لندن ـ «القدس العربي» من نسرين سيد أحمد: عشرة أعوام مرت على طرح فيلم «ستسيل الدماء»، أيقونة المخرج الأمريكي بول توماس أندرسون، في دور العرض البريطانية، وبهذه المناسبة نعود إلى فيلمه الملحمي، الذي يفتح الباب على مصراعيه للنقاش والتأويل، والذي يأخذنا إلى أعماق الحلم الأمريكي في أكثر صوره صرامة وطموحا وقسوة.
«ستسيل الدماء»، المقتبس عن رواية «نفط» لأبتون سنكلير، فيلم مركب، يتحدى التفسيرات اليسيرة، ويدخل المشاهد في سجال مع ذاته ومع الفيلم، سجال عن ذلك الفاصل الهش بين الطموح والاستحواذ الفكري والنفسي، بين الرغبة في الثراء والجشع، بين نوازع النفس البشرية والفاصل بين الخير والشر.
جوهر الفيلم ومحوره وشخصيته الرئيسية هو دانيال بلينفيو (دانيال داي-لويس) الذي يلقب نفسه بأنه «رجل نفط» و«رب أسرة»، صفتان متناقضتان لرجل واحد، إحداهما تحمل كل طموح رجل النفط المثابر العازم على الحصول على الثراء والمال والسطوة، والأخرى هي صورة الأب الذي يرعى الأسرة، ليس أسرته فقط، ولكن تلك الأسر التي يعدها بالثراء، إن عثر على النفط في أراضيها.
تبدأ أحداث الفيلم عام 1898، وتستمر في العقدين الأولين للقرن العشرين. في مستهل الفيلم نرى بلينفيو يجابه الصحارى والأراضي القاحلة بمعدات بدائية، في محاولة الوصول إلى النفط. هو رجل يحمل من العزم والإصرار الكثير، ويستحوذ عليه طموح النجاح والثراء، وكما يقول في لحظة اعترافية في الفيلم عن ذاته «يستحوذ عليَّ حس التنافس. لا أريد لشخص آخر أن ينجح، أكره معظم البشر»، ولكن على الرغم من إقرار بلينفيو بالنفور من معظم البشر وبغضه لهم، إلا أننا لا نحسبه شخصا شريرا. لا نراه طوال الفيلم يسعى لإلحاق الأذى بأي فرد أو جماعة. هو فرد يسعى للنجاح والثراء ويسعى أيضا لإدخال المدنية والتعليم والتطور في المناطق النائية، وفي أراضي المزارعين والرعاة الفقراء، الذين يعثر في أراضيهم على النفط، حيث يتعهد في جلساته مع أهالي البلدات الصغيرة التي ينقب فيها عن النفط بأنه إذا عثر على النفط سيقيم المدارس ويجلب الحداثة والمدنية لتلك المناطق القفار.
الدافع الأكثر وضوحا والأكثر قوة لشخصية بلينفيو هو النجاح والثراء، ما عدا ذلك تبدو نوازعه ملتبسة نحار في تفسيرها. في بدايات عمله في التنقيب، يؤدي حادث أثناء الحفر إلى مقتل أحد العاملين مع بلينفيو. وإثر ذلك يتبنى بلينفيو الطفل الرضيع للعامل الصريع، ويقدمه للناس على أنه ابنه الذي توفيت والدته في الولادة. لا نعلم حقا إن كان بلينفيو تبنى الصغير مدفوعا بوازع أخلاقي وإنساني، أو إن كان تبناه ليكمل صورة رب الأسرة الذي يكافح من اجل ابنه الصغير، تلك الصورة التي تجلب التعاطف والثقة من الأسر الصغيرة المتدينة التي يسعى بلينفيو للتنقيب على النفط في أراضيها. يقدم بلينفيو الصبي الصغير للناس بأنه «إتش دابليو إبني وشريكي في العمل». صورة محببة تدعو للثقة بأب يسعى لتربية ابنه الصغير ويدربه منذ نعومة أظفاره ليصبح شريكا وخليفة له في الثراء. ولكن الفيلم يدخل مرحلة أشد تعقيدا وصدامية والتباسا، بظهور رجل الدين الشاب إيلاي صنداي (بول دانو في أداء متميز). القس إيلاي صنداي هو أحد شقيقين توأمين هما ابنا صاحب مزرعة ضخمة المساحة فقيرة فوق الأرض لمزارع يستخدم أرضها في تربية الماعز، ولكن أسفل تربتها يقع حقل وافر للنفط. إيلاي صنداي لا يقل طموحا ولا يقل رغبة في الثراء عن بيلينفيو، وللوهلة الأولى قد يتبادر إلى الأذهان أنهما يتقاسمان القدر ذاته من الشر، لكن نظرة فاحصة ستكشف لنا أن صنداي هو الشر ذاته.
يتدثر صنداي بعباءة الدين لتحقيق نفوذ واسع داخل مجتمع القرية الفقير. وسط حشد فقير لا يملك قوت يومه ولا يملك المال للعلاج، تأتي عظات صنداي الحماسية المتقدة طلبا للخلاص بمثابة سبيل للخلاص لأجساد منهكة وأرواح معذبة. يقدم جلسات يزعم فيها أنه يطرد الأرواح الشريرة من الأجساد العليلة حتى تبرأ. هو رجل يتدثر بعباءة الدين لتحقيق نفوذه الشخصي ويستغل سطوته على عقول الناس للحصول على المال من بلينفيو مقابل إقناع أهل القرية بالموافقة على أن ينقب على النفط في أراضيهم. نظرة فاحصة ستكشف لنا أن صنداي لا يقدم سوى الأكاذيب.