القاهرة ــ «القدس العربي» من محمد عبد الرحيم: بعد توقف دام سبع سنوات، والانشغال السياسي، وقد وجد ضالته بين جموع الشعب، خاصة بعد تأييده انقلاب 30 يونيو/حزيران، بأن أصبح الراعي الرسمي لتوثيق أحداث الانقلاب، يعود خالد يوسف إلى السينما بعمل بعنوان «كارما». وكعادته دائماً ينشغل الرجل بحلم تحقق العدالة على الأرض، وأن ينظر الأغنياء إلى الفقراء نظرة المشاركة الإنسانية، بخلاف نظرة العطف والشفقة، هذا إن وجدت من الأساس. ومن منطلق هذا الفكر لم يغيّر يوسف نظرته للسينما التي كان يصنعها قبل ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، ذلك لأن الأمور تزداد سوءاً بعد سوء. ولأن المناخ لم يعد يسمح بمناقشة موضوعات كالتي تناولها يوسف من قبل ــ رغم مباشرتها الفجة ــ إلا أن مبادئ الرجل وصورته ــ صورة الثوري المنتصر للغلابة ــ لم تزل تتراقص أمام عينيه، فجاء اللعب من خلال حكاية رجل أعمال يؤرقه ضميره، فيحاول النظر إلى عالم الناس اللي تحت، حتى ولو في الحلم. الفيلم أداء .. عمرو سعد، خالد الصاوي، غادة عبد الرازق، زينة، وفاء عامر، ماجد المصري، إيهاب فهمي، دلال عبد العزيز، مجدي كامل، وسارة التونسي. تأليف وإخراج خالد يوسف.
أدهم ووطني
بما أنه رجل أعمال فمن الطبيعي أن يكون اسمه (أدهم)، أما الظل الآخر، الفقير المظلوم، بما أنه يمثل الأغلبية ــ أغلبية الشعب مش مجلس النواب ــ فلازم يكون اسمه (وطني)، وما بين أدهم ووطني تدور أحداث الحكاية. أدهم مثال لرجل الأعمال الناجح، وبالطبع لديه من النفوذ ما يقابله من الأعداء، ونظراً للمشاريع القائمة الآن في مصر، وأهمها الاستيلاء على أراضي البسطاء، وقد توارثوها بدورهم، فيجب تهجيرهم واستغلال الأرض في مشروعات سياحية واستثمارية مرموقة تجمّل وجه الدولة المشرق. وبالتواطؤ مع الساسة وأجهزة الدولة، تكون الصفقة من نصيب أدهم، ولكن الأحلام تصيبه، وتجعله غير قادر على الاحتمال، فهو يرى شخصاً آخر من ساكني هذه الأماكن يُشبهه، ويحيا حياة الفقر والعوز، همّه الوحيد إيجاد كنز أثري تحت أنقاض جامع أثري قديم. يعيش أدهم معاناة وطني في الحلم فقط، ويتم لتعرّف إلى هذين العالمين، وحتى لا يتلخبط الجمهور، يأتي الطبيب النفسي المتصوف، ليوضح الأمر أكثر، ويشرح ويفسر، بأن الأمر لا يعدو حلماً يؤرق صاحبه، نظراً لما سيسببه مشروع من ضرر لكثيرين، فضميره لم يزل حياً. ومن هذه الزاوية إضافة إلى عالم رجال الأعمال/العصابات، لا يخلو الأمر من محاولة اغتيال لأدهم، والتي بعدها يقرر الذهاب إلى مكان وطني، ويا الله .. يظنه سكان الحارة وطني ويندلع شجار بينه وبين بلطجي الحتة، فيصاب ويُنقل إلى بيته أو العشة التي يعيش بها، بينما على الجانب الآخر يجد وطني الكنز ــ سبائك ذهب تعود للعصر المملوكي ــ إلا أن أحدهم يُعاجله ويضربه فوق رأسه فيفقد الوعي، ولا يستفيق إلا ويجد نفسه في مستشفى شهير بين مساعديه، مديرة أعماله التي تحبه في صمت، ومساعده الذي يلعب دور الخائن لولي نعمته، وبذلك يعيش كل منهما حياة الآخر بالفعل.
في سبيل المقهورين
وبعد الكثير من المهاترات، من أكشن وخلافه، والكثير من ملل في سرد الأحداث، واللعب على مشاهد الكلاشيهات ــ لم يزل يظن خالد يوسف أنها ستؤثر في الجمهور ــ مثال موت الأم (أم وطني) ونفسها في حتة كونافة. أو موت زوجته وهي تطلب منه أن يسامحها. آه بالمناسبة .. وطني مسيحي، وقد تمثله أدهم بما أنه صفة تضاف إلى المقهورين في الوطن. ولازم طبعاً تكون بجوارها جارتها المسلمة، التي تعزم وطني وامرأته على الإفطار في رمضان، نسيج الأمة الواحد الأحد. وبعد تشوّش درامي، وسرد أشبه بأعمال الجرائم، أدهم يقتل حبيبته، لأنه لا يريد أن يصبح ضعيفاً، بأن يحتاج لأحد ــ هكذا يفسر الأمر الطبيب النفسي البَرَكة ــ إلا أن الحبيبة تظهر فجأة وتكشف أنها لم تمت، بل فقط حالة إغماء! وما بين الخيالات والتهيؤات يقوم وطني ــ الذي يؤدي دور أدهم ــ بكشف كل أوراق الفساد، حتى أنه يقوم بالإبلاغ عن فساده هو، حتى يصل إلى درجة التطهر، والمصالحة مع ضميره.
وفي درس من دروس التنمية البشرية، يوضح أدهم في كشف فلسفي أن (الكارما) كما في الأديان والمعتقدات البوذية وغيرها هي أن مسؤولية الإنسان عن أفعاله تتجلى في ما سيحدث له مستقبلاً، خيراً أو شرا، وحتى لا يتم رفع قضية على مؤلف ومخرج الفيلم، بأنه يستند إلى معتقدات غير مُتعمَدَة من السماء، تم تلخيص الأمر في عبارة (كما تدين تدان). لكن (كارما) تصبح داخل الأحداث ابنة وطني، والتي تعاني بدورها مع هذه الأسرة الفقيرة، لكن .. وبما أن أدهم ووطني شخصية واحدة، فإن سبب كل هذه الكوارث، وسبب أحلام أدهم، ومحاولاته إنصاف عالم وطني ــ الأغلبية ــ والتخلي عن صلف وقسوة رجال الأعمال ــ كان يردد بأنه يجب الخلاص من الفقراء الأغبياء والقضاء عليهم ــ سبب كل هذا هو فقدان أسرته في حادث، خاصة طفلته (كارما)، ولهذا بدأت هواجسه وأحلامه، وحالة استيقاظ ضميره، أي سبب درامي قوي حتى تتحول الشخصية، ونمد الرّب بأن وفقنا وشاهدنا مراحل هذا التحوّل. فمثل هؤلاء ينتظرون حلاً قدرياً خارجا عن إرادتهم، صدمة عنيفة، حتى يفكرون في وجود كائنات أخرى يُطلق عليها بني آدميين.
في فيلم سابق لخالد يوسف (دكان شحاته)، ورغم الركاكة والمباشرة المعهودة، إلا أن النهاية جاءت متوافقة إلى حدٍ كبير مع معاناة الواقع الذي يعيشه أغلب الشعب المصري، ثورة جياع ستأتي على الكل، وبالفعل قامت ثورة 25 يناير/كانون الثاني، التي كانت أكثر واقعية وتهذيباً مع السفلة، فلم تفلح أو تنجح كما كان متوقعا للأسف. ولكن .. بعد سنوات من قيامها، يعود خالد يوسف ليستعطف الأغنياء ورجال الأعمال، ولا يجد غير تذكيرهم وضميرهم الغافل، وكأنه لا يمتلك كما النساء البسيطات سوى الدعوات على كل مَن ظلمهن، «فلو ما خدتش بالك من اللي بتعمله، ربنا هيوريك .. آه». الأمر مرهون بهؤلاء فقط، أما وطني ورفاقه، فهم في انتظار معجزة، إما البحث عن كنز قديم، أو الموت مكانهم في منازل وعشش لا تصلح حتى للحيوانات، وأن يأكل بعضهم البعض، كمحاولة للوجود، أو بالكاد يظلون قدر الإمكان على قيد الحياة في انتظار استيقاظ ضمير السلطة، الذي لا تعرفه. هكذا يرى خالد يوسف الأمر بعد كل هذا الصخب النضالي، والتحدث الفارغ باسم المغلوبين على أمرهم.