ليس هنالك في ظاهر الأمر ما يجمع بين المستشار الألماني السابق هلموت شميدت والمفكر الفرنسي أندري غلوكسمان اللذين وافتهما المنية، كليهما، في العاشر من هذا الشهر. إلا أن نظرة عابرة تكفي للإقناع بأن مساريهما في الحياة يختزلان أهم القضايا الفكرية والسياسية التي عصفت بالنصف الأخير من القرن العشرين والتي لا تزال آثارها تتفاعل في ما نشهد من أزمات هذا العصر المفتوح على جميع احتمالات تكرار أخطاء الأمس وخطاياه.
ولو استثنينا الزعيم الكوبي فيديل كاسترو، فقد يكون هلموت شميدت هو السياسي السابق الوحيد الذي ظل يكتب في الصحافة بعد مغادرته السلطة، حيث كان يوافي أسبوعية «دي زايت» بتعليق سياسي يتميز بدقة التحليل، فضلا عن أنه كان يؤدي إلى زيادة عدد المبيعات نظرا لما يحظى به الرجل من احترام لدى معظم الألمان. فقد بنى هلموت شميدت مصداقيته على سجل حافل بأدلة الحنكة في اجتراح الحلول السياسية. كما كان ذا حضور قوي في المشهد السياسي بفضل موهبته الخطابية وبراعته السجالية. ومعروف أن مشروع الاتحاد النقدي الأوروبي، المتحقق اليوم في عملة اليورو، إنما بدأ أصلا في السبعينيات بفكرة وضعها هلموت شميدت مع الرئيس الفرنسي فاليري جيسكار دستان. وبالمناسبة، فقد ذكر دستان لمجلة فرنسية أجرت أخيرا تحقيقا عن «متحفه العائلي» – حيث أنه سليل أسرة أرستقراطية عريقة يتماهى تاريخها مع قرون من تاريخ فرنسا – أنه كان بين عائلته وعائلة أنور السادات صداقة وثيقة. ولكن الظن أنه ربما لم يعد يذكره من العرب الآن إلا من كان منهم من مستمعي الشيخ إمام، فربما تذكّر أغنية «فاليري جيسكار دستان والست بتاعه كمان» التي تحلق في نفس أجواء الأغنية الأخرى الشهيرة «شرّفت نكسون بابا يا بتاع الووترغيت».
أنشأ السياسيان الألماني والفرنسي ما كان يعرف بالنظام النقدي الأوروبي الذي ظلت بريطانيا مصرة على تسميته «نظام ضبط أسعار العملات الأوروبية» حتى اضطرت للخروج منه بسبب الانهيار البالغ في سعر الجنيه الاسترليني في ما عرف بـ»الأربعاء الأسود» يوم 16 أيلول/ سبتمبر 1992. ومن طرائف تلك الحقبة أن وزير المالية البريطاني نورمان لامونت أعلن أن زوجته لم تسمعه يغني في الحمام قط إلى أن أتى يوم اضطرار بريطانيا للانسحاب من النظام النقدي الأوروبي، فسأله مراسل البي بي سي: «ما الذي ندمت عليه أكثر: غناؤك في الحمام (في الأربعاء الأسود) أم حديثك السابق للأوان عن قرب الانتعاش الاقتصادي؟» فأجاب لامونت بعبارة واحدة: «لست نادما على شيء». ولكنه قالها بالفرنسية في استعادة لعنوان أغنية معروفة للمطربة الشهيرة اديت بياف – التي كانت بمثابة «أم كلثوم فرنسا».
أما أقوى علامة في رأينا على أن هلموت شميدت أدرك منذ الشباب جوهر الإشكالية السياسية في أوروبا المعاصرة، فهو أنه قد بكّر باعتناق عقيدة الديمقراطية الاجتماعية، أو ما يسمى عادة بالديمقراطية الاشتراكية. ذلك أن هذه العقيدة هي أفضل تأليف أوروبي بين مقتضيات الحرية السياسية والعدالة الاجتماعية، أي أنها أنجح تجاوز للشرخ العميق الذي أحدثه التعارض بين الرأسمالية والشيوعية – شرخ أرّق الضمير الإنساني وعذّبه معظم القرن العشرين وبلغ حد التهديد بإفناء البشرية. ويبدو أن شيمدت قد آمن بالديمقراطية الاجتماعية نتيجة لقائه بأحد دعاة المسيحية الاشتراكية في معسكر بريطاني فور نهاية الحرب العالمية.
أما أندري غلوكسمان، فرغم أن الحضور الإعلامي يغلب عنده على الإنتاج الفكري تماما مثلما هو الأمر بالنسبة لبرنار هنري لفي أشهر زملائه في زمرة «الفلاسفة الجدد»، ورغم أنه كان من المتحمسين للشيوعية الماوية أيام كانت بمثابة موضة لدى شريحة من المثقفين، ورغم أنه كان من أنصار بوش وساركوزي وعمليات التدخل العسكري الغربي في الخارج، فإنه قد أجرى نقدا جريئا للماركسية عام 1975 انطلاقا من تجربة سولجنتسين.
كما أنه نجح في التأليف العجيب بين متناقضين. ذلك أنه كان وفيّا لأهم مفكرين في فرنسا آنذاك رغم ما كان بينهما من العداوة: اليساري جان بول سارتر (الذي كان له أتباع كثر) واليميني ريمون آرون (الذي كان شيخ الفكر السياسي الأكاديمي). بل إن غلوكسمان، الذي كان مساعدا لريمون آرون في السربون، تمكن من الجمع بينهما يوما وإقناعهما بالانضمام لوفد المثقفين الذي ذهب إلى الاليزيه منتصف عام 1979 لحث الرئيس دستان على منح اللجوء لعشرات الآلاف من نازحي القوارب الفيتناميين، أسلاف السوريين في محنة الخروج العظيم.
٭ كاتب تونسي
مالك التريكي