فيلم «ستيف جوبز» للمخرج البريطاني داني بويل: قصة التوتر والتجاذب الوجداني في حياة عبقري التكنولوجيا

حجم الخط
0

هيوستن ـ من عبداللطيف عدنان:
وسط الكم الهائل من الإنتاج الذي أحدث انقلابا في عالم التقنية والمال والمقاولة، يدخل داني بويل هو الآخر في مغامرة تأثيث ذاكرة أخرى عن ستيف جوبز، وبفريق من المهندسين في صناعة العرض ككاتب السيناريو المتفرد آرون سوركين، ونخبة من الممثلين على رأسهم مايكل فاسبيندر في دور «ستيف جوبز».
فيلم «ستيف جوبز» في دقته وتركيزه على الجزئيات يظهر هو الآخر كمقاولة على طريقة ستيف جوبز في التجارة والتسويق؛ تبشر بالجديد، ووراءها طاقم من الخبراء المتميزين بالدقة في العمل والإيمان القوي بتقليص هامش الصدفة والخطأ. يتملك المشاهد، منذ اللحظات الأولى في الفيلم، هذا الإحساس بأن المخرج يحاول جاهدا خلق نوع معين من انطباع الواقع، يشفع لفيلمه أمام شبح مرجعية بطله في واقعها التاريخي. بالاستناد إلى عتبة عنوان الفيلم، نخلص إلى أن هناك فكرة ثابتة في ذهنية المخرج، وهي جعل السلوك الذي اشتهر به رجل الأعمال مستساغا أو على الأقل مبررا بالنسبة للمشاهد. يبدو الفيلم وكأنه مرافعة قانونية في حق البطل.
عالج داني بويل قصته الفيلمية المقتبسة بحرية عن كتاب «ستيف جوبز» لوالتر إيزاكسون، في ثلاثة أجزاء، يحيط كل منها بحدث تقديم ستيف جوبز لمنتوج جديد: آبل ماكنتوش 1984، نيكست كومبيوتر 1988، وأي ماك 1998. مع عرض كل ابتكار جديد نعيش مع البطل لحظات صراع داخلية ينازل فيها كبرياءه وأنانيته، عبر قصة موازية محورها الرئيسي الحبكة الكلاسيكية عن العلاقة الأسرية المتصدعة. مراحل تطور جهاز الكمبيوتر هي كذلك مراحل نمو ابنته ليزا برانون جوبز (مكانزي موس، ريبلي سوبو، وبيرلا هاني جاردين في التطور العمري من 5 سنوات و9 إلى 19). في فضاء شبه مغلق، تتقاطع الأحداث بين صراع أسري وحدث تكنولوجي، متسلسلة في شكل شبيه بحلقات الدراما التلفزية، وبالوتيرة التصاعدية نفسها والعناصر الفاعلة التي تدور كلها حول محور شخصية واحدة هي ستيف جوبز. هذه البنية التي تقترب من الدراما التلفزية، تجعل الفيلم شبكة من البرامج السردية تنطلق من النقطة المحورية للحظات عرض البطل لسلعته في اتجاهات متضاربة نحو محطات حاسمة في حياته.
يتفعّل البرنامج السردي الخاص بعالم ستيف جوبز المقاولاتي، والمرتبط بابتكاراته، على خطية تعكس فعلا نظاميا داخليا محكوما بعقلانية التقنية والإدارة والتدبير، في الوقت الذي تحكم البرنامج السردي، الخاص بالعلاقة الأسرية، طبيعة التوتر والتجاذب الوجداني. تداخل البرنامجين يجعل من الصعب تبيان طبيعة العلاقة بين البطل وابنته، هل هو حب أم مجرد طريقة تدبير للأسرة كمقاولة أخرى تدخل في هامش عمله. يتقاطع البرنامجان كذلك في هذا النوع من المواجهات المبنية على معادلة النفي والاعتراف بين البطل من جهة والشخصيات الأخرى من جهة مقابلة. أخذت هذه المواجهات شكلها التصاعدي في المجابهات بين ستيف جوبز ومهندسيه ورئيس مجلس الإدارة في مؤسسته جون سكالي (جيف دانييل)، لتصل ذروتها في المرافعة، الممسرحة بامتياز، بينه وبين شريكه ستيف وزنياك (سيث روجين) التي دارت حول الاعتراف بحقوق الملكية لهذا الأخير في ابتكار آبل 2، مواجهة أنكر الأخير حدوثها على أرضية الواقع.
نجاح ستيف جوبز كرجل أعمال وأب نجاح أمريكي بامتياز، ينبني على هاجس ابتكار الجديد، وحسن الإدارة والتدبير المقنن والمعقلن حتى على المستوى الأسري، وفي سبيل تحقيقه، قد يعتمد الإنسان إقصاء الآخر حين يتمثل كعقبة وتحد، سواء كان هذا الآخر صديقه الحميم أو أم ابنته ورفيقة عمره. اللقطة الأخيرة في نهاية الفيلم تترك المشاهد بانطباع ينسجم وهذه الطوباوية في شكل سينمائي بامتياز. تصالح أسري وسط كم هائل من الشاشات في الخلفية والسقف، واحتفال مبهرج بالنجومية.
أبان داني بويل ومدير تصويره ألوين كوتشلير عن براعة في تصميم صورة سينمائية تتناسب مع المحطات الكبرى للفيلم، حيث تم استخدام كاميرا mm16 و35mm والكاميرا الرقمية. لمسة داني بويل الرشيقة بدت أكثر في الشريط الصوتي عبر اختيارات موسيقية لأغاني الرائع بوب ديلن، التي كانت البوصلة الوحيدة في الفيلم التي تقودنا نحو جانب ستيف جوبز كشخصية بوهيمية ومتحررة.
لم يخف داني بويل نيته في خلق بورتريه عن ستيف جوبز حين وضّح أن شخصيته «ليست صورة ستيف جوبز وإنما صورة عن ستيف جوبز». رسم هذا البورتريه كان هو الغاية الأساسية من وراء الفيلم، وليس هذا الاستنساخ العالي الدقة الذي عودتنا عليه هوليوود في ملاحمها السيرية. هذه الإستراتيجية في معالجة القصة أعلن عنها المخرج في مرحلة الإنتاج الفيلمية المخصصة للكاستينغ، برهانه على الممثل الإيرلندي مايكل فاسبيندر، وسط استغراب الأوساط السينمائية في عدم اختياره للممثل توم كروز، رغم المواصفات التي يتمتع بها هذا الأخير لأداء دور ستيف جوبز، وبالخصوص شبهه الفسيولوجي والطبيعي مع الشخص في الواقع. نجح الممثل الإيرلندي لحد بعيد في تشكيل هذا الوجه عن ستيف جوبز، حين جعل ملامحه الدقيقة مسرحا نشاهد فيه الازدواجيات والتناقضات التي تميز شخصية البطل. استطاع مايكل فاسبيندر أن يحفظ هذا الغموض الذي لم يفسح أي مجال لوضع الأختام المعيارية والأخلاقية على تصرفات شخصيته.
بجمال ثمانيني وشحنة الحب والعاطفة التي لازالت تحملها الممثلة منذ التيتانيك، أدت كيت وينسليت هي الأخرى دور شخصيتها جوانا هوفمان بحضورها كحيز أو معبر بين البطل وتناقضاته. عبرها تحولت ازدواجيات ستيف جوبز إلى ثنائيات قابلة للإدراك. جوانا هوفمان هي فوضى ستيف جوبز تتحلل في النظام الذي يمتص شيئا من التوتر لكي يتحول ستيف في الوقت المناسب إلى هذا الشريك القابل لتبادل الرأي، أو هذا العبقري المستشرف للمستقبل.
عالم ستيف جوبز الذي أدخلنا فيه داني بويل لمدة ساعتين، كان عبارة عن حركة دائبة من دون انقطاع، ترافقها حوارات مستمرة عالية النبرة والإيقاع هو عالم كاتب السيناريو آرون سوركين. تستهوي شخصيات مثل ستيف جوبز كاتب سيناريو فيلم «شبكة الإتصال الاجتماعي» The Social Network 2010 الذي حاز به أوسكار أفضل سيناريو. يتنقل هذا الكاتب برشاقة بين المسرح والتلفزة والسينما، واضعا بصمته الخاصة بهذه الجمل الحوارية القصيرة والقوية في مفعولها.
يخضع الحوار في سيناريو ستيف جوبز لهذا القالب الذي كرسه آرون سوركين في أعماله التلفزية، خصوصا في سلسلة The Newsroom، وصار معروفا في قاموس النقد بأسلوب المشي والكلام، حيث في الحركة نفسها داخل اللقطة المتسلسلة تدخل الشخصيات وتخرج من الإطار، من دون أن ينقطع حبل الكلام المتسرع. الكلمة هي ما يحدد دور الشخصية وليس العكس. أسلوب الكاتب نلمسه كذلك في طريقة كلام ستيف جوبز المحسوبة بالدقة العقلانية، ليسقط مرة أخرى في ما يرى فيه النقاد نوعا من التصنع الذي ينتمي لفن المحاججة، ويبتعد عن التلقائية والعفوية التي يطمح لها أسلوب الحوار في السينما.
ساهمت الوصفة الكتابية على طريقة آرون سوركين في خلق جو التوتر الانفعالي الذي ساد فيلم «ستيف جوبز»، وقد ساعد على ذلك تمركز الحركة في الفيلم داخل فضاء مغلق. وهو ما يجعل المشاهد يعيش هذا التوتر الذي يحكم هذه اللحظات الموجودة على العتبة بين ثنائية المجد والإخفاق، بين المباشرة المحسوبة الأبعاد بالدقة والدقيقة، وبالتالي يحضر مسرحا يجمع بين السينوغرافية والتصوير التلفزي وبالدقة العالية نفسها التي تتميز بها الأجهزة الإلكترونية والرقمية، التي ابتكرها ستيف جوبز نفسه. على أرضية هذا المسرح تفعّلت روح ستيف جوبز عبر الكلمة المعقلنة والحركة المحسوبة وهذه الجرعة من العنف اللفظي التي تميز عالم الأعمال والمقاولة والتي نجح كاتب السيناريو في نقلها للمشاهد.

ناقد مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية