فيلم حياة برية للمخرج سيدريك خان: دراما اجتماعية واقعية وانحياز كامل للطبيعة

حجم الخط
0

المتابع للسينما الفرنسية يلاحظ أن الفترة الأخيرة شهدت ظهور أفلام تنزع للواقع بقوة، تتسم بشكل فني سينمائي يعود بنا للروائع، تجعلنا نتذكر تلك التحف الفنية السينمائية في عهد الموجة الجديدة، كأفلام رينوار وكلود شابرول وفرانسو تروفو، فالسينما الفرنسية تتمتع ببصمة خاصة روحية وفنية، كانت ومازالت أفلام هؤلاء مدرسة أكاديمية ومرجعا لطلاب الفن وللمخرجين الشباب بفرنسا.
لعلنا مع فيلم «حياة برية» نحسّ بالعاطفة والحنين لتصوير الطبيعة وجعلها مسرحا لأحداث الفيلم، هي الطبيعة البرية الفرنسية بسحرها التي قد لا نحس به بسبب تعايشنا مع المدينة، الفيلم يحوي قضايا مهمة لعل أهمها (قضية تربية الاولاد، مشكلة التفكك الأسري، رسالة إلى القضاء والقانون تأتي موجهة مباشرة عبر الشخصية الرئيسية، الأب).
قصة الفيلم مستوحاة من قصة حقيقية واقعية، الحكاية باختصار: باكو شخص يعشق حياة البرية يكره الحياة المدنية، بسبب النمط الاستهلاكي المادي، يتعرف على نورا تشاركه الحلم بحياة برية، يعيشان بكرفان على جانب أحد الطرق بعمق الريف الفرنسي، لهما ولدان بعمر ست وسبع سنوات، اخيرا تقرر ترك زوجها بعد أن ملت من الحياة بين الطين والدواجن والماعز، تأخذ طفليها.
تنشب المشاكل تحال القضية للقضاء الأب يخطف طفليه، يهربون إلى احضان البرية لمدة عشر سنوات، مطاردون يعيشون بأسماء وهمية يغيرون هوياتهم خوفا من الشرطة. الأم خلال هذه الفترة تصارع من أجل العثور على طفليها، اخيرا تمسك الشرطة بالاب يكون اللقاء بعد مضي عشر سنوات بين الأم وولديها من أجل العيش معها عليها التنازل عن الشكوى ضد الأب.
الفيلم يستحق المشاهدة والإشادة، فليس سهلا إخراج عمل كهذا يحتاج لجهد كبير، فالتصوير في أحضان البرية ليس سهلا.
بعض السينمائيين يهربون من هذه النوعية يفضلون التصوير في أماكن سهلة او الاستديوهات، نحن هنا أمام فيلم تم تصوير أغلب مشاهده في الخارج في أماكن كثيرة متعددة في الريف والبرية، كان للغابة حضورها كملاذ وحام هرب اليها باكو وطفلاه، لعلنا نقف أمام مشاهد تكون فيها الطفولة عارية، هنا يصور المخرج الطفلين شبه عراة خصوصا من الأعلى، هنا التوحد والاندماج مع الطبيعة البرية، فالطفل الكبير في أحد المشاهد يعرف الكثير عن بعض الكائنات يعرف كيف يتعامل معها، فهو ليس غريبا عنها، كذلك الطفل الثاني يستطيع اصطياد سمكة صغيرة من دون استخدام أداة صيد، شكلا ايضا كأننا امام شخصيات تشبه ماوكلي تلك الشخصية التي تربت مع الذئاب والحيوانات البرية، خصوصا الطفل الكبير بشعره الطويل، الركض في أحضان البرية، لا تستطيع الشخصيات تجاوزها خلال الهروب، هنا الشخصيات خارج الإطار الاجتماعي يختار الأب هذا الاختيار الصعب فهو يرى أن النظام الدراسي ليس ضروريا، المهم ان تكون هناك تربية وتعليم، هو يقوم بهذه المهمة من دون الحاجة لإرسال أطفاله للمدرسة، الشخصية الرئيسية لها نزعة متطرفة إلى الطبيعة، المدنية يصفها ناقدا الحياة العصرية بالاستهلاكية، لم يتجه المخرج نحو الأسطورة فنحن هنا لسنا في جنة عدن، لسنا مع آدم (باكو) الشخصية الرئيسية ظلت بذاك الملبس العادي فنحن هنا لسنا امام رجل غجري مثلا، فالغجر لهم لباسهم الخاص، هيئة ومظهر خاص..
اسلوب يختلف في الحركة والسلوك وطريقة الكلام، نحن أمام رجل عادي لكنه يكتشف سر الحياة البرية، وخلافه مع زوجته أنه يعتبرها تنكرت للاتفاق والعهد لذلك اعتبرها ميتة، أقنع طفليه بذلك.
ايضا، الطفل الصغير راوده الحنين إلى امه في مشهد رائع في الغابة يتسم بالحلم لعله من اقوى المشاهد بالفيلم، حيث يكون الصغير نائما يسمع نداء امه يصحو ينادي أمه نكون امام لوحة تشكيلية تحفة فنية رائعة نرى ان العمق ممتد لا نهاية له..
الإضاءة ساحرة نعيش لدقائق قليلة نشترك مع الحلم الطفولي يفيق ليجد نفسه بحضن البرية، حتى نستطيع الالمام بجماليات هذا الفيلم من دون الإسراف بالقصة يمكننا ان نوجزها بالنقاط التالية:
■ النزوع للطبيعة بكل الإمكاينات، فأغلب المشاهد خارجية حتى الأكل والشرب يكون بالخارج، بل ذهب المخرج بعيدا فعندما يستقر الثلاثة ويبنون بيتهم في أعلى الجبل نرى مائدة الطعام في الخارج وكذلك ادوات الطبخ ومغسلة الصحون والطباخ، الحوارات والاحداث المهمة تكون في الخارج، كلل المخرج عمله ايضا بعدة حفلات راقصة في الهواء الطلق، كان مقتصدا جدا بالاضاءة، أو أي تأثيرات غير طبيعية، استخدم الشعل النارية كأننا في حضن قبيلة بدائية يجتمع افرادها للرقص والغناء، ففي وسط الحلقة تكون النار مشتعلة، المخرج اعتمد على كل ما هو طبيعي، وكذا نلاحظ كثرة المشاهد النهارية، لعلنا ندرك حجم الجهد البدني الكبير لكادر العمل وطاقمة الفني والتقني، فالتصوير في مثل هذه الأماكن يحتاج لجهد كبير مضاعف، لا يمكن مقارنته بالتصوير في الاستديو أو مكان في المدينة.
لعل أصعب المشاهد تلك التي في الغابة خاصة مع هطول الأمطار، كان الحضور للبرية صوتيا فقد اقتصد المخرج بالموسيقى التصويرية، معتمدا على المؤثرات الطبيعية (صوت المطر) مثلا، كما ان نوعية الموسيقى ابتعدت عن الحداثة، كأننا نسمع ترانيم هندية.
مشهد واحد فقط حضرت فيه موسيقى صاخبة عندما كان الابن الكبير يحتفل مع رفاقة، كان ذلك إعلان تمرد وخيبة أمل لدى الاب، نجد في الفيلم حضورا للحيوانات البرية والحيوانات الأليفة، كالدجاج والبط والارانب والبقر والخيول، بل اننا نشعر بأننا في درس مهم يعلمنا كيفية التعامل مع هذه الكائنات والاحساس بها، نرى في مشهد أحد الولدين يقترب من ماعز ثم يحاول حلبها، نشعر هنا بأن الطفل يفتقد أمه يلمس ضرع الماعز التي تصبح كأنها تعويض عن الأم، لعل المخرج يقصد من هذا أن البرية هي الأم الحقيقية. هذه هي وجهة نظر الأب التي يحاول تعليمها لصغاره.
في أحد المشاهد وسط الفيلم نرى الطفل الكبير يضرب أرنبا ثم نرى مباشرة في اللقطة التالية وهو يسلخ جلده ويعود به للمنزل، أي ان هذه القسوة هي بالتاكيد تعطي معطيات جديدة حول الشخصية وميولها للعنف، وهذا ما سنراه ونتحقق منه آخر الفيلم في تعامل الشخصية مع الاب، ثم في المشاهد الاخيرة عند لقاء الام، حيث يرفض لقاءها أو النظر اليها، وكذلك تعامله مع الشرطة فهذه الشخصية الأكثر تأثرا بسبب الضياع والخوف والهروب وعدم الاستقرار، ثم ضياع الحبيبة عندما يعشق فتاة ولكنها تتركه لإحساسها بأنه يخفي الكثير عن حياته.
■ الفيلم لم يكن متحيزا للرجل، لا نلمس فيه نزعة ذكورية، صحيح أن أغلب الشخصيات ذكور، وان الفيلم أهمل الأم لم يتابع خطواتها في البحث عن ولديها، عرفنا انها تبحث ولم تستسلم من خلال صفحات مقصوصة من مجلات، كان الأب يحتفظ بها، ثم في نهاية الفيلم كانت في الكنيسة تشكو همها وحزنها، لكن المخرج خصها بكوادر رائعة في نهاية الفيلم جعلها تبرز شوقها وحبها ثم كانت موافقتها على التنازل عن الدعوة ضد الأب، هنا ابرز الجانب الإنساني، لاحظنا ان الشخصية الرئيسة الأب ارتبطت بعلاقة مع واحدة اخرى ساعدته على الهروب في إحدى المرات، ثم اصبحت عشيقة له، لكننا لم نرها استمرت معه فالرجل زهد في النساء، في مشهد الرقص لاحظنا نظراته يتابعها وهي ترقص بالنار، هذا الربط بين النار والمرأة يعكس ربما تخوف الرجل من الوقوع في مشكلة أخرى بسبب العشيقة، كون همه الوحيد هو تربية الاولاد في حضن الطبيعة.
