فيلم «الذئب الأخير» للفرنسي جان جاك أرنو: رحلة شعرية وروحية في منغوليا الأرض والإنسان

حجم الخط
0

لسنا فقط مع حكاية جيدة وجذابة محبوكة ومصورة بشكل رائع تميط اللثام عن بقعة بعيدة في العالم، القليل جدا من الناس يعرفها، ولسنا بصدد رواية تاريخية لحقبة من الزمن والتاريخ الصيني، أعتقد ما يجب الانتباه له ما وراء السطور في الحوارات، وما ترصده الكاميرا من لقطات تزج بك لعالم غريب جذاب، فتخرج من قاعة العرض وأنت تغني بداخلك هذه الصور والأحداث تلتصق بجدار الذاكرة، فيكون من الصعب الفكاك منها كونها تظل في حوارٍ مستمرٍ بداخلك.
فيلم «الذئب الأخير» للمخرج الفرنسي الشهير جان جاك أرنو، الذي أصبحت له خبرة كبيرة في تصوير الحيونات واستنطاقها، وجعلها تعمل كشخصيات حية تؤثر فيك نظراتها ولهاثها وصراخها، ولكن البعض قد يسرع للانبهار بهذه الحيوانات الأسطورية الساحرة والغامضة. الرؤية الفلسفية العميقة هي الأرض يحضرني كلام المغولي العجوز وهو يقول: «إن العشب يقصد الأرض هو الأصل وكل ما فوقه من حيوانات وناس قد تتصارع ويأكل هذا ذاك رغم كل هذا الصراع وصور الموت إلا أن الحياة مستمرة وستظل بخير مادام العشب بخير». قال مثل هذا الكلام، أو هكذا يحلو لي أن أفهمه. كما يحضرني كلامه أيضا بقوله «تاريخ المغول تم تدوينة بطريقة مشوهة كون من كتبه ويكتبه هم الأعداء».
لعل المخرج هنا يريد كسر القاعدة كونه الصديق الذي جاء من بعيد ليصور هذا العالم الحالم بالحب والسلام. لا أظن المسألة مجرد تعاطف سطحي ولا معالجة سينمائية محترفة لسيرة ذاتية شهيرة للكاتب الصيني جيانغ روغ بعنوان «ذي ولف توتيم»، ذهب المخرج أبعد من ذلك بكثير، ليخلق قصيدة شعرية سينمائية تتعمق في روح الأرض والإنسان المنغولي، تصوره في لحظات الفرح والحزن والصراع مع الذئاب، ولكن الصراع هنا له قواعدة الشعبية المتوارثة منذ آلاف السنين، من ضمن هذه القواعد، عدم الاعتداء على الذئاب وطعامها في الشتاء، مثلا يقوم الذئاب بالصيد وترك الكثير من الغزلان تحت الجليد للانتفاع بها في الربيع والصيف، كون الغزلان تكون نشيطة وتركض بسرعة فيقل الصيد، لذا عندما تأتي القبيلة البدوية لتأخذ بعض الغزلان يقول لهم الحكيم: «علينا أن نترك للذئاب نصيبهم وإلا فأنهم سوف يهاجموننا لو مسهم الجوع». ولكن للأسف يخون أحد رجال القبيلة القاعدة ويدل التجار على هذه الثلاجة الخاصة بالذئاب، وهكذا تكون العواقب وخيمة ويتدخل في الصراع عنصر خارجي، وحدة من الجيش الصيني تقيم معسكرها ليس بعيدا من مكان هذه القبيلة، حيث يقوم الضابط بترك خيول تابعة للجيش، وهي ثروة وطنية، ويطلب من هذه القبيلة العناية بها وعندما تهاجم الذئاب هذه الخيول، وبعد صراع مرير تهلك هذه الخيول كلها في مستنقع متجمد ثلجي ويتسبب هذا في احتدام الصراع واستخدام أقسى أنواع القتل للذئاب.
البداية لهذه الفيلم تأتي مع قدوم طالبين من بكين إلى هذه الأرض في رحلة غرضها تعليم هذه القبيلة القراءة والكتابة والعيش معهم والعمل أيضا زمن الثورة الثقافية الصينية، بطل الفيلم الشاب الصيني، الذي يبدو مشدوها من الوهلة الأولى عند سماعة كلمة ذئاب، يحاول التقرب من عالمهم ،وفعلا الأمر ليس مزحة يلتقي خلال عودته من المرعى بقطيع من الذئاب، يتجمد يرتعد من الخوف.. ينجو بإعجوبة من الموت، يكاد قلبة يتوقف كانت لحظات رهيبة، كان اللقاء الأول غير عادي يصبح مولعا بمعرفة تفاصيل كثيرة فيجد في حكيم القبيلة الملاذ كي يعرف أسرار الذئاب.
في البداية لا نجد الحكيم متقبلا لهذا الشاب وزميله فمعرفة القراءة والكتابة لا تعني العلم والحكمة، هنا في هذه المكان الإنسان يتعلم كل يوم من خلال ما يحدث من خلال التماهي والإحساس بالطبيعة وتشرب العادات والتقاليد المتوارثة. يقتنع الحكيم بعد ذلك بهذا الشاب ويقاسمه الرؤية، عندما نراه يقاسمه منظاره المقرب ويأخذه معه لمراقبة الذئاب والتعرف عليها، فالذئب مثلا يراقب فريسته، يصبر وليس متسرعا يرى الضحية تأكل يتركها تأكل حتى تشبع تماما، وتكون عاجزة عن الركض بسرعة عند ذلك يهاجم في اللحظة المناسبة لتحقيق الهدف، هكذا هو المحارب الحقيقي وهكذا تعلم هؤلاء الناس أصحاب هذه الأرض فكانوا محاربين من الدرجة الأولى، ذاع صيتهم وقوي نفوذهم في حقبة تاريخة إلى بقاع كثيرة، نجد محاولة استقراء التاريخ من خلال الحوار بين بطل الفيلم وزميلة. يستغرب ذلك الشاب كيف تمكن هؤلاء من استعمار الصين يوما؟ ــ فرد البطل: «هؤلاء يأكلون اللحم كل يوم ويركبون الخيل بمهارة ويجيدون القتال وفن اللحظة، ونحن كنا نأكل الحبوب ونركض على اقدامنا».
