فيلمان محفوران في ذاكرة جيل الخمسينيات (1 من 2)… «الوسادة الخالية» لـ إحسان عبدالقدوس

حجم الخط
1

شاهد جيلنا في سنوات مراهقته العسيرة أفلاما سينمائية كثيرة، عربية وهندية وأمريكية المنشأ. لكنه لم يتوقف كما توقف عند فيلمين مصريين أجزم أنّ أحداثهما لا تزال حاضرة وعالقة بأذهان الكثيرين، رغم تقادم الأيام والسنين وتنوع الاهتمامات وازدحام المخيلة بالصور والمشاهد والتجارب المختلفة.
الفيلم الأول الذي أسر جيلنا فانشغل به طويلا هو فيلم «الوسادة الخالية» المأخوذ عن رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب إحسان عبدالقدوس ابن إحدى أشهر صحافيات مصر في عهدها الذهبي، فاطمة اليوسف» الشهيرة بـ «روز اليوسف» من زواجها بالممثل محمد عبدالقدوس الذي شارك في عدد من أفلام الأربعينات والخمسينات مثل، «رصاصة في القلب»، و»أنا حرة»، و»رسالة من امرأة مجهولة) مؤديا أدوار الأب الحنون أو العجوز المتصابي أو صديق العائلة الظريف.
الميزة الأولى لهذا الفيلم، الذي أنتج عام 1957 وعرض للمرة الأولى في مصر في سينما ريكس في العام ذاته، وكانت البحرين أول أماكن عرضه في الخليج، في العام التالي، قبل أن يعرضه تلفزيون أرامكو من الظهران في عام 1959، هي أنه يجسد على الشاشة قصة الحب الأول ولوعاته في حياة الإنسان، ومدى ما يكابده من آلام ومتاعب وصراعات نفسية للوصول إلى محبوبته والاقتران بها، في مجتمع لا يعترف بالحب أو على الأقل لا يسمح به علنا. هذا الحب الذي يصفه البعض بحب المراهقة، قائلا إنه سرعان ما يذبل وتنطوي صفحته بمجرد أن يكبر صاحبه ويشق طريقه نحو الحياة العملية ويكوّن أسرته الصغيرة، بل الحب الذي وصفه كاتب الرواية نفسه بـ«الوهم الكبير»، حينما قال في مقدمتها: «هناك وهم كبير في حياة كل واحد منا، اسمه الحب الأول»، وكأنما أراد أن يقول إن الحب الحقيقي هو ذلك الذي يأتي بعد نضوج الإنسان فكريا واستقراره نفسيا. لكني أعتقد جازما أن الحب الأول ليس وهما، فقد ينسى الشخص حبيبته الأولى وربما تنساه هي أيضا، إذا ما تفرقت بينهما السبل والظروف، لكنه يظل حقيقة، ويبقى مدفونا في دواخل المرء مهما تقادمت به الأيام والسنون… يجتره كلما خلد إلى نفسه، وتعاوده ذكرياته وإرهاصاته حتى بعد أن يقترن بأخرى وينجب منها البنين والبنات، بل أن طرفي الحب الأول إذا ما صادف أن تقابلا فجأة في مكان ما بعد طول افتراق فإن كل ذكريات حبهما البريء ستعود دفعة واحدة، من دون أن يعني ذلك عودة الحب نفسه مرة أخرى. وهذا أكبر دليل على أنّ أثره كامن ويمكن أن ينفجر في صورة دقة قلب أو ارتباك أو رعشة أو دمعة. أما سبب نفينا لصفة الوهم عن الحب الأول فهو أنه حب زمن المراهقة الذي يمثل لكل إنسان مرحلة شبابه وطهره وبراءته وعفويته وأحلامه الوردية. فكم كان صادقا الشاعر الكبير أبوتمام حينما أنشد:
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى
ما الحـُب إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتى
وحنينه أبدا لأول منــزل

أما الميزة الأخرى لفيلم «الوسادة الخالية» فهي أنه لم يبالغ ولم يتكلف، فجاء مطابقا لواقع حال السواد الأعظم من المحبين والعشاق في تلك الحقبة الخمسينية. وبكلام آخر لم يلجأ منتج الفيلم «الشركة العربية للسينما»، ومخرجه صلاح أبوسيف إلى اختيار فتاة ذات جمال صارخ، وشعر ذهبي مموج، أو ذات الدلال الزائد والثراء الفاحش، لتلعب دور البطولة وإنما عمد إلى اختيار فتاة عادية – وإنْ كانت بقوام رشيق وعينين خضراوين وجفون ناعسة وصوت مغر هامس – مثل لبنى عبدالعزيز.
وبالمثل فهما لم يختارا لأداء دور البطولة أمام الأخيرة شابا رياضي البنية، يتقطر وسامة، وينتسب إلى أسرة ذات حسب ونسب، وإنما وقع اختيارهما على عبدالحليم حافظ، الطالب الجامعي الفقير الذي لا يرتدي طوال الفيلم سوى كنزة واحدة من النوع البسيط فوق بنطال بدا عليه أنه من خياطة دكانين الخياطة الشعبية في منطقة «العتبة»، ولا يجد قيمة فطيرة أو تذكرة دخول إلى «جنينة الحيوانات» إلا بالتحايل مع صديقيه في الفيلم أحمد رمزي وعبدالمنعم إبراهيم. وأخيرا فربما كان من الأسباب التي جذبتنا للفيلم احتواؤه على أربع أغنيات من أجمل ما غنى العندليب الأسمر من ألحان الثلاثي الخالد بليغ حمدي ومحمد الموجي وكمال الطويل. وهذه الأغنيات هي: تخونوه، في يوم من الأيام، مشغول وحياتك، وأول مرة تحب يا قلبي.

كاتب وأكاديمي من البحرين

عبدالله المدني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية