يذكر الملك الحسن الثاني في كتابه الحواري مع الصحافي الفرنسي أريك لوران، «ذاكرة ملك»، أن القذافي حرص في مؤتمر القمة العربية في الجزائر عام 1988 على وضع قفازين أبيضين «حتى لا تتلطخ يمناه بمصافحتي لأني، حسب رأيه، قد تدنّست بعد أن صافحت شمعون بيريس». ولكن بعد انتهاء الجلسة الليلية نزع القذافي القفازين وصافح ملك المغرب، فقال الحسن الثاني له ولجميع الحكام العرب: «ما هي هذه المدرسة في السياسة الدولية التي تمنع كل حوار؟ لو استطعتم أن تذكروا لي سابقة واحدة في التاريخ العالمي أو العربي لقائد أو مفكّر رفض النقاش، حتى في حالة الحرب، فإني عندئذ سأتبعكم» (في موقف الرفض هذا).
صحيح أن اسم شمعون بيريس اقترن لدى الرأي العام العربي بالسلاح النووي الإسرائيلي وبمجزرة قانا. ولكن هذه الشهرة لوحدها لا تفي «شمعون النووي» (على وزن «علي الكيماوي») حقه. فقد كان «الفيلسوف» بيريس أستاذ مدرسة سفسطائية في التفاوض يجدر أن نسميها «عملية مبادلة الكلام بالسلام».
صحيح أن إسحاق شامير هو الذي قال، عندما أرغمه جيمس بيكر على الذهاب إلى مؤتمر مدريد، إنه سوف يدوخ الفلسطينيين في متاهة مفاوضات بلا نهاية. ولكن الذي برع في ذلك بالفعل هو بيريس. إذ ربما كان هذا الثعلب أكثر الساسة الإسرائيليين اتصالا بالعرب وأشدهم حماسا للكلام والابتسام بعد عاطر التحية والسلام! ولعل هذا الولع بالثرثرة مع العدو قد تزايد عنده بعد أن نالت إسرائيل المراد من أوسلو، ما أجاز له أن يطلق قولته الشهيرة: «خوزقنا الفلسطينيين». وقد روى ادوارد سعيد أن الصدفة جمعته ذات مرة مع نتنياهو في مقعدين متجاورين في الطائرة المقلعة من نيويورك، فإذا بالإسرائيلي يرتبك وينادي المضيفة طالبا تغيير المقعد. والغريب أن الصدفة ذاتها تكررت مع بيريز، فإذا به لا يتردد في توجيه التحية لادوارد سعيد ومفاتحته بالحديث. إذ إن الثقة في الذات وإتقان فن المجادلة هما من مفاتيح شخصية هذا الداهية الذي ينتمي إلى جيل من الساسة الإسرائيليين الأكفاء الذين تفوقوا على معظم مجايليهم من الساسة العرب في كل أمر.
كان بيريز، مع موشي دايان وأبا إيبان، من مجموعة الشباب التي انتقاها ديفيد بن غوريون واستخلصها لنفسه منذ الأربعينيات. وقد استرعى بيريس انتباه بن غوريون عام 1945. إذ بخلاف دايان وإسحاق رابين، على سبيل المثال، لم يكن بيريس ينتمي إلى فئة «الصبرا» التي تمرست بالقتال أثناء حرب العصابات الصهيونية وتحولت بعد 1948 إلى نخبة حاكمة لا تؤمن إلا بمنطق القوة والعسكرة ولا ترى لدولة إسرائيل مستقبلا إلا على النموذج الاسبرطي. وإنما كان هذا البولندي، المتشبع بالثقافة الأوروبية والمغرم باللغات، ذا براعة في تدبيج أدبيات الدعاية الصهيونية لمختلف أجهزة حزب ماباي. ولهذا أرسله بن غوريون عام 1946، وكان لا يزال آنذاك في الثالثة والعشرين من العمر، مع دايان إلى المؤتمر الصهيوني الثاني والعشرين في بازل.
وبعد إنشاء الدولة حرص بن غوريون على تعيين بيريز مديرا عاما لوزارة الدفاع، فكان عينا له هناك حتى بعد خروجه من الحكم عام 1953. وعند العودة إلى الحكم عام 1955، كان لدى بن غوريون رؤيا جديدة: أن تصير إسرائيل دولة نووية. وقد كان المجهود العلمي العسكري الذي كلف كلاّ من ارنست برغمان، الكيميائي الألماني المولد، وبيريس بالإشراف عليه من السرية التامة بحيث أنه لم يكن يشير إليه في يومياته إلا إشارات مبهمة لا تشي بشيء. وفي نيسان/ابريل 1956 قرر بن غوريون إرسال بيريس لمقابلة سرية مع رئيس الوزراء الفرنسي غي مولي. وبعد شهرين طمأنت فرنسا إسرائيل أنها مستعدة لبيعها السلاح إن هي تحالفت معها في الهجوم على مصر الناصرية التي كانت آنذاك أكبر داعم للثورة الجزائرية. بل إن الحكومة الفرنسية أكدت أنها مستعدة للتعاون مع إسرائيل في مجال السلاح النووي!
ويبدو أنه لم يعد أحد في فرنسا يتذكر اسم وزير الدفاع السابق موريس بورجيس ـ مونوري الذي تعاون مع بيريس على تزويد إسرائيل بتكنولوجيا السلاح النووي. ولهذا فإن بعض الإذاعات الفرنسية التي تحدثت الأربعاء عن بيريس باعتباره عرّاب البرنامج النووي الإسرائيلي قد حرصت على التذكير باسم بورجيس ـ مونوري، علما أن اسم غي مولي ذاته قد صار منسيّا، رغم (أو ربما بسبب) كونه أسوأ رئيس حكومة في تاريخ الجمهورية الرابعة.
٭ كاتب تونسي
مالك التريكي