لندن ـ «القدس العربي» نسرين سيد أحمد: في فيلمه الروائي الثالث، الذي حصل على جائزة أفضل سيناريو في مهرجان فينيسيا للعام الحالي، والذي يختتم به مهرجان لندن السينمائي (4 إلى 15 أكتوبر/ تشرين الأول المقبل)، يأتينا المخرج والكاتب المسرحي البريطاني مارتن ماكدونا بعمل إنساني مكثف عن الفقد والغضب وحزن الأم الثكلى حين يتحول إلى إصرار وعزيمة امرأة للوصول إلى الحق والحقيقة. إنه فيلم تقدم فيه فرانسيس ماكدرموند (ميلدريد هايز) واحدا من أفضل الأدوار النسائية التي شاهدناها في العام الحالي.
في طريق لم يعد مطروقا بعد تبدل مسار السيارات على مشارف بلدة إبينغ في ولاية ميزوري غربي الولايات المتحدة، تطالعنا ثلاث لوحات دعاية تزعزع هدوء البلدة الصغيرة، وتبين ما يعتمل فيها من تحاملات وتحيزات وما تمور به أرضها من غضب وجور.
تدخل ميلدريد هيز، الخمسينية الغاضبة المليئة بالروح المتمردة، إلى وكالة الدعاية في البلدة، لتستأجر اللوحات الثلاث لمدة عام، ولتدفع مقابل الشهر الأول للإيجار. على اللوحات الثلاث المتتالية تعلق ميلدريد ثلاثة ملصقات متتالية تقرأ: «لا اعتقالات حتى الآن؟»، «كيف ذلك أيها الشريف ويليبي؟»، ثم أخيرا تأتي اللوحة الصدمة الكبرى «اغتصبت وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة».
نعرف لاحقا أن ميلدريد فقدت ابنتها منذ سبعة أشهر، بعد أن اغتُصبت الفتاة وقُتلت وأُضرمت النيران في جسدها المنتهك. توجه ميلدريد رسالتها الغاضبة للشريف
ويليبي (وودي هارليسون) رئيس شرطة البلدة، الذي ترى أنه يتوانى في مهامه ولا يبحث عن قاتل ابنتها، حتى يحق الحق ويبرد ولو جزءا ضئيلا من غضبها وحزنها.
عندما تعلم الشرطة بأمر اللوحات الثلاث التي تدينها عيانا بيانا، يأخذ الفيلم وجهته التي أراد له ماكدونا أن يأخذها: تلك المواجهة بين المواطن السليب الحقوق والشرطة بكل تحاملاتها وتجاوزاتها واستخدامها للعنف والقوة في غير محله. تسارع القنوات المحلية لتصوير اللوحات الثلاث، وتمسك ميلدريد في يديها زمام الأمور، فإن كانت الشرطة لا تبالي، فهي ستستخدم سلطة التهكم والدعاية ولفت الانتباه، في محاولة للوصول إلى حقها وحق ابنتها. في مواجهتها الأولى معه بعد اللوحات، تتهم ميلدريد ويليبي والشرطة بأن لا هم لها سوى مطاردة المهاجرين وتعذيب السود، وأنهم ينسون واجبهم الرئيسي وهو القبض على مرتكب الجرائم مثل من قتل ابنتها.
مع اللوحات الثلاث تطفو على السطح تحاملات أهل البلدة، الذين يحب كثير منهم
ويليبي، ويراه حاميا للبلدة من الدخلاء، خاصة وهو في حالة صحية متأخرة. وتبدأ البلدة حملة لترويع ميلدريد حتى تزيل لوحاتها، خاصة الشرطي ديكسون (سام روكويل) الذي لا يتوانى عن استخدام العنف والترويع والقوة المفرطة للحفاظ على هيبة الشرطة. لكن مع استمرار الفيلم تتضح لنا إنسانية الفيلم ونأيه بنفسه عن وضع صورة نمطية للبلدة أو الشرطة. الخطوط ملتبسة، ولكلٍ نقاطه الطيبة ولكلٍ جانبه العنيف.
عندما نرى ويليبي في لقائه الأول بملدريد، نرى رجلا يبدي من التعاطف والتفهم الكثير، ويحاول أن يوضح أنه بذل ما في وسعه، ولكن مع انعدام الأدلة والمسارات الجديدة للبحث في القضية، لم يكن في وسعه هو والشرطة سوى التوقف عن البحث عن الجاني.
يقدم الفيلم صورة نابضة للحياة في بلدة صغيرة في الغرب الأمريكي. إنها بلدة فيها من العنف والتجاوزات والتحامل على الآخر بصوره المختلفة الكثير، ولكنها أيضا بلدة فيها من يتعاطف ومن يناصر ومن يحاول إحقاق الحق. ويوضح الفيلم أن الأكثر عنفا في الشرطة، الضابط دكسون، له جانبه الطيب وله أم يحبها وله خلفياته الجنسية والإنسانية التي حدت به أن يكون على هذا القدر من العنف.
ما يميز ماكدونا وفيلمه، البليغ نصا وحوارا المحكم الصنعة إخراجا، هو هذه الرؤية الإنسانية الثاقبة التي تدرك أن الإنسان ليس ملاكا أو شيطانا، بل إن هناك درجات من الخير والشر لدى كل منا تظهرها المواقف، كما يبين الفيلم، أن الإنسان قد يتغير من الوداعة إلى العنف والغضب الجارف في لحظات، كما أن أكثرنا عنفا وتطرفا يمكن أن يفيض دمعا وتفهما إذا استملنا إنسانيته. يكمن تميز الفيلم ورؤيته في أنه لا يقودنا إلى حيث ما نتوقع منه ولا يأخذنا في المسار الذي نظن أنه سيسلكه. لا يحصر «ثلاث لوحات دعاية» نفسه في إطار النقد اللاذع للشرطة، أو في إطار البحث عن الجاني وتقديمه للعدالة أو في إطار رسم صورة للعنف الممارس ضد المرأة والتحامل عليها، بل يتجاوز كل هذه القضايا إلى إطار إنساني أوسع وأكثر شمولا.
ينأى الفيلم بنفسه عن الرؤى المحدودة القاصرة، ولا يصل بنا لحل للغز، على غرار أفلام البحث عن الجناة، بل يصحبنا ماكدونا وتصحبنا شخصيته المحورية ميلدريد في رحلة نخرج منها أكثر وعيا وأثقب رؤية وأرحب أفقا. تقدم فرانسيس ماكديرماند في الفيلم أداء متميزا وشخصية قوية يتمحور حولها الفيلم ونتعرف على عالمه عن طريقها. إنها أم غاضبة تبحث عن الحق وعن الثأر لابنتها، ولكن بحثها عن الثأر لا يحولها إلى شخصية مريرة سوداء. نحن نفهم ميلدريد ونتفهمها ونفهم ألمها وحزنها. لديها من العزم والإصرار الكثير، ولديها من القدرة على التحدي والمواجهة الكثير، ولكنها في الوقت ذاته الأم التي هجرها زوجها لمن أصغر منها سنا، والتي اضطلعت بمفردها بتربية ابنها وبنتها التي فقدتها قبل الأوان. رحلة ميلدريد للبحث عن قاتل ابنتها رحلة فيها من الغضب الكثير، ولكن فيها من الحزن والسمو الإنساني الكثير.
يتضح لنا أن ما يبدو للوهلة الأولى فيلما عن الانتقام والثأر، هو في واقع الحال فيلم بقلب يتسع للإنسانية وكل ما يعتمل فيها من مشاعر. يتغير الأشخاص، وتتغير رؤيتهم للحياة وتتبدل رؤيتنا لهم. يبدأ الفيلم بسؤال غاضب لأم عن حق ابنتها وحقها، وينتهي بنا ونحن أكثر حكمة ووعيا وفهماً للإنسان ولأنفسنا.