بعد أكثر من نصف قرن، يعيد المخرج الهندي ريتيش باترا (1979) الثنائي اللامع في سنوات الستينيات روبرت ريدفورد (1939) وجين فوندا (1937)، بعد ثلاثة أفلام سابقة جمعتهما معا، «المطاردة» 1966 و«حافي القدمين في الحديقة» 1967، و«سائق الأحصنة الكهربائي» 1979، بعدها خط كل واحد منهما مسيرة ناجحة في عمومها. يلتقيان الآن في حكاية أخرى تضعهما في ورطة عاطفية أخرى، تقدّمهما في صورة رائعة وهما في آخر مسيرتهما وكأنه يذكّرنا بزمنهما الجميل معا.
كل شيء في فيلم «أرواحنا خلال الليل» هادئ، بداية بعمر بطليه إيدي مور (في دور لجين فوندا) ولويس (في دور لروبرت ريدفورد)، ثم خيار انطلاق الحكي في مساء ساكن لا تكاد تسمع فيه صوتا باستثناء، حفيف الأشجار، أو صوت إغلاق النوافذ وأبواب المحلاّت. في غمار هذا الهمس الليلي، تخترق الإطار امرأة مسنّة تطرق باب رجل مسن، كان قد انتهى لتوّه من تناول وجبة عشائه وحيدا، ويبدو طقسا مكرّرا لديه. يخرج ويستقبل المرأة التي يعرفها وتعرفه جيدا، فهما جيران منذ زمن، ويقطنان الحي نفسه في بلدة كولورادو الصغيرة، هذه الجارة جاءت لكي تقترح أمراً في غاية الغرابة على جارها، في مشهد هو شعلة الفيلم ودافع حركيّته: تقول له بجرأة سبقها ارتباك بسيط «ما رأيك أن تأتي عندي للبيت لكي تنام معي بين الحين والآخر»، بعد ملاحظتها لاستغرابه الشديد أردفت: «إن الأمر لا يتعلق بالجنس، الأمر يتعلق بقضاء الليل والحديث قبل النوم.. لأن الليالي قاسية». الفيلم بعد هذه المحادثة يجلب لك نصيبك من الحيرة ومن الارتباك، وهو الارتباك نفسه الذي أصاب لويس الذي طلب من إيدي أن تمهله لكي يفكر في العرض، هكذا يحمل سماعة الهاتف في الغد ويكلمها، ثم يأتي في المساء حاملا كيسا فيه ملابس النوم، وبعدها تأخذ زياراته وتيرة منتظمة.
عندما كان يأتي في البداية كان لويس يفضل الدخول من الباب الخلفي درءا للشبهات، لكن بعد تكرار الزيارات لم يعد يهمه الأمر، فالعلاقة كانت تتطور عاطفيا، وتتّجه إلى ألفة غريبة، صارا يخرجان معا متشابكي الأيدي، لم يعد يهمهما ما سيقوله الناس في بلدتهما الصغيرة. أصبحت نظرات الناس المريبة دافعا لهما لإظهار المزيد من الانسجام والترابط.
في أكثر من نصف الفيلم وضع المخرج ثنائيّه: أمام الكاميرا، حوارات كثيرة، بسيطة في غالبيتها لكنها مليئة بدفء من نوع خاص، نوع حوارات تفتقده الحياة في القرن الواحد والعشرين، يتحدثان وكأن مهمتهما في الحياة هي فقط الحديث وأخذ الأمور بروية، بعيدا عن مطاردة الوقت والهروب منه. هما الآن يقفان على طرف العمر يتأملان الماضي، ولا يبدو أنهما حزينان على ذهابه، باستثناء ندم القرارات الخاطئة التي قام بها كل منهما. في أحاديثهما الكثيرة لم يعد هناك مجال للتملص وخلق التبريرات، هناك الاعتراف فقط، يعترف لويس بتركه لزوجته وابنته من أجل امرأة أخرى أكثر جمالا من زوجته، لكنه سيقرّر لاحقا أن يعدل عن حماقته ويعود لأسرته، لكن رغم هذا القرار المسؤول فالناس في البلدة الآن يتذكرونه فقط بالرّجل الذي ترك أسرته من أجل امرأة.
يضع الفيلم تقابلا بين هذا العالم الهادئ وعالم اليوم ممثلا بالأبناء، فابن إيدي تكاد حياته الأسرية أن تنتهي مأساويا وطفله يعيش وسط صراع لا ينتهي، يعيش لأيام مع جدته ولويس، يذوق طعم حياة أخرى فيها الكثير من العاطفة بعيدا عن هاتفه الذي لم يكن يفارقه أبدا. هنا يأخذ الفيلم فرصته للتطرق لحياة الناس مع التكنولوجيا التي أصبحت تسرق منهم أجمل شيء، الدفء.
لم تتجاوز العلاقة بين إيدي ولويس حدود مقترحها (أن الأمر لا يتعلق بالجنس)، لا غرابة في هذا فلويس يبلغ 81 وإيدي تبلغ 79 لم يعد الجنس يشكل حاجة ملحة لهما، هكذا لم نشاهد طيلة مدّة الفيلم خرقا واضحا لاتفاقهما، رغم دردشة إيدي مع صديقتها عن الجنس ورغم تهكّم أصدقاء لويس حول هذه العلاقة. لكن ظلت هكذا وكأن الأمر يتعلق بدرس من نوع ما، درس في تعليم هذه العادة، المتعة التي لا يقدرها البشر حاليا أن تنام برفقة شريك وتصحيان مع كل هذه الأحاديث التي تجلب النوم وتأتي بالصباح، أشياء بسيطة يقول لنا الفيلم لكن لم تعد لها أهمية كبرى في حياة الناس!
تستند أحداث الفيلم إلى آخر رواية للأمريكي كينت هاروف قبل موته سنة 2014، رواية لم تنل الكثير من الشهرة، لكنها كانت لافتة بفضل نظرتها العميقة لحياة المسنين التي يراها الكل مرحلة فراغ وانتظار للموت، هنا تقترح الحكاية متعة لهذه الحياة متعة قضاء آخر سنوات العمر سعيدا.
كاميرا المخرج لم تتحرّك كثيرا، لم تكن مطالبة بالتنقل بين أماكن كثيرة، فقط بلدة صغيرة قليلة المرافقة وبين بيت لويس وبيت إيدي، ومشاوير قليلة أخرى، التركيز على الشخصيات كان الهمّ الأكبر للمخرج، نقل المشاعر حتى بدون كلمات أحيانا، نقل انفعالات ممثلين كبيرين يؤديان أمامنا لأكثر من ساعة وأربعين دقيقة، جعلنا نتمنى أن تطول أحيانا، وأن يبوح الفيلم بأكثر مما قاله. روح الفيلم الهادئة تترّدد في موسيقاه التي لم تستقر على مؤلف واحد هي مقطوعات متنوعة، لكنها تنبع من تفصيل واحد تذكرنا في جزء كبير منها بأفلام الطريق وأفلام رعاة البقر، تناسب إيقاع الشخصيات وتملأ فضاءها البسيط.
«أرواحنا خلال الليل» سيعجب كبار السن، لأنه ينطق بصوتهم، لكنه ربما سيعجب أكثر الأصغر سنا، لأنه ينبّهك للالتفات إلى التفاصيل الصغيرة الممتعة التي تمر منا في غفلة، بسبب السرعة التي أصبحنا نسير بها، هي سرعة لا تأخذنا إلى أي وجهة، هي فقط تأخذنا إلى النهاية.
٭ ناقد سينمائي من المغرب
سليمان الحقيوي