً ضد صدام الحضارات؟ في هذه النقطة بالذات، أوضح فوكوياما مؤخراً، بأن مشروع نهاية التاريخ، في الأساس، لم يكن مرتبطاً بالنموذج الأمريكي تحديداً، فأمريكا اليوم، للأسف، لم تعد نموذجاً يحتذى به، بل أصبحت في الواقع «محتقرة على نطاق واسع في جميع أنحاء العالم»، وبالتالي، فإن نهاية التاريخ اليوم أقرب إلى مشاريع أخرى باعثة للآمال، وملهمة للبشرية، كالاتحاد الأوروبي على وجه الخصوص، فـ»محاولة الاتحاد الأوروبي لتجاوز السيادة وسياسات السلطة التقليدية، من خلال إنشاء حكم قانون يتخطى الحدود الإقليمية، أمر أكثر تماشياً مع عالم ما بعد التاريخ».

٭ كاتب مغربي

فوكوياما وصراع الحضارات والديمقراطية واقتصاد السوق كترياق

سعدون يخلف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية