في أعماق بعضنا يختبئ طفل نتستر عليه ونخفيه جيداً (هو «نحن» كما كنا في صغرنا) ونضع على فمه الكمامات لكي لا ينطق بصوت عال ويخرب حياتنا (كناضجين)، وهذا الطفل يعبر عن نفسه أحيانا بأساليب شتى.
ولعلي لذلك ما زلت أحب قراءة القصص الخاصة بالأطفال والتي كان والدي يزودني بها حين كنت طفلة، لأطالعها قبل النوم. بالمقابل، ربما كان ولعي بها نمط من أنماط الهرب من واقع عربي بائس حيث تفوح رائحة الحرائق وأصوات الانفجارات من جريدتنا في حروب الأخوة/الأعداء.
وهكذا أعارتني صديقـــــة كتابين من كتب حفــيدها (10 سنوات) صادرين عن «دار العلم للملايين» في سلسلة «حكايات المساء».
تجديد رائد ضد «الصمت»
الكتاب الأول عنوانه «ممنوع اللمس» للأديبة المختصة بالكتابة للأطفال فيروز قاردن بعلبكي. طالعته بغرض النوم فاستيقظت بأكثر مما ينبغي. فالكتاب يطرح علناً موضوعاً نتهامس به سراً وهو «الاعتداء الجنسي» الذي يتعرض له بعض الأطفال من قبل (الكبار) وهم غالباً «القريب جداً» أو «الجار» والطفل لا يجرؤ على الشكوى لأحد من ذلك لأن المعتدي يعامله بأسلوب الجزرة والعصا، (الحلوى والتهديد بالإيذاء)..
والقصة عن طفلة اسمها «ساسا» تتركها أمها في عهدة الخادمة معظم الوقت، ولهم جار مسن يدلل الطفلة ويهديها الحلوى ويتقرب منها حملاً وتقبيلاً زاعماً أنه يحبها كأحفاده. والخادمة عهدت له سراً أمر رعايتها في شقته مرات ريثما تنجز أعباءها المنزلية مع إخفاء الأمر عن الأهل الساهرين مما يتيح للجار الاعتداء التدريجي عليها (وهنا تؤنب فيروز الأهل الذين يتركون رعاية أطفالهم للخادمة) وباختصار: الجار اعتدى أخيراً على ساسا واغتصبها بعنف بعدما مهد لذلك بمداعبات سطحية في مرات سابقة. وحين أغمي عليها ونزفت خاف ولفها داخل شرشف وحملها وأعطاها للخادمة زاعماً أنها مريضة ونائمة. وحين عاد الأهل اكتشفوا ما حدث لساسا ونقلوها إلى المستشفى وهي غارقة في دمائها.
هذه الحكاية الشائكة «ممنوع اللمس» استطاعت فيروز قاردن كتابتها بفن استثنائي وفي كل سطر توعية للطفل وللأهل دون تجاوز حدود «العفة اللغوية». والنصيحة للأطفال هي: «لا تسمحوا لأحد أياً كان بلمس أماكنكما الخاصة… رجالاً كانوا أو نساء ويجب عليكم إخبارنا إذا حاول شخص إخافتكم أو أخذكم إلى مكان منفرد»..
وفيروز تروي الحكاية (الشائكة) بلغة دقيقة حذرة قل مثالها..
توعية الأساتذة والأهل قبل الأطفال
وفيروز قاردن تطالب الأهل في تقديمها بمشاركة الصغار في قراءة الكتاب وتقول «إن المجتمع العربي حريص على أن يجعل هذه الحوادث البشعة تزول بعدم ذكرها أو إطلاع الناس عليها.. وهذا يجعل الكثير من الناس يترددون قبل الشروع في الكتابة عنها». الشُجاعة الرائدة فيروز لم تتردد بإعلان «مشكلة الوحوش البشرية المريضة التي تسعى لافتراس أطفالنا».
وإلى جانب أسلوب الكاتبة المذهل برهافته في تناوله الراقي لموضوع محرم (تابو) في عالمنا العربي، تأتي رسوم الفنان أنطوان غانم ناجحة فنياً وبالذات في رسم الغلاف.
إحدى المدارس قامت بدعوة فيروز لقراءة قصة لها للأطفال لكنهم اشترطوا ألا تقرأ «ممنوع اللمس» فرفضت الدعوة! ولعلنا بحاجة لتوعية بعض الأساتذة، قبل الأهل والأطفال!
أنا «فتى شارع» لكنني إنسان مثلكم..
الكتاب الثاني للأديبة نفسها الذي طالعته لأنام فاستيقظت عنوانه «من يومياتي: فتى شارع» وهو على لسان مراهق يرغمه والده المطرود من عمله على بيع الأزهار في المطاعم والملاهي لشراء الخمرة له ويضربه وأمه وحكاية تمرده على الوالد لرغبته في متابعة الدراسة.. والقصة جذابة زاخرة بالتفاصيل الحية وأهم ما فيها توعية الأولاد على النظر إلى الآخر كإنسان لا كمتسول أو بائع أزهار يلاحق العشاق أو متطفل لزج وراء زجاج سيارة والدهم فخلف كل منهم حكاية ومأساة.
تبديل النظرة إلى الآخر موضوع غاية في الأهمية يربي الطفل على أنسنة (الأقل منزلة اجتماعية) والنظر إليه كندّ لا بترفع يلامس الاحتقار.
ورســـوم الكتاب للفنانة المبدعة في حقلها المتجددة نجاح طاهر..
فن أدبي يفتش عن ناقد
حقل الكتابة العربية للأطفال أهمله الناقد العربي ربما لتوهمه بأنه أقل منزلة من نقد الرواية أو الشعر. الكتابة للأطفال فن أدبي يستحق أن يكرس له ناقد وقته ويرصد إصداراته في كتاب نقدي.. فقد وقعت مصادفة مؤخراً على نشاط في حقل الكتابة للأطفال والرسوم المتحركة مختصة بالتحريض المذهبي، والتدجين العقلي الطائفي الفئوي.. وتهيئة الطفل ليكون ضحية وإيهامه بأنه سيكون شهيدا! فأدب الأطفال من مهامه إطلاق سراح الابتكار والخيال والعقل الإنساني لا ترويضه لصالح فئوي.
أكرر: بحاجة إلى دراسة عربية نقدية جادة تتناول العطاءات كلها في هذا الحقل، وتدعم مبدعها.
وفيروز قاردن تكتب بلا ضوضاء ولا أضواء ولا محاورات صحافية، ولا لقاءات تلفزيونية ولا تبحـــث عن جائزة أو شهرة ما.
إنه فن لم يلق ما يستحقه من العناية النقدية في عالمنا العربي، على الرغم من أصالته وعمق جذوره في تراثنا الشعبي، ولعل جدتي الأمية أطلقت سراح خيالي حين كانت تروي لي قصص «ثلاث بنات يغزلن ويأكلن» و»بدر البدور بين سبعة بحور» وسواها كثير ولعلها علمتني فن السرد دون أن تدري.
غادة السمان