لندن – «القدس العربي»: «قصة حب سورية» عنوان فيلم يوثق قصة حقيقية لعائلة من سوريا، استغرق إنجازه أكثر من 5 سنوات وعرض في لندن مؤخرا. مخرجه البريطاني شون ماكليستر صانع أفلام وصحافي عرف باختياراته المميزة، وجعله حبه للشرق الأوسط ينجز أفلاما وثائقية عديدة في العراق واليمن وفلسطين ودول أخرى.
يقول المخرج لـ«القدس العربي»: الوثائقي أثار تعاطف الجمهور في بريطانيا، وهو يتحدث عن عائلة من سوريا عاشت الظلم والإضطهاد، وقاومت التهديد والخطف والقتل بالصبر والحب والتلاحم.
ويضيف: للقصة أبعاد إنسانية وسياسية مهمة، كان الهدف منها أن يرى العالم شعبا يبحث عن الحرية والتغيير والعدالة الاجتماعية. شعب متمسك بوطنه مهما كان الثمن. لكنه في القوت نفسه يحلم أن ينعم أطفاله بالأمان والإستقرار وأن لا تهان كرامتهم».
يصور الفيلم قصة حقيقية لفتاة سورية رغدة سعيد حسن وشاب فلسطيني عامر داوود، كانا سجيني رأي، وتعارفا في أحد سجون النظام السوري، حيث لم تفلح الجدران في منع نشوء قصة حب جنونية عملاقة رغم التهديد بالقتل والمطاردة، وأصرا على اكمال المشوار وتكوين عائلة، لكن الأحداث تسارعت بعد خروجهما من المعتقل بشكل مخيف، وبدأ الخلاف بين رغدة التي وجدت ان بقاءها في سوريا عند قيام الثورة ضروري لتحقيق حلمها الذي كانت تنتظره طوال حياتها بالحرية والعدالة الاجتماعية والتغيير. أما عامر فوجد أن اللجوء خارج سوريا سيكون أفضل حيث التهديد والمطاردة والتنقل من بيت إلى بيت للإختباء من المخابرات والخوف على مستقبل اولاده من الضياع أو الاعتقال.
«القدس العربي» حاورت بطل الفيلم عامر داوود المقيم حاليا في فرنسا، فقال: المخرج له أهدافه كصانع أفلام وثائقية في سوريا، اذ كان يبحث عن حقيقة العيش، وعن حقيقة تعامل النظام مع الناس، وكانت اسئلته دائما ترتبط بالحرية والديمقراطية والنظام الدكتاتوري. التقيته في دمشق القديمة في أحد الأحياء بمحض الصدفة. كنت أرى أمامي صحافيا بريطانيا يحاول أن يجد أجوبة عند الناس عن بعض المفاهيم الممنوعة تماما في سوريا فيقول مثلا: هل تعرفون بوجود مساجين سياسيين في سوريا؟ فطبعا كانت الناس ترتعب منه، وكمواطن يعيش في سوريا من الصعب ان تثق بصحافي أجنبي يسأل أسئلة جريئة جدا. في البداية تعاملت معه بدون ثقة، لكن بإجابات جيدة سمعني المخرج والصحافي شون وأنا أتحدث مع زوجتي رغدة داخل السجن، إذ كانت معتقلة حينئذ فقال لي: مع من تتكلم؟ فاخبرته أنها في المعتقل وهي سجينة سياسية فشعر وقتها أنه وجد ما كان يبحث عنه. وبدأ يسأل عن الحرية والعدالة الاجتماعية فقلت له إذا أردت ان تسأل هذه الأسئلة الجريئة لا يمكنك أن تسأل في الشارع لانك تحرج الناس. أما إذا أردت ان تعرف الحقيقة عن سوريا رافقني وساعطيك حقيقة ما يجري.
ويضيف: بالنسبة لي كان هذا العمل نافذة أمل لولاه لما كان صوتي ولا صوت زوجتي وصل إلى الناس. وزوجتي كانت معتقلة، وعندي طفلان أحاول حمايتهما واعيش انا كنت مطلوبا لأجلهما. اما سبب اعتقالي الأول فكان نشاطي السياسي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في قطاع العمل السياسي عام 1992. تعرفت على رغدة في السجن أثناء نزولها من حفلات التعذيب التي كانت تتعرض لها، كنت أراقبها من ثقب في الباب وبعدها استطعنا من خلال طرق سرية في السجن أن نتواصل وتحدثنا في بادئ الأمر من مصرف ماء غير مستخدم. كانت غرفنا متجاورة وقررنا أن نثقب الجدار وثقبناه، وبدأنا نتحدث بشكل دائم ومتواصل خاصة في ساعات الليل، كنـت وقــتــها أســتطيع رؤيتها لكنها لم تستــطع رؤيتي كانت تسمعني فقط.
خرجت منفيا من سوريا، ومطرودا وضعوني على الحدود السورية اللبنانية، وهي بقيت في السجن، لم يكن هناك أمل في خروجها أبدا، ومع ذلك عدت إلى سوريا في اليوم التالي «تهريب» وعشت فترة في انتظار خروجها من السجن، حتى تم الإفراج عنها بعد 6 أشهر، وبدأنا حياتنا مهددين مراقبين، فانا مطرود من سوريا وغير مسموح ان أبقى بها، وهي تنتمي لحزب محظور. أحببنا أن نبني أسرة رغم الظروف القاهرة فكانت حالة حب خارجة عن إرادتنا حتى قضبان السجن ماعرفت كيف تعتقل هذه الحالة.
وأضاف: أنا وزوجتي وأولادي قدمنا نموذجا لعائلة عادية صحيح تغربنا وحدث انفصال بيني وبين رغدة لكنني أشعر أن اولادي الآن في أمان في فرنسا وينتظرهم مستقبل حقيقي وهناك رضا عن الذات.
أما رغدة سعيد حسن وهي كاتبة ومعتقلة رأي في السجون السورية سابقا، ومن العناصر المهمة في الفيلم مقيمة في تركيا، وروت لـ«القدس العربي» أحداث الفيلم مشيرة إلى تجربتها الشخصية من مرارة الإعتقال والتعذيب كسجينة رأي وعلاقة الحب القوية التي جمعتها مع عامر، وكيف أصرت على البقاء قريبة من سوريا لتواصل نضالها من أجل حرية الشعب السوري.
والحديث عن الاعتقال بالنسبة لرغدة جرح لا يندمل. رغدة تنتمي لأسرة غير بعثية. تتذكر أول اعتقال لها حين كان عمرها 20 سنة وكانت تجربة فارقة في حياتها. تعرضت للسجن الإنفرادي لمدة سنة وللموت أكثر من مرة بسبب التعذيب وحلقوا شعرها في عام 1992. قالت: المخرج شون ماكليستر كان يبحث عن قصة إنسانية لها معنى وعندما زار سوريا كنت معتقلة. وتعرفت على عامر في هذه الأثناء. واعتقالي الثاني كان بسبب انتمائي لحزب شيوعي محظور وبسبب كتابي «الأنبياء الجدد» الذي أثار غضبهم لأني كتبت فيه عن الحالة الاقتصادية والاجتماعية وأجواء الإعتقالات في سوريا، وعن الكرد والقضية الفلسطينية.
وتضيف: كان عامر وقتها يجمع قدر الامكان حالة جماهيرية لينال الشعب السوري هامشا صغيرا من الحريات. المخرج سلط الضوء على أسرة معتقلة وتفاصيل حياتها وبدأ عملية التوثيق. وبعدها قامت الثورة وخرجت من المعتقل.
وعن بدايات الثورة تقول: اول اعتصام حصل بعد الثورة كان اسمه «اعتصام الداخلية» وقتها اعتقل زوجي عامر وابني الذي كان عمره 14 سنة وهانيبال ابني الصغير ضاع. هذه الأحداث المتسارعة جعلت شون ماكاليستر يكمل الفيلم، فالأحداث بدأت تتطور. استمر شون في العمل يوثق الأحداث فاعتقلوه، وفتحوا جهاز الكمبيوتر الخاص به وبعدها طلبوا القبض علينا أحياء أو امواتا، وتدخلت وقتها «channel4» الانكليزية وضغطت على السفارة البريطانية في عمان طالبة التدخل حتى تمكنا من الخروج إلى لبنان في عام 2011.
وتشرح رغدة صعوبة الحياة بعيدا عن الوطن: أنا لم استطع تحمل البعد عن سوريا. انه الوقت الذي كنت انتظره منذ 40 سنة. أحسست بالخيانة. حاولت اقناع عامر ان نعود لكنه رفض وقال: ماذا عن أولادك صارت لهم تجربة في الاعتقال. بدأ الصراع بيننا فقررت ان اترك لبنان وأعود إلى سوريا وحدي عن طريق التهريب، وحوصرت بالقصير في أول حصار لما دخل جيش النظام، وبعدها هربني الثوار إلى دمشق في 2012. قمنا بتشكيل منظمة «شباب الحرية لقيادة الثورة من الداخل» كان هدفنا الا نترك مكاننا فارغا لأنه سيأتي أحد ويملأه فورا. بدأت أرسل رسائل للشباب السوريين الوطنيين الذين تركوا سوريا واناشدهم بالعودة وانه لا أحد سيحرر بلدنا من الخارج. كل من عمل معنا تعرض للإعتقال أو القتل واستشهدوا تحت التعذيب. أرسل لي المحامون انه صدر بحقي قرار إعدام، ويجب ان أغادر سوريا فورا. ذهبت إلى لبنان والوضع الأمني في بيروت كان سيئا، وبعدها ذهبت مع عامر والأولاد إلى فرنسا. هناك كبر الخلاف أكثر. المنفى والحالة عطبتنا من داخلنا. غيرت وكسرت أشياء كثيرة بدواخلنا. تزوجنا منذ 17 عاما تعبنا كل واحد فينا يحمل قضية أكبر من هذا الكوكب هو فلسطيني وأنا سورية، هو يريد ان يعيش في مربع آمن وانا لا، وهذا انعكس على الأولاد. الأولاد كانوا معي، وأثناء الفحص الطبي لنا كلاجئين اكتشفوا ان لدي ورم خبيث، دخلت في متاهة العلاج، وهذا أزم الوضع وأحدث إنتكاسات نفسية صعبة. حاولت الانتحار وزادت المشاكل وحدث شرخ كبير وفقدت الأمل بكل شيء. لا أولاد ولا زوج ولا صحة. سافرت إلى تركيا فهي قريبة من بلدي. كل النشاطات التي تخص سوريا تتحدد في تركيا. الشعب السوري لم يكن عنده خيار اللجوء. أنا تحديدا عرض علي اللجوء في السويد والدنمارك وكنت أرفض. أريد ان أموت في بلدي. الوطن بالنسبة لي ليس مجرد حجر. وطننا لم يتخل عنا نحن تخلينا عنه.
وأبدت رغدة ارتياحها من الفيلم الوثائقي مؤكدة أنه من خلال هذا العمل وصلت رسالة سورية للشعوب الأوروبية. وتقول: «هذا نموذج سوري مش داعش مش إرهاب نحن لسنا إرهابيين. المشاهد الاوروبي مخدوع بالإعلام وبحكوماته. أما علاقتنا أنا وعامر اعتبرها سوية وجيدة لدرجة اننا نقول لبعضنا ان الطلاق كان الحل الأفضل، وحتى الأصدقاء قالوا لنا عندما ابتعدتم أصبحتم مثل الأساطير في الحياة.
صحيح انني بعيدة عن أولادي وكنت أبحث عن أجوبة لأسئلة كثيرة بداخلي إلا أنني بدأت الآن أناضل من أجل وطني ومن أجل أن أعيش أنا وأولادي بطريقة آمنة. نشكر المخرج وصانع الأفلام شون ماكليستر لأنه عرض حياته للخطر وتحمل عناء السفر، والاعتقال ليروي قضيتنا التي آمن بها ونجح في إيصالها إلى الجمهور الغربي، وذلك كان جليا في التعاطف والبكاء أثناء عرض الفيلم في قاعات السينما في بريطانيا.
وجدان الربيعي