باريس ـ «القدس العربي» من سليم البيك: ليست مهرجانات السينما المحلية مناسَبة لاكتشاف عوالم وثقافات قد لا نعرف عنها الكثير، وحسب، كما هو الحال مع مهرجان السينما الفلسطينية في مدينة تولوز، حيث تكون نسبة لا بأس بها من الجمهور حاضرة للتعرّف على سينما لا تتيحها لها بهذه الكميّة المهرجانات الكبيرة، ولا تتيحها لها شركات التوزيع في بلدانها، فليس كل ما يُنتج في العالم يُعرض في الصالات الأجنبية، بل ليس كل ما يُعرض في المهرجانات العالمية الكبرى (كان وفينسيا وتورونتو وبرلين وغيرها) يجد مكانا في الصالات الفرنسية، ضمن زحمة الأفلام الفرنسية والأفلام العالمية الحاصلة على جوائز من مهرجانات عدّة. يبقى أن المهرجانات المعنية بثقافة أو بلد محددين، يكون الانتماء الجغرافي للمخرج أو الفيلم هو الذي يمنح الفيلمَ الفرصةَ ليُعرض.
هذا الكلام ينطبق على الفيلم وهو للبرازيلي فيليب هيرش، وقد شارك في مهرجان لوكارنو السينمائي الأخير في سويسرا، إلا أن هذه المشاركة لم تعنِ أنّ شركات التوزيع ستتيح له العروض في فرنسا، فكان أن شارك في مهرجان السينما الأمريكية اللاتينية الأكبر خارج القارة «سينيلاتينو» في مدينة تولوز مؤخرا، ما أتاح فرصة مشاهدته، كما أتاح واستحضر الفكرة أعلاه، وهي أنّ أفلاما عدّة قد تكون بديعة، لا نعرف بها، لأنّ موزّعا هنا أو هناك لم يجد أنّنا بحاجة لنعرف بها، أمّا المعيار الأساسي لديه في ذلك فهو مدى التذاكر التي قد يبيعها هذا الفيلم أو ذاك. وهنا، لا شكل الفيلم ولا موضوعه يمكن أن يكون محفّزا لشركات التوزيع في المغامرة به، فهو معمولٌ بأسلوب فنّي، وموضوعه هو فتاة تسرق الكتب وعلاقتها بصاحب مكتبة.
تجري معظم الأحداث في المكتبة التي يسكن صاحبها فوقها، في الأوروغواي. تدخل إليها صباحا فتاة تتجوّل بين الكتب، تسرق كتابا وتخرج، ينتبه هو إليها ويتركها، تعود الفتاة لتسرق آخر، يكلّمها، يُعجب بها، تسأله عن كتاب «ألف ليلة وليلة» فيعتذر لعدم توفّره، تعود لاحقا وتجد الكتاب بأجزائه مرتّبة على إحدى الطاولات، وقد كتب على الصفحة الأولى منه «ما اسمك؟».
تنشأ علاقة بين الاثنين، يدعوها إلى سهرة يقيمها في المكتبة، يغادر الجميع إلا هي، يمارسان الحب، تقوى العلاقة بينهما ونعرف، من خلال ذلك ومن خلال أحاديثهما، عن غرابة الفتاة، إذ لا تبدو واقعية، ولن نكون أكيدين من كل ما تقوله عن نفسها، اسمها وأين تعيش، وعن الرجل الذي يسكن معها، إن كان أباها أم صديقها، لا نحن كمشاهدين ولا هو صاحب المكتبة، فهنالك تماه بين المُشاهد والرّجل، هو الشخصية التي من خلالها نعرف، كمشاهدين، بما يحصل، والفتاة، سيفيرينا، تبقى خارجية لنا، كما هي بالنسبة له. تلقّينا لما يقدّمه الفيلم يكون من خلال إدراكه وعينيه هو، إشارة إلى ذلك يكون من خلال الخلفية الصوتية التي تروي لنا، بشكل ذاتي جدا، بصوته، عمّا يحصل وعمن هذا ومن ذاك، تروي لنا ما يفكّر به تجاه الفتاة وما يشعر به. أمّا هي، فتدخل الفيلمَ وتدخل حياته كما تخرج منهما، غريبة وغامضة وتسرق إضافة للكتب التي لا ترجعها، وقتَه وذهنه وقد كان يملأهما بالقراءة في مكتبته.
يعرف أنّها تسرق كذلك من مكتبات أخرى، فيُصاب بنوع من الغيرة، يشعر بأنّه بالنسبة لها مجرد صاحب مكتبة تسرق منها كما تفعل مع غيرها، يحاول البحث عنها والتعرّف إليها أكثر، إنّما لا تكف عن الاختفاء. أخيرا تختفي خارج الأوروغواي ليعود أبوها/صديقها يوما ويخبره بأنّه سيدفع له تكلفة سرقاتها وأنّها، الفتاة، قد اختفت.
يقرّر صاحب المكتبة بيع مكتبته، بما فيها، والتفرّغ للكتابة، قائلا بأنّه لطالما أراد كتابة رواية وأنّه إن لم يفعل الآن متى سيفعل.
في الفيلم أحداث تفصيلية أخرى، اللقطات من خلف الزجاج، الإضاءة والظل، اللقطات المقربة، المشاهد الصباحية عند الفجر، ديكور المكتبة، مواقع التصوير خارجها، كلّها كانت لوحات جمالية، وكان للخلفية المسرحيّة للمخرج أثر واضح، من خلال كل تفصيل مشغول عليه. كل زاوية في إطار الصورة كانت ممتلئة.
لا نعرف أخيرا من بين ما شاهدناه أيّها كانت أحداثا حقيقية (ذكريات) وأيّها متخيّلة، فالفيلم هو (كذلك) رواية صاحب المكتبة عن سيفيرينا، الفتاة السارقة (استطاعت سرقة نسخة أصلية من مكتبة بورخيس في بوينس آيرس عليها ملاحظاته) التي من أجلها قرّر أن يتخلى عن المكتبة التي عرّفته عليها ويكتب حكايتها، أو حكايتهما. ما نعرفه عنها هو أنّها تسرق الكتب، وحسب، حتى اسمها لم يعرفه أحدنا، لا نحن ولا صاحب المكتبة (الكاتب)، كما أنّها تحمل جوازات سفر عدّة ومزوّرة، وفي لحظة ما تورّطه في جريمة قتل، كل ذلك يمكن أو يوحي بأنّ الفيلم هو رواية صاحب المكتبة وليس حياته الواقعية، وإن لم يكن ذلك ليغيّر كثيرا في تلقّي المُشاهد للفيلم. قد تكون سيفيرينا شخصية روائية لدى الكاتب، كما أنّها شخصية روائية/سينمائية لدى مخرج الفيلم ومُشاهده.