تأتي في الكثير من اللحظات عبر الحوار الكثير من العبارات القوية التي يمكن أن تظل حكمة لزمن طويل، والتي تحمل في طياتها رؤية فلسفية أو استقراء لحالة من الماضي، أو الحاضر. يقوم هذا الشاب العاشق لعالم الذئاب بتربية ذئب صغير سرا كي يحاول معرفة هذا الكائن عن قرب كتجربة علمية، عندما يتم كشف سره يرفض الحكيم وأفراد القبيلة، لكن الضابط العسكري يستحسن الفكرة باعتبارها تجربة علمية يمكن أن تسهم في القضاء على الذئاب بشكل نهائي. الخطأ هنا ليس خطأ هذه الحيوانات التي عاشت مع الإنسان على الأرض نفسها منذ الاف السنين، ضمن القواعد التي تحدثنا عنها، وحتى عندما يتم العثور على صغار الذئاب، يتم قتلهم بطريقة وفق طقوس بقذفها إلى أعلى نحو السماء والطلب أن تتقبل السماء هذه الروح وتسكن خالدة في سلام، وعندما يموت المنغولي لا يدفن يتم ترك جثمانة لتأتي الذئاب وتأكله كون الاعتقاد الشعبي أن المنغولي يأكل اللحم طول حياته وبعد موته يدفع الثمن بترك جسده في العراء، من دون دفن لتأكله الحيوانات المتوحشة. وهنا في هذه الأرض الذئاب هي الشريك الأساسي.
يستمر الشاب الصيني بتربية الذئب، رغم أن الحكيم ينصحه بتركه يذهب، لكن الذئاب يبدو أنها لم تعترف بالصغير والتربية المقيدة له مسخته فيجد أن تركه يعني هلاكه كونه عاجزا عن مجابهة الطبيعة، لذا يعلمه فنون الركض والسباحة والتعرف على الطبيعة، وفي لحظة ما يعضه الذئب الصغير في كتفه، حدث هذا عندما تعرف الذئب على الطبيعة، وعندما شم رائحة موت الذئاب التي قتلها الإنسان بصورة بشعة عبر أفخاخ ومتفجرات، حيث الحرب بكل قسوتها ضد الذئاب. تتطور الأحداث إلى أن يتم هلاك الذئاب كلها. يظل هذا الذئب الأخير الذي يعلن العصيان ويعض طفلا صغيرا وبعد ذلك تحرره المنغولية أم الطفل فيكون الذئب الأخير في هذه البقعة، التي كانت يوما ما جنة الذئاب، لكن الإنسان القاسي ليس صاحب الأرض، بل أجانب من خارجها يجهلون قواعد العيش بسلام يجهلون الرؤية الروحية والفلسفية لهذه الجنة ويدمرون أجمل ما يوجد فيها من طبيعة وجمال بدعوى التطوير والتمدن.
المدهش في هذا الفيلم النزعة الشاعرية للطبيعة وجمالها ليس مجرد تصويرها في فصول متعددة، بل حوت جمالا تشكيليا وفنيا جذابا، لنذكر على سبيل المثال (لقطة الخيول المتجمدة في الجليد) نجدنا في متحف فني نحتي ساحر، لكل حصان وضعية خاصة وحركة خاصة لها معان ودلالات فنية وفلسفية يسحرك هذه المتحف ويظل خالدا في ذهنك.
لننتقل مثلا إلى مشاهد هجوم الذئاب على فريستها تم التوقف مع كل ذئب لنرى تعابير وأحاسيس وحركة نرى اللعاب يسيل من فم هذا، وذلك يحرك رأسه بهدوءـــ وهكذا فقد أعد المخرج للفيلم عدته وقام بتربية هذه الذئاب لمدة ثلاث سنوات واستعان بأكثر من400 فني وتقني ومروض خلال تصوير هذا الفيلم، نجد عدة لقطات نراها من خلال عين الذئب ونجد أن المخرج أيضا صور الكثير من اللقطات من وجهة نظر الذئاب فعكس قلقها وخوفها وغضبها مما يحدث.
تحدثت الشخصيات كثيرا عن الذئاب وعرفنا أن الذئب لا يقبل أن يتم إطعامه، هو محارب يحب الصيد يحب هو أن يقتل ذبيحته، فهو ليس كسولا، له رؤية حكيمة وفلسفية لا يعتدي ولا يقتل إن كان شبعانا، لعل من خلال هذه التصريحات والتلميحات يريد المخرج بطرق عديدة غير مباشرة قراءة الواقع البشري اليوم الذي تعصف به الحروب ويكون القتل لذة لمجرد القتل والتدمير، أي إن الإنسان اليوم مصاب بالمسخ فذهب لتدمير الطبيعة وأخيه الإنسان بطرق قبيحة وماكرة.

سينمائي يمني ـ فرنسا

حميد عقبي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية