كان ـ «القدس العربي» ـ نسرين سيد أحمد: بعد استبعاد دام سبعة أعوام، عاد المخرج الدنماركي لارس فون ترير إلى مهرجان كان متحديا، بفيلمه «المنزل الذي بناه جاك». لم يثنه الإبعاد والمقاطعة بسبب تعليقات له اعتُبر ت معادية للسامية عن إنجاز فيلم مؤلم صادم، فيلم لا يهاود ولا يسعى إلى المهادنة، فيلم انتزع صيحات الصدمة وإجفالات الأعين خوفا، كما انتزع تصفيقا لا يهدأ وإعجابا لا ينضب.
وعلى الرغم من أن الفيلم طُرح خارج المسابقة الرسمية في المهرجان، إلا أننا نكاد نجزم أنه كان الفيلم المرتقب من قبل الجميع، الفيلم الذي حرصت أعداد غفيرة من الحضور على مشاهدته. لم يتوان فون ترير يوما في تصوير القتامة أو الألم، ولم يسع قط إلى مغازلة الجمهور، ولعل عنوان الفيلم هو دليلنا إلى عالم فون ترير. «البيت الذي بناه جاك» هو في الأساس عنوان أغنية تراثية إنكليزية للأطفال، أغنية تروي قصة يغفو الصغار على وقع كلماتها، ولكن «البيت الذي بناه جاك» كما أنجزها فون ترير هي قصة يُراق فيها الكثير من الدماء، قصة عن قاتل متسلسل، وعن فلسفته في القتل وعن الجمال والإبداع الذي وجده في جرائمه، فهو قاتل يعتبر القتل فنا وينشد الكمال فيه.
جاك (مات ديلون) يحلم بالكمال وتنفيذ جرائم قتل تضاهي في إبداعها أعظم ما أنجزه الفن البشري في مجال العمارة، فبينما شيد المعماريون كنائس وكاتدرائيات من نفائس المعمار القوطي في العالم، يسعى جاك، وهو مهندس دارس للهندسة وعاشق للمعمار، إلى تشييد صروح من جرائم القتل الكاملة، الجرائم دقيقة التصميم والتنفيذ. جاك وحيد متفرد في عالمه، تعنيه التفاصيل ويتمهل فيها ويبرع في تنفيذها، هو رجل مصاب بالوسواس القهري، يعنيه الكمال والدقة ، وهو أيضا ذواق للفنون والموسيقى، ويمضي الكثير من وقته في الاستماع إلى غلين غولد، عازف البيانو الكندي الشهير، ومشاهدة تسجيلاته التي تتسم بقدر فذ من الموهبة والإبداع.
وكما يسعى المبدع إلى تطوير تقنياته وشحذ قدراته، يسعى جاك إلى تطوير القتل، فلا تتشابه جرائمه ولا يتشابه قتلاه، فهو مجدد مبتكر في فنه الدامي، لا يواري جثث قتلاه الثرى، بل يحتفظ بها في غرفة تجميد ضخمة يشيد فيها صرح جرائمه. ولكن عمليات القتل وكيفية تنفيذها ليسا مغزى الفيلم وليسا جوهره، بل جوهره هو فلسفة جاك وعقله، ذلك العقل البالغ الذكاء والتعقيد. يبدأ الفيلم بصوت محاور يقارع جاك الحجة ويبادله الحديث، هو متحدث نسمع صوته ولا نراه إلا في نهاية الفيلم. نعرف أن الصوت لشخص يدعى فيرج (بزونو غانز). أترى فيرج هذا أحد هلاوس جاك؟ أتراه ملاك الحساب؟ هل هو هاو آخر للكمال والإبداع؟ هل هو شيطان أو فيلسوف؟
يصحب جاك فيرج ويصحبنا عبر تاريخه وقصته المقسمة إلى خمسة فصول يروي في كل منها جريمة من جرائمه وفلسفته الخاصة وتطورها وتطوره الإبداعي في القتل. جاك على قناعة بأنه فنان وفيلسوف، وأن جرائمه ليست مجرد إراقة للدماء بل هي أعمال فنية كاملة، يبرهن في حديثه مع فيرج على أن جرائمه ترقى إلى مصاف قصائد الشاعر البريطاني وليام بليك أو إلى عزف غلين غولد. يأخذنا جاك في حديثه مع فيرج إلى أدلة على إبداعه وفلسفته في رحلة في عالم الفن والشعر والموسيقى والسينما، إلى الحديث عن «مبدعي» القتل في العالم، ومن بينهم هتلر وموسوليني وستالين. من جحيم دانتي إلى ملاحم فيرجل، إلى فن انتقاء المواد الملائمة لكل طراز من طرز المعمار، تتشعب رحلة جاك مع فيرج. يعرب جاك عن افتتانه بتعامل الرايخ مع العمارة وتطويعه لها لخدمة أهدافه، وبهذا لم يكتف فون ترير بالعودة إلى المهرجان بعد سبعة أعوام من الاستبعاد، بل طرح في فيلمه الفكرة ذاتها التي أدت إلى معاقبته واستبعاده.
إن كنت تبحث عن فيلم يهادن ومخرج يراعى الحساسيات ولا يسعى إلى أن يكيل بدل الصدمة صدمات، فلا تشاهد أفلام فون ترير، ففون ترير لا يترفق ولا يتجمل ولا تأخذه بنا هوادة. هو يعلم أن العالم فيه من القبح الكثير وفيه من إراقة الدم الكثير، ويعلم أن هناك من يستعذب إراقة الدماء ويتفنن فيها، ويعلم أن هناك من يجد في القتل لذة لا تضاهيها لذة، وهو يصور ذلك أمامنا كما لو كان يقول لنا أنظروا ما تصنعه أياديكم. يبحث جاك في أحد إبداعاته الدامية عن جريمة يقتل فيها أكبر عدد ممكن من الضحايا برصاصة واحدة، وهي جريمة استوحاها حقا من النازي. نرى تمثيل جاك بالجثث وتقطيعه لها إربا ليصنع منها إبداعات فنية، هي إبداعات صادمة تثير الفزع، ولكنها على فداحتها وفزعها لا تقل عما يشهده العالم من جرائم وحروب ومذابح لمن لا جريرة لهم.
ليس الفيلم تمجيدا لإراقة الدماء، وليس احتفاء بالقتل كما يظن البعض، بل يضعنا فيه فون ترير وجها لوجه أمام ما يقترف في العالم من سفك للدماء باسم أيديولوجيات مختلفة وباسم تمجيد القتل لأسباب شتى. كما هو الحال في فيلمه «دوغفيل» (2003)، الذي يصور فيه انحدار النوازع البشرية صوب التعذيب والعنف والبطش والاستغلال الجسدي والجنسي، إذا تركت بلا حساب أو عقاب، يواصل فون ترير تصويره للجانب المظلم من الطبيعة البشرية في «البيت الذي بناه جاك». لا يقدم فون ترير في فيلمه الجديد تمجيدا للقتل والشر بل يضع نصب أعيننا ما يفعله الإنسان بالإنسان. ولكن يبقى السؤال من هو فيرج هذا الذي يحاور جاك ويستمع إلى شرحه لإبداعه الدامي.لا تتضح الإجابة على هذا السؤال إلا في نهاية الفيلم حين يستمع جاك إلى أنين القتلى ويستمع إلى صوت معاناة الضحايا، ذلك الصوت الذي يشتد ويشتد كلما اتجه صوب الجحيم. فيرج هو من يقتاد جاك إلى مصيره، هو لا يحاسبه على جرائمه، بل يسمعه فقط صوت ضحاياه، وهذا كفيل بالزج به في غياهب الجحيم. «البيت الذي بناه جاك» هو الجحيم ذاته، ليس الجحيم الذي تتحدث عنه الكتب وتتوعد به المذنبين.