فيلم «فيكتوريا وعبدول» شمس الشرق تنير روح ومخيلة سيدة برمنغهام

حجم الخط
0

سأتعرض إلى فيلم «فيكتوريا وعبدول» لمخرجه البريطاني ستيفن فريرز من حيث القصة والأحداث، لقوة تأثيره، وطرحه العديد من الأسئلة. بداية تثير الاهتمام بالفيلم نقطتان رئيستان، أولاهما الاحتفاء بشكل عام بالمسلمين والإسلام، والكشف عن وجهة نظر معتدلة تجاههما، في وقت صعد فيه التطرف والهمجية باسم الإسلام، كما أن الفيلم يعترف في البداية بأنه مبني على أحداث حقيقية، لكنه عندما يضيف «في الأغلب»، ويقصد أن معظم أحداثه حقيقي في أغلبها يحيرنا، لأنه يفرض سؤالاً مهماً رغماً عنا، يجعلنا كلما نرى نقطة مهمة جداً، نقطة جذابة ساحرة، نتساءل: «أهذه النقطة مضافة أم حقيقية؟». يبقى السؤال يتردد، لسبب بسيط أننا لا نعرف الجواب، ولن نعرف.

السجينان

أحد أهم نقاط قوة الفيلم كونه يركز على شخصيتين متناقضتين تبدوان من المستحيل أن تلتقيا، فالأولى، في قمة لا يعلوها شيء سوى الله. أعظم شخصية في زمانها، حسناء، وامبراطورة عجوز في ثمانينياتها، قابعة في قصر «قلعة» برمنغهام، يحيطها جيش من الحرس، وجيش آخر من الخدم، تجلس على كنوز عالم لا تغيب عنه الشمس، لكنها أشبه بسجينة في هذا القصر، تمر حياتها وئيدة، مملة، خاملة ضائعة في مراسيم استقبال بليدة، لا يثور فيها أي حديث يمتع ذهناً ذكياً متحفزاً للحياة. أما الشخصية الأخرى فهي في الدرك الأسفل من البشر، هندي «عبدول- عبد الكريم»، موظف شاب فقير، يعمل كاتباً في سجن مدينة أجرا، المحتلة من قبل البريطانيين. يقضي وقتاً مملا، بليداً، في تسجيل أسماء السجناء من طلوع الشمس حتى مغيبها. لا جامع بين هاتين الحياتين سوى الملل وسيرورة الحياة البطيئة التافهة، ومن شطط الخيال فرض لقائهما، أو رؤية أحدهما للآخر، لولا حدوث معجزة مصادفة، ليست بالحسبان، جمعت بينهما.

الحكاية

ذكاء آمر السجن جعله يكتشف عبدول قبل أشهر، فحينما طلب منه الحاكم الإنكليزي للمدينة أن يختار أفضل سجاد معروض في السوق للإمبراطورة، عهد المهمة لعبدول، لأن عائلته تعمل في نسج السجاد. وكان للقصة أن تنتهي هنا، بعد تجهيز السجاد، وبعثه للملكة. لكن حاكم أجرا، أراد تقديم نموذج من عملة المنغول الذهب «موغور»، هدية للملكة أيضاً، بعد إعجابها بالسجاد، وربما تنم هذه الخطوة عن تملق حاكم انتهازي، لكن عبدول استفاد من هذا التملق من حيث لا يحتسب. اختار الحاكم شخصاً هندياً طويل القامة، ليذهب إلى هناك لأداء المهمة، لكن هذا سقط من على ظهر الفيل وتحطم، فاختاروا عبدول بدله لأنه طويل القامة أيضاً، وربما لأنه وسيم كذلك، وهكذا تدخلت المصادفات لتجمع بين نجم وهاج قوي، يتربع على أعلى سلطة في العالم، وذرة من خردل صغيرة خاملة، لا يأبه بها أحد. وحينما وصل عبدول إلى البلاط، وقام بمهمة تقديم العملة، صادف وقت تناول الإمبراطورة غداءها، كان جسدها قد تراخى، بتأثير الطعام وعادة القيلولة. كانت تغمض عينيها وهي على المائدة، لولا أن يبادر الموظفون إلى تنبيهها، فتفتح بصعوبة عينيها. وعندما وضعوا أمامها صينية الـ«موغور» لم تنتبه لا إلى العملة ولا إلى الصينية الذهب المحفورة بفن أخاذ، ولا إلى من جاء يحمل العملة من الهند إلى لندن. وكان من المقدر أن يرجع «عبدول» مع صديقه، إلى أجرا، بعد تقديم العملة، لكن أحد الضيوف المهمين سأل الملكة عن رأيها بعملة المغول «موغور»، فتساءلت «أي عملة؟»، عندئذ اضطر صاحب المراسيم في القصر، إلى إعادة عملية التقديم، وكان الوقت صباحاً، الملكة في عز انتباهها ويقظتها.