نراه يعمل من دون كلل يبذل جهدا جسديا يهتم بالدجاجات، هذا الجهد والانشغال بالعمل هو هروب ايضا من الماضي، ذاك الحب الفاشل يحوله إلى إنسان حزين نرى نظرات الحزن والقلق تأسره وتستولي عليه، لعل المخرج اخلص للقصة كونها واقعية، لذا لم يغرقنا بعقد وحكايات ثانوية لنظل على ارتباط بالشخصيات نتابع مصيرها من دون التوهان مع حكايات اخرى.
اشتغل المخرج على قيمة القداسة، جعل القداسة للطبيعة فكل لقطة للطبيعة لها قيمتها واهميتها، فهي ليست منظرا خلفيا، ليست ديكورا ليست مجرد محيط او مكان تتحرك فيه الشخصيات، هي ناطقة فالشجر والحجر والماء والنار والهواء جميع العناصر الاربعة موجوده بقوة لديها ما تقوله، لم تكن قاسية على الشخصيات عند هربهم من المدينة، ثم الشرطة ظلوا عدة ايام في الغابة لم يهدد حياتهم كائن متوحش لم يكن الخوف من البرية كان الخوف من الشرطة، اذن كانت وظلت الحاضن الوحيد لهم، تم القبض على الاب عندما نزلوا من مسكنهم في الجبل إلى القرية في احد البيوت، الاب اخذ معه دجاجاته رغم اعتراض الابن الكبير، نشاهد في احد المشاهد اصدقاء الابن الكبير وهم شباب من القرية التي يعتبرها الاب مدنية تحمل روح الاستهلاك المادي عندما يسهر الشباب يتقاذفون الدجاج!
يصور المخرج المشهد كصرخة ضد من ينتهك ويجرم بحق الطبيعة لا يعطيها القدسية الكاملة، شباب القرية ارتكبوا خطأ تدنيس المقدس، اذن الشرطة تمكنت من باكو عندما خرج من عالمه المقدس، في مشهد القبض عليه نرى الانتشار الكثيف لرجال الشرطة من كل الجوانب، الرجل نحسه منكسرا حتى قبل القبض عليه لم يقاوم او يهرب كونه ليس في عالمه الذي يمكن ان يحميه ربما ايضا كونه شعر بالهزيمة بسبب تمرد ابنه الكبير وتخليه عن القناعات التي تربى عليها، ذلك زاد من حزن الاب وانكساره كذلك الابن الاصغر قام بتقصير شعره، حدثت تغيرات في شكل الاولاد ايضا، فالولد الكبير يشتري حذاء بمبلغ يعتبره الاب ضخما، كون المال هو للمجموعة او للمجتمع حسب تعبيره، اذن هو يظن ان اسرته الصغيرة مجتمع مستقل بحد ذاته، فهو وان عاش بقرب الغجر الا انه ليس غجريا لا يشبههم ولم يشبههم بالمظهر او التفكير، فالغجر حسب تعبيره يريدون السيطرة على المكان لذلك يفتعلون المشاكل مع ولده الصغير، هو يرفض التنازل عن بيته في الجبل يتمسك به إلى آخر لحظة يتركه لينفذ رغبة الولد الكبير الذي بسبب عشيقته يترك الحياة البرية التي عاشها كل هذه المدة، هنا ايضا إدانة فالفتاة هنا لا تحمل دلالة المدنية والتحضر.
لسنا مثلا امام تلك المرأة التي حولت انكيدو من رجل يعيش في البرية إلى رجل مدني الفتاة هنا رمز ودلالة للحياة الاستهلاكية فهي تتمتع مع صديقها الذي عشقها ثم تتركه بكل بساطة، الولد يهرب ويكاد ينتحر، لولا الاخ الاصغر الذي يعيده لصوابه، نحن هنا أمام عدة شخصيات تتغير مسارات حياتها، تزداد تعاسة وشقاء عندما تخرج من العالم المقدس للعالم المادي الاستهلاكي، لكن النهاية تكون مؤثرة، فعودة الام واللقاء مع ولديها واحتضانهم في اللقطة الاخيرة للفيلم، لعل هذه الصورة ايضا نزعة للطبيعة، فالام هنا هي الحاضن الجديد هي العالم الجديد للولدين وربما بمسامحتها الاب ستعود اليه ليجتمع شمل العائلة في حضن الأم.
*سينمائي يمني مقيم في باريس

حميد عقبي*

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية