باريس ـ «القدس العربي» من سليم البيك: مع كل يوم يمر ينحدر الكارافان درجة، علبة المرتديلا تتدحرج أسرع، تصل إلى حتفها بثانية أقل من اليوم الذي سبقه. هذا هو، بالمعنى المباشر، حال جنود على حاجز إسرائيلي يسكنون في الكارافان، الذي تحيط به الوحول وتتسلل إليه، عند حاجز ما، بدا أنه وسط الصحراء، وهو ترميز لحال إسرائيل كدولة، يجرها جيشها إلى انحدارات وهي محاطة أساساً «بالوحل» المهدد لوجودها.
هذا المشهد المتكرر ينقل كل ما أراد الفيلم قوله، هو فيلم إسرائيلي يبدو بصورته المباشرة أنه ضد الحرب، لكن الـ«ضد الحرب» ليست تضامناً مع الضعيف فيها، أي الفلسطينيين، إنما هي ضد ما يمكن أن توصل الحربُ إليه دولتَهم، وهذا خطابٌ شائع لدى من يسمون أنفسهم باليساريين من الإسرائيليين.
أما الوسيلة الفنية الجمالية التي يمكن بها نقل خطاب إشكالي مماثل، فهي حتماً السينما.
قلتُ وسيلة جمالية لأن فيلمنا هذا، «فوكستروت» جيد من هذه الناحية، وقلتُ إشكالية لأنه، بطرحه هذا، إشكالي في دولة ينقسم مجتمعها حول موضوعه، فعلى الطرف الآخر لدينا وزيرة الثقافة ميري ريجيف التي انتقدت الفيلم لأنه «يوسخ صورة الجيش». لكن كل ذلك يبقى ضمن النقاش والحلقة الإسرائيليين، أي ضمن تناقضاتهم الداخلية التي بمجموعها هي نقيض النقاش الفلسطيني كالطرف الخاضع للاحتلال والمُعتدى عليه تاريخياً، فيكون موقف ريجيف (الوزيرة) الصوتَ العالي للموقف ذاته لدى ماعوز (المُخرج) لماذا؟
الخطاب «الحمائمي» المتذاكي الذي يحمله الفيلم أشد إيذاءً بقضية الفلسطينيين من الخطاب اليميني الصريح. لسبب أولي لا بد من الاعتراف به، وهو الجودة العالية التي قدم بها الفيلمُ الحكايةَ، تصويراً وسرداً، ما يعني حمل الموقف السياسي بأدوات فنية تلطف هذا الموقف فلا يبدو، كما هو في الفيلم هنا، تغييبياً لفلسطين أرضاً وشعباً، أي «إبادياً» إن أردنا إرجاع النقاش إلى سياقه التاريخي. ولسبب ثانٍ هو محاولة أنسنة الخطاب السياسي في الفيلم كخطاب مناهض للحرب، وهذه مقولة جاذبة لدى عموم جمهور السينما (نال الفيلم – للأسف- جائزة لجنة التحكيم في مهرجان فينيسيا السينمائي الأخير) إنما هذه المقولة السلمية المتمدنة الإنسانية إلخ، لا تأتي سوى من مرتكز واحد هو: كيف ننقذ إسرائيل من التدهور الذي يسببه لها الجيش والعسكرة ومن خلفه اليمين؟ أي كيف نحافظ على دولة الاحتلال بدون أن نبدو محتلين؟
فالفيلم لا يكترث سوى بالجنود الإسرائيليين، وبذلك يستتبع المخرج سامويل ماعوز فيلمه الأول «ليبانون» الذي يصور فيه الجنود كالضحايا الأساسيين للحرب. في «فوكستروت» كذلك هم ضحايا، إنما ضحايا التراوما اللاحقة للحرب، أو حالة السكون الممتدة من حرب لأخرى، هم إذن ضحايا لإسرائيليين آخرين، وإن قام أحدهم، الشخصية الرئيسية، بالخطأ، بقتل شباب فلسطينيين على الحاجز، وهذه مسألة نقف عندها.
تمر أكثر من سيارة فلسطينية على الحاجز، يتم تفتيشها برتابة وملل، إلى أن تمر سيارة فيها شابان وصبيتان، يضحكون، يقوم أحدهم بحركة ساخرة من الجندي الشاب المضطر للعمل ليلاً في وسط الصحراء والوحل، مقابل شباب فلسطينيين يلهون! أكثر من ذلك يقول الجندي لهم قبل تحرك السيارة بأن فستان الفتاة متدل من السيارة، فتفتح هي الباب لتسحب فستانها، تقع علبة بيرة ظنها «البطل» عبوة فأطلق رشاشه على الجميع. تأتي لاحقاً بلدوزر إسرائيلية تحمل السيارة بمن فيها لتدفنها.
فكما أنه لا يحضر المكان الفلسطيني – المَشاهد تكون إما في بيت أهل الجندي أو في الصحراء عند الحاجز- فالإنسان الفلسطيني مغيب كذلك، لا صوت له هنا، تمر عدة سيارات كل الفلسطينيين فيها صامتون، والفلسطيني، إن كان ضحية، فلأنه تحديداً لا يحمل عبوة. الفلسطيني الجيد هو هنا الذي أقصى ما يمكن أن يقاوم به هو صمته عند الحاجز، وحداً أدنى من ملامح التذمر. وكي تكتمل إنسانوية الفيلم المبتذلة، كان لا بد للجندي الشاب أن يتبادل النظرات مع فلسطينية في السيارة، وتبدأ هي بالابتسام له قبل أن يحصل ما حصل، قبل أن تمنع حالةُ الحرب حالةَ الحب المفترضة بينهما!
الفيلم يُكمل مسيرة الإبادة التي بدأها الاحتلال إنما، الفرق هنا، وهو الأخطر، بمنتج فني جيد وبما يؤهله، بالجودة الفنية تلك، لتمرير خطابه الإنسانوي «المناهض للحرب» والمدافع، برؤيته لكيفية مناهضة الحرب، عن دولة احتلال يقودها جيشها إلى الهاوية، كعلبة المرتديلا.
الفلسطيني إن حضر في السينما الإسرائيلية/الصهيونية هو، إما شخصية سلبية منكفئة صامتة ما يمكن أن يستحضر شعوراً لا يتعدى الشفقة، ليكون بذلك حضور الإسرائيلي المتمدن ضرورة لاستعمار الأرض والناس، ثقافياً واجتماعياً وعمرانياً، وهذه حجة الصهيونية من بواكيرها. خلافاً لذلك، فالفلسطيني إن فكر في حمل عبوة أو في مقاومة الاحتلال بما هو يختاره، فهو، إذن، يكون جيداً حين يكون ميتاً، يستحق رشه في سيارته ودفنها بمن فيها.
حمل الفيلم خطاباً سياسياً في عمل فني مصنوع جيداً، فمهد للخطاب طريقاً سلسلة لمتلقي الفيلم/الخطاب، فيكون الفيلم الإنسانوي هذا، مقبولاً لدى من يرون في أنفسهم مناهضين للحرب في العالم، إنما هي مناهضة مبررها ما شاهدوه من تأثيراتها التراومية على الجندي الإسرائيلي وحسب، فالفيلم هنا هو الحامل للمضمون السياسي وليس العكس.
إما أن يرفع الفيلمُ – أي فيلم- من مستوى مضمونه السياسي مهما كان سيئاً، أو أن يشد المضمونُ الفيلمَ إلى أسفل. وهذه مسألة أساسية يجب ألا تغيب عن البال مع كل فيلم فلسطيني يُصنع.