اللقاء القدري

هكذا قدر لعبدول أن يرى الملكة وتراه، ويدخل عالمها الذي لم يفكر فيه، مطلقاً، أو لم يخطر له ببال، والذي جاء مصادفة، رتبها قدر عابث، ليضع حادثة اللقاء في قلب الأحداث، بين اثنين متناقضين، وليزيد من توه اللقاء، عفوية وسذاجة عبد الكريم من جهة، وذكاء الامبراطورة، وشخصيتها المتواضعة البسيطة الحية من جهة أخرى. كان رئيس التشريفات وهو يدرب عبدول على تقديم صينية الـ«موغور» للملكة، يلح عليه أن يبقي على مسافة بينه وبين الإمبراطورة، أن ينحني، ألا ينظر في عينيها قط، وحينما قدّم لها العملة، انسحب، لكنه ارتكب خطأ لا يغتفر قط، اعتدل، وحينما نظرت إليه بادلها النظر، فأمعنت في تمليه، وأمعن في التحديق بعينيها، وربما لوسامته امتصت الملكة تجاوزه المراسيم، لكنه بذلك ارتكب جريمة عصيان الأوامر، فحمل هذا المشرفَ، أن يصرخ بأعلى صوته، لتنبيهه: «أحذر النظر»، عندها تنبه عبدول، لكنه ارتكب خطأ ثالثاً أكبر، وأشنع، خطأً لا يغتفر. انسحب إلى الوراء، ثم انحنى، قبّل قدم الامبراطورة، ومسح على أصابعها. ثم نهض وانسحب، فقالت لرئيس مراسيم القصر بعفوية وطيبة متناهية: لقد شعرت بالعظمة.

الشرق وآفاقه

عاد عبدول إلى الملكة، قوياً واثقاً من نفسه، فادخلته غرفتها، وأخذت تبادله حديثاً ممتعاً زاخراُ بالعفوية، حديثاً بدأ بتبديل حياتها المملة الجافة، الغارقة بتفصيلات التشريفات والبلاط البليدة. فأخبرها انه هو الذي اختار السجاد لها، لأن عائلته تصنع السجاد، وأعطاها نبذة عن النسج، وأراها طائر الحرية المنقوش على السجادة، وتكلم معها عن عمله في السجن، وماضيه، وكيف حفظ القرآن، وكم سورة وآية فيه، وأن أبوه هو من علمه القرآن، واخذ يقص عليها قصص عالم سحري غريب جميل، أشبه بعالم ألف ليلة وليلة، عالم معبق بأساطير حية مشوقة، مسلية، كانت، وهي في ثمانينياتها في أشد الحاجة لها، لكي تستطيع أن تخرج من تقاليد غبية، لبلاط عريق، لكنه جليدي، يكرس حياة نمطية تافهة، لم يستطع تجميد روح بشرية، ذكية ترنو إلى التمتع بالعالم وهي على أعتاب الآخرة. انتقل بها عبدول من بريطانيا إلى عالم جديد غريب، يملأ التاريخ، بعظمة أباطرة المنغول الذين حكموا الهند، مروراً بتاج محل، وبدائع أجرا، وقصة ممتاز، زوجة شاه جهان المحبوبة، التي بنى لها زوجها، تاج محل، الذي لا مثيل له في الدنيا، وأقام عرش الطاووس، مروراً بقصة الألماسة الكبرى «كوهينور» التي غنمها الإنكليز من إرث شاه جهان، وأهدوها للملكة فيكتوريا يوم تتويجها. لم تكن فيكتوريا تعرف كل ذلك، لذلك استمتعت كثيراً بحديث عبدول، وتألمت كثيراً لما فعله الإنكليز بالشعب الهندي، وكيف دمروا آثار المنغول، «عرش الطاووس»، وكيف نهبوا النفائس، «ألماسة كوهينور»، فجنرالات أي جيش لا يفصحون عما ارتكبت قواتهم من فظائع، بل يقصرونها على أنباء الانتصارات فقط.
استطاع عبدول أن يدخل في ذهنها أفكاراً وهاجة، لم تعرفها من قبل. كانت غارقة بواجبات البلاط التي تتالى بدون إثارة أو تبديل، استطاع أن يفك أقفالها الصدئة، فأصبحت بفضله حرة تدخل في كل مكان وهي في مكانها، ومثل هذا كان مجهولا لديها، لأنها مقيدة بقيود الروتين الأجوف الفارغ، لا تستطيع أن تسير إلا في جزء من قصرها الذي تعرفه كما تعرف راحة يدها، فتغيرت بفضل عبدول الذي ينبض شباباً وحياة، ويتحرك بحيوية، شباب غض، وكانت مهارة المخرج أنه تركه يتصرف بحيوية، ونشاط، وعفوية، كطفل يحب أن يلاحظ الآخرون مواهبه، يقول ما يخطر في باله، ولذكائه الشديد، كان يذكر لها ما هو مثير ومشوق، فتراه بعيون مستطلعة تائقة للوثوب نحو الجديد، وتجد سحراً وغرابة وأجواء تغريها باقتحامها، فتفتن بطلاوة حديثه، ورقة كلماته، وروعة تصويراته، وولوجه إلى العوالم الجديدة، وترى فيه فتنة سحر كلمات يستحيل أن تسمعها من شخص آخر، وتنصت إليه لتلج عظمة إنشاءات أمكنة أخرى، لم ترها من قبل كقصور ومساجد وحدائق شاه جهان، وتطوي صفحات حياته، وعظمته، وكيف انتهى ودفن إلى جانب زوجته، وماذا كتب على قبره «هنا يرقد شاه جهان الذي غادر الدنيا إلى قاعة الخلود». لقد أعجبت بتلك الجملة، فسألته إن كان شاعراً. نفى ذلك، ثم انتقل حالاً وبدون تفكير إلى الدعاية لبلده، بلد الجمال، والألوان الزاهية والبهارات، والأطعمة الحارة، والصلصات والفاكهة الغريبة «المانجا» وحتى العدس، والحلوى، مروراً بالدين والتقاليد، وحسبما يستشف من كتاباتها، كانت شخصية عاطفية، ذكية، شديدة الملاحظة، صادقة، وعفوية، لا تعرف اللف والدوران، وبذلك تأثرت بإسلام عبد الكريم، واستعارت منه عبارات إسلامية، اعتادت ترديدها مثل: «الحمد لله». فطلبت منه أن يعلمها الهندوسية، لكنه اقترح لها الأردية، وكان اقتراحه في محله، فالأردية إحدى أجمل لغات العالم، وأرقها، وكلماتها منتقاة مختارة من ألفاظ أجمل وأسلس أربع لغات: الهندوسية، العربية، الفارسية، التركية، فمن العربية على سبيل المثال، انتقت كلمات: عشق، محبة، حقيقة، كتاب الخ. وبهذا الانتقاء تخلصت الأردية من الكلمات الصعبة، وركزت على الشاعرية، لذا يختارها شعراء شبه القارة الهندية لغة للشعر والحب والغرام، فبدأت تتعلمها، وتركت سجلها الممل للتاريخ وتفصيلاته، وركزت على تعلم الأردية وهي في ثمانينياتها، وعندما عرفت أنه حافظ للقرآن ازدادت درجة احترامها له، وأخذت تسميه «المنشئ» المثقف أو المعلم، وأصرت على تعيينه موظف بلاط «معلماً رسمياً لها».

المؤامرة

كان ذلك أحد أسباب، التحرك ضده غيرة وحسداً، فالنار تحرق غيرة أعضاء البلاط، وتجبرهم على التخطيط في مؤامرات متتالية، واحدة بعد الأخرى، لإبعاده عنها، أو حتى لتحطيمه. فأرسلوا إلى الهند يسألون عن عائلته، وهل هي عائلة معلمين أم عادية، فجاء الجواب أن أباه صيدلي لا معلما. وعندما صارحوها أهانتهم إهانة جديدة، لأنهم أعضاء بلاط عظيم، يتجسسون على هندي بسيط. ثم استغلوا مرض صديقه، الذي عتم عليه طبيب البلاط، فنقل للملكة أن صديقه مصاب بالسيلان، بينما كان يبدو بوضوح مسلولاً، يبصق دماً، عندئذ أرجعت الإهانة إليه: «عالجوه إذن». لكن عبدول سقط في امتحان آخر فعندما هاجموه، دافعت عنه، مرددة قوله: إن المسلمين في أجرا دافعوا عن البريطانيين. لكن مسؤول التشريفات والطبيب غيرا حقيقة الواقعة: هذا خطأ فالمسلمون قتلوا 3000 جندي بريطاني، وكانت تلك كذبة كبيرة، فالانتفاضة ضد الإنكليز، قام بها الهندوس، لانتشار شائعة أن الإنكليز كانوا يقتلون البقر لاستخلاص، نخاع العظام منها، وربما شارك المسلمون في الانتفاضة، لأن الإنكليز كانوا يعتدون عليهم، ويضطهدونهم، ويحرمونهم من الوظائف والامتيازات، لكن بكل تأكيد لم يلم أحد المسلمين بأنهم كانوا سبب الانتفاضة، ورأس حربتها، لم يفكر عبدول في هذه النقطة، ولم يدافع عن رأيه، وربما لم يكن مثقفاً بها كي يطلب قراءة التاريخ، فعندما اتهمته بأنه خدعها، أصيب بالإحباط والعي، والألم، ولم يحاول قط شرح خطئها، لكنها لطيبتها عفت عنه في آخر لحظة وأرجعته، ولشدة تعلقهما الواحد بالآخر، وللسعادة التي فتحها لها عبدول قررت مكافأته، إهداءه وسام فارس، لتضمن له مورداً بعد وفاتها، لأنها تعلم أنهم سيعادونه، وربما يقتلونه. وكانت تلك قاصمة الظهر، فاتحدوا ضدها، وصارحوها بموقفهم الموحد، وبأنهم سيستقيلون كلهم، وسيرفعون إلى المحكمة عريضة لعزلها، لإصابتها بالجنون، لكنها واجهتهم بشجاعة لا مثيل لها، تدل على نفسية أبية، لا تهزها العواصف، فذكرت سني حكمها الأطول في التاريخ «62 سنة» وعدد أولادها وأحفادها، وعدد رؤساء الوزارات، وعددت بذاكرة حية إنجازاتها التي اخجلتهم وقزمتهم، وأنهت خطبتها بعبارة في غاية الجرأة وهي تواجههم: بهذه الإنجازات، لا أقبل أن تتآمروا عليّ من وراء ظهري، من لا يقبل أن يخدمني ليعلن ذلك الآن أمامي، وسأقبل استقالته حالاً. خجل الجميع، وخذلوا، لكن الصراع النفسي أضعف قلبها العجوز، وأدى إلى وفاتها، والهجوم على عبدول وزوجته، وانتزاع كل ما أعطته الملكة، وتمزيق كل ما كتب أحدهما إلى الآخر، ليرجع عبدول وعائلته أخيراً إلى الهند، وحيداً، فقيراً، خالي الوفاض، كما غادرها من قبل باستثناء الميدالية التي كان يضمها داخل ملابسه، لتكون شاهداً على علاقة حب قوي رائع مفاجئ لا ينساه.

٭ روائي عراقي

فيلم «فيكتوريا وعبدول» شمس الشرق تنير روح ومخيلة سيدة برمنغهام

محمود سعيد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية