فيلم التحريك «جزيرة الكلاب» للأمريكي ويس أندرسون يفتتح مهرجان برلين السينمائي

حجم الخط
0

برلين ـ «القدس العربي» – نسرين سيد أحمد افتتح فيلم التحريك «جزيرة الكلاب» ( Isle Of Dogs) للمخرج الأمريكي ويس أندرسون مهرجان برلين السينمائي في دورته الثامنة والستين، التي تجري من 15 إلى 25 فبراير/شباط الجاري. في مهرجان لا ينأى بنفسه عن السياسة وعن القضايا الشائكة.
يأتي اختيار «جزيرة الكلاب» ملائما تماما لافتتاح المهرجان، فهو فيلم يقدم صنعة سينمائية في أوج إتقانها وإبداعها، وهو أيضا فيلم يقدم التسلية والإمتاع اللذين يناقش عبرهما عددا من القضايا الجادة ذات الأصداء العالمية، من بينها الفساد السياسي، والبروباغاندا، والتهميش والتطهير العرقي والتمييز ضد فئات بعينها دون جريرة ارتكبتها. يأخذنا «جزيرة الكلاب»، وهو أول فيلم تحريك يُفتتح به مهرجان برلين في تاريخه، إلى المستقبل القريب في اليابان ويضعنا أمام سؤال رئيسي: ترى كيف تحول الكلب، صديق الإنسان الصدوق وحيوانه المدلل المفضل، إلى كائن منبوذ مكروه منفي؟ أتُرى الكلاب ارتكبت جريرة ما جعلتها تسقط ذرى نعيم رضا البشر إلى هوة الرفض والإبادة؟ أم أتُراها حملة بشرية ممنهجة للتمييز العرقي ضد الكلاب وتصويرها على أنها عدو يجب التنكيل به والقضاء عليه. في مدينة يابانية متخيلة تدعى ميغازاكي يشن عمدة المدينة واسع النفوذ كوباياشي، الذي يلعب الأداء الصوتي له الياباني كونيشي نومورا، الذي اشترك في كتابة الفيلم، حملة اضطهاد ضد الكلاب، حملة تبدو في ظاهرها لحماية البشر من تفشي أمراض تنقلها الكلاب، ولكنها مدفوعة بتحامل وكراهية شخصيين ويحركها جشع العمدة ورغبته في حشد مؤيدين له حتى يُعاد انتخابه. بعد إعلانها عدوا للبشر ومصدرا للأوبئة، تنفى الكلاب إلى جزيرة نائية، هي في الواقع ليست بجزيرة ولكنها مطمر للنفايات، من القمامة إلى النفايات الكيميائية والنووية. يبدي أندرسون في الفيلم تأثرا كبيرا بقصص المانغا اليابانية التقليدية، بما فيها من مغامرات وبطولات، كما يبدي تأثرا واضحا بالثقافة المعاصرة في اليابان وأجوائها المستقبلية. ولكنه أيضا يقدم التحية للمعلم الياباني أكيرا كوروساوا وأفلامه الملحمية. ينفذ بنا الفيلم إلى أجواء اليابان، من مصارعة السومو، إلى مشهد بديع لإعداد السوشي والساشيمي، بل إن اندرسون يتخذ قرارا بألا يرافق بعض المشاهد الناطقة باليابانية ترجمة صوتية أو مكتوبة، حتى نتمعن في اللغة وأصواتها وتأثير نطقها.
تدور أحداث الفيلم بالتوازي بين المدينة التي يأهلها البشر وبين جزيرة الكلاب المنفية، لندخل عالم هذه الكلاب التي قرر البشر أنها أصل الداء والشرور. يبرز هذا الانتقال بين العالمين أن حياة الكلاب، رغم فقرها المدقع وقبحها المظهري، أكثر عدلا وديمقراطية من عالم البشر، حين تسعى الكلاب لاتخاذ قرار مصيري أيا كان، نجدهم يتشاورون بينهم بوضوح وشفافية ويتخذون القرارات بالتصويت. في المقابل، عالم البشر ديمقراطيته زائفة يتحكم فيها أصحاب المصالح والأهواء، وتطبقها اليد القوية لأجهزة الأمن. عالم الكلاب واضح صريح وعالم البشر متلون زائف مخادع، يتحكم فيه المتنفذون في الجماهير عبر عمليات ممنهجة للدعاية والتضليل، ولكن العالمين لا يبقيان منفصلين بعيدين لمدة طويلة، فالصبي أتاري ( أداء صوتي لكويو رانكين) يغامر بالذهاب إلى جزيرة الكلاب بحثا عن كلبه الوفي. وفي مدينة البشر تبدأ أصوات العلماء ومناصري الكلاب والمعارضين في تفنيد مزاعم الحكام عن الكلاب، وفي كشف الحقائق، ومع تزايد القمع الحكومي تتعالى أصوات المعارضة، ومن أبرزها صوت تريسي، الطالبة الشابة القادمة من أمريكا في تبادل دراسي لليابان (أداء صوتي لغريتا غيرويغ).
يستلبنا الفيلم تماما من عالمنا ويستحوذ على اهتمامنا تماما طوال مدته، يبكينا أحيانا ويضحكنا كثيرا، يُضحكنا منا كبشر ويُضحكنا من نواقصنا ومن مواقف نجد فيها الكثير من التشابه مع ما يدور على الساحة السياسية في العالم. يمتعنا الفيلم بتفاصيل عالمه وبصورته وبسرديته التي تحول مطمرا للنفايات إلى مكان نحبه ونتعاطف مع سكانه. للوهلة الأولى تبدو الكلاب شعثاء عنيفة متسخة تقتات على النفايات وتبدو جزيرتها قاحلة منفرة، ولكننا نفهم الكلاب ونوازعها ونفهم حنينها لود غابر مع البشر وإلى وقت كانت تنعم فيه بالتدليل.

فيلم التحريك «جزيرة الكلاب» للأمريكي ويس أندرسون يفتتح مهرجان برلين السينمائي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية