■ العراق لم يعد مسرحاً للتطهير واستعراض النوايا الأمريكية الطيّبة وإنّما تحوّل إلى باحة خلفيّة للصراعات، هذا ما يمكن أن يلاحظه المشاهد لفيلم «في وادي إيلاه» للمخرج بول هاغيس، الفيلم أدى بطولته الممثل ذو القسمات الحادّة تومي لي جونز بدور هانك المحارب المتقاعد، والمشارك في حرب فيتنام، الذي مازال وفيّاً لعاداته التي اكتسبها من التقاليد العسكرية، والممثلة تشارلز ثيرون بدور المحققة أيملي ساندرز، وسوزان ساندون بدور الزوجة، فيما أدى الممثل جوناثان تاكر دور الابن والجندي مايك ديرفيلد.
وقصّة الفيلم تدور حول بحث يشرع فيه (هانك) بعد مكالمة هاتفيّة يتلقاها من القاعدة العسكرية تخبره بأن ولده مايك فرَّ من الخدمة، فالمحارب الوفي لتقاليده العسكرية، الذي يلمّع حذاءه في كل ليلة ويتلو الصلاة في كل وجبة، ويرتب سريره وفق التعليمات الفندقية العسكرية، ويحذر حارس المدرسة السلفادوري من ترك العلم الأمريكي يلامس الأرض، ويعلمه في بداية الفيلم أن العَلَم يجب ألا يرفع مقلوباً، لأن ذلك اشارة إلى أن الأمّة تستغيث، وكان قد فقد ابنه الكبير في حرب أمريكية قبل أعوام عشرة، ومازال يعيش حرباً مستمرة منذ فيتنام يصعب عليه أن يصدّق أن ولده الصغير الذي قضى ثمانية عشر شهراً في حرب العراق قد انتزعت منه روح الالتزام بالواجب ليفرّ من القاعدة العسكرية.
يبدأ (هانك) بحثه من زيارة غرفة مايك في القاعدة، وإخراج هاتفه بدون أن يعلم أحد، حيث يجد بعد الاستعانة بخبير في البرمجيات مقاطع مصوّرة لرحلة ولده في العراق، والأعمال التي كان يقوم بها الجنود هناك، أعمال متضاربة تتوزع بين اللعب مع الأطفال وتعذيب لمعتقلين، بعد أيام من عودته إلى أمريكا يتم العثور على بقايا جثة الابن مايك وهي مقطّعة ومتفحّمة عند أطراف القاعدة العسكرية، حيث تدخل المحققة أيملي ساندرز على خط الأحداث، لكنّها تواجه برفض من قبل الشرطة العسكرية التي تصرُّ على أن الجريمة وقعت داخل القاعدة، وضمن حدود تخصصها وكأن المخرج يريد أن يشير إلى ما يمكن أن يكون عليه الحال في الثكنات المحصّنة قانوناً عن المساءلة، وبعد سلسلة من الأحداث التي بُني الكثير منها على الصدفة، ولم تمتلك أساسا موضوعيّاً مقنعاً يعترف أحد الجنود بأنّه مع زميل له قتل مايك وطعنه اثنين واربعين مرة وقطّعه وحرقه، بدون الإشارة إلى الدوافع غير تعاطي المخدرات، فيما يوحي المخرج للمشاهد، خلال أحداث الفيلم، بأن ثمّة عصابات في داخل المؤسسة العسكرية لتهريب المخدرات والمتاجرة بها مع تجار مكسيكيين، ويسرد قصة عن إلقاء القبض على أحدهم وهو يهرّب المخدرات بين العراق والكويت عبر الخط العسكري الأمريكي.
خلال تحريات (هانك) عن مصير ولده والحوارات التي أجراها مع الجنود في القاعدة يصف له أحدهم ما واجههم في العراق، والجندي بدا خبيراً فوق العادة وهو يردد عبارات مثل «إنّ العراق أصبح خطراً لانَّ الديمقراطية بدأت تعمل». ويصور جنديٌ آخر ما يحصل في العراق بقوله متأسفاً «ليس من المفروض أن يُرسَلوا إلى هناك.. كل شيء ليس سليما، يجب أن يضربوه بالنووي ويشاهدونه وهو يتحوّل إلى رماد». وهي حوارات تؤكّد تحوّل النظرة إلى العراق، وتعكس التأثير المفجع على شخصيات وسلوكيات الجنود، وحقيقة كون البعض منهم ساديين يتلذذون بمعاناة الآخرين وبإيقاع الأذى بهم، الشيء الذي تأكّد بعد افتضاح سر اختفاء مايك وكيفية التخلّص منه.
مايك الذي ينهار ويتصل بوالده باكياً لأنه دهس طفلاً عراقياً بعربة الهامفي ليس لسبب سوى لأن الأوامر العسكرية تقضي بالسير قدماً بدون توقف، هو ذاته الذي يسمى بالدكتور لأنّه ينتحل صفة مسعف ويقوم بالضغط بقوّة على جروح المعتقلين العراقيين ليتلذذ ويضحك هو وفرقته على وقع صرخات وتوجع المصابين، وهو تناقض غريب لا تجيب عليه فكرة الهروب من المشاكل التي حاول إيصالها كاتب النص. الفيلم ومثلما وصفته دراسة نشرت في صحيفة «نيويورك تايمز» للناقد السينمائي والصحافي الفنّي الأمريكي انطوني أوليفر سكوت ينقل رسالة تعد من الأخبار القديمة، وهي أن الحرب سببت أضرارا في العراق، مقال الصحيفة الذي نشر تقديماً للفيلم أوضح أن هانك كان يفترض انه يعرف ابنه حين شجعه على الالتحاق بالجيش مثل أخيه الأكبر الذي قتل مما يجعله يشعر بمسؤوليته مضاعفة عن مقتل مايك الابن الأصغر بشكل مروع ووحشي، وهو ما يكشف وجود هوّة من عدم التواصل بين الأجيال وتغيير في طبيعة الشخصية الأمريكية منذ فيتنام ومرورا بحرب العراق وما خلفته. ولم تتوافر في الفيلم رسالة غامضة غير أنها، وحسب كاتب المقال المولود في العاشر من يونيو/حزيران عام 1966 احتوت على شكل من أشكال الخطاب السياسي المعقلن، وأن فيها ميلاً صوب إثارة الجدل والاستغراب حول أحداثه التي بدت بلا نهاية مقنِعة وهي عيوب سجلت على الفيلم، وربما غطى عليها الأداء البارع لهانك (تومي لي جونز) المعروف بتقاسيم وجهه الصارمة، حيث رشّح عن دوره للأوسكار.
وهذا المستوى من الجدل والخطاب السياسي المضمر ليس بالغريب على مخرج الفيلم الكندي الجنسية بول هاغيس وليس بالجديد على بطلي الفيلم تومي لي جونز وتشارلز ثيرون وما عرف عنهم من رفض للحروب والتورط الأمريكي في مناطق مختلفة من العالم، خاصة بعد أن أسس المخرج وكاتب السيناريو الحاصل على الأوسكار جمعية «فنانون من أجل السلم والعدالة» وهي الجمعية التي تناهض الحروب والعنصرية.
واللافت أن جودة الصوت العالية والقريبة من المثالية وغياب الموسيقى الخلفية في بعض المشاهد عزز من واقعية الفيلم وقدمه بشكل أكثر معقولية، على الرغم من الأفعال الغامضة، خاصة في ما يرتبط بدوافع الشخصيات التي قامت بقتل مايك بتلك الطريقة، «كان يمكن إضافة خط أو خطين للتوضيح» حسب دراسة نشرت في موقع «آي أم دي بي» الإلكتروني.
وفيلم «في وادي ايلاه» المأخوذ اسمه من الكتاب المقدّس، أخذ نصيبه من الإفراط في فكرة التطهير حين استعان بقصّة منه، واكّد وجود ذكر لها عند المسلمين أيضاً وفي تعارض مع أجواء الفيلم الخالية من الخيط الأخلاقي النقي، وهو ما لمسناه ويلمسه المشاهد من تحوّل الفيلم إلى مسرح للأحاسيس غير المكتملة أو غير النهائية، فحب الام ليس متكاملاً وعاطفة الابوّة ليست واضحة، وجو التآمر ليس واضحاً، وحدود الكراهية ليست بائنة، وأفق الوطنية والانتماء إلى الواجب ليس اصيلاً… لم يكن كل شيء مكتملاً، وبالنسبة لصانعي الأفلام الأمريكيين فإن العراق لم يعد بقعة للتطهير وبث النوايا الحسنة مثل السنوات الأولى من الحرب وانّما تحوّلت المهمّة في بعض من زواياها إلى باحة خلفيّة للصراعات والأحداث.
مايك أرسل قبل عودته من العراق طرداً بريدياً وصل بعد مقتله يحتوي على العلم الأمريكي مع صورة له مع الجنود وهم يقفون أمامه، في نهاية الفيلم يشرع الأب هانك برفع العلم مقلوباً في إشارة إلى أن الامّة الامريكية تستغيث، وأنها في خطر، خطر أكدته عبارة مايك لوالده عبر الهاتف من العراق «أبي يجب أن تخرجني من هنا».
ناقد عراقي
يوسف المحسن