كان عليهما أن يتصرّفا كزوجين من لحظة التقائهما الأولى. هو، الضابط ماكس فاتان (يؤدّي الدور براد بيت) قد وصل لتوه إلى كازابلانكا، بعد نزوله بالمظلّة فوق رمال الصحراء. أما هي ماريان بوسيجور (ماريون كوتيار) فكانت منخرطة في مجتمع المدينة المتشكل من مدنيين فرنسيين وعسكريين ألمان ورجال مخابرات من شتى الأنواع.
التقاؤهما الأول ذاك حصل في حضور كثيرين كانوا حول طاولة بوسيجور في ذلك المقهى. أسرعت هي إليه ورمت نفسها في أحضانه فيما هي تعرّفه بنفسها، ماريان بوسيجور، وتطلب منه أن يسلك معها كما يسلك زوجان التقيا بعد غياب. وكي لا يقعا في خطأ، تعتذر هي من مجالسيها لتذهب إلى البيت برفقته. هناك أيضا يجب أن يعرف الجيران المتلصّصون، على الرغم من أن أحدا لم يظهر منهم، بأنهما زوجان. عانقني، قالت له فيما هي تدنو منه لتطبع قبلة طويلة على شفتيه. هذا لكي يصدّق أولئك الجيران الذين لا يعرف مخرج الفيلم روبرت زيمكيس ولا كاتب نصه ستيفن نايت أن ليس هكذا يُستحبّ الظهور في مجتمع إسلامي، لم يجر تصوير مدنه إلا مرفقةً بصوت الأذان، وهذا ما لازم تلك المشاهد في الفيلم، هكذا على غرار ما درجت عليه الأفلام السينمائية السابقة في تصويرها المدن الإسلامية.
ولن يتاح لماكس وماريان أن يمكثا طويلا في مجتمع النخبة الأجنبي ذاك، المنفصل تماما عن حياة بشر كازابلانكا. لن يمكثا أكثر من أيام قليلة استُعرض فيها ارتداؤهما لأناقة أزياء ذلك الزمن (الحرب العالمية الثانية) إذ كان عليهما أن يقوما بما التقيا من أجله، وهو اغتيال السفير الألماني ومرافقيه وجنود آخرين هم حرّاس ذلك المكان الغاصّ بالساهرين. وقد نجحا في تنفيذ المقتلة وفرّا دون أن يتعقّبهما أحد. المشهد التالي سيكون في لندن حيث نشاهدهما مقيميْن معا زوجا وزوجة، بل وقد أنجبا ابنة لهما اسمها «أنا».
زمنهما في كازابلانكا، القصير، هو زمن سعادتهما، رغم أنه كان محفوفا بخطر مقتلهما «هذا إن بقينا أحياء غدا»، تقول له مبتسمة بل ومنتشية بالغرام الذي لم يستغرق حصوله أكثر من الوقت الذي احتاجه القيام بعمليتهما الحربية تلك. كانا غير مباليين بما قد يحدث لهما غدا، كأن الفيلم استثنى مفاعيل الخطر من موضوعاته المتشابكة الكثيرة. هي طريقة جيمس بوند في التعامل بلا مبالاة مع الأخطار، وفي الاستخفاف بها حتى نفض اليدين بعد ثانيتين من تفادي أكبر المجازفات. في مشهد أوّل قليل الصلة بمجرى الفيلم وسياقه نشاهد براد بيت يتبع ضابطا ألمانيا ويخنقه، حتى الموت، في حجرة الهاتف العمومي، ثم يعود بعد دقيقة إلى ماريون كوتيّار كأن شيئا لم يحدث. أما في مشهد المقتلة المذكور أعلاه فيشترك البطَلان معا في ذلك النوع من الشجاعة.
وعلى الرغم من أنهما، في النصف الثاني من الفيلم، يروح كل منهما يتفرّس أدنى التفاصيل لاكتشاف ما يخبّئ الآخر. تلك حقبة أخرى من علاقتهما اتسمت بالشك المدمّر، حيث كان الزوج قد أعلم من قبل قيادته الاستخباراتية أن زوجته عميلة للألمان، بعد انقضاء ذلك الزمن على ارتباطهما. هنا، في هذا الفاصل الثاني من الفيلم، نصير إزاء نظرة إخراجية أخرى، مختلفة عما اتسم به الفاصل الذي سبق. كأن التعريف الذي وضعه واصفو نوع الفيلم على الإنترنت، وهو تعريف يجمع بين أنواع كثيرة هنا هي، حسب ما كُتب بالإنكليزية: Action, Drama, romance سيطبّق كاملا فيه، بل وفي تعريفات أخرى للفيلم ذاته أضيفت إلى الكلمات الثلاث تلك كلمة War، وكلمة أخرى هي classical لتذكّر بأن الفيلم يرجع في أحداثه وأزياء أبطاله إلى الأربعينيات من القرن الماضي. ربما كانت السينما في حاجة إلى كل هذه العوالم من أجل أن يُستدرج إلى الصالات محبّو الأنواع جميعها.
فقط في السينما الأمريكية أمكن الجمع بين الرومانس والأكشن، بل نجح ذلك طالما أن الصالة الأكبر بين صالات المجمّع السينمائي البيروتي غصّت بمئات المشاهدين الذين، كما رأى أحدهم في أثناء خروجه من الصالة، أن هؤلاء قدموا من أجل براد بيت، وهذا طبعا ما يزيد صفة أخرى على الصفات ( أو الأنواع) المذكورة أعلاه.
ربما بسبب ذلك اعتبر نقاد كثيرون أن المخرج روبرت زيميكيس لم يوفّق تماما هذه المرّة أو على الأصح، لم يشر قط حسب ترجمة لبنانية لكلمة fizz التي أنكرها الناقد الأمريكي على فيلم زيميكيس هذا. لكن ما قد يعوّض ذلك نظرة من المخرج إلى لوائح الإيرادات التي تحرص الشركات المسوّقة للأفلام على إدراجها بندا رئيسيا بين المكوّنات التي تعيّن قيمته.
فيلم «متحالفيْن» Allied بدأ يُعرض في صالات بيروت، بالتزامن مع بدء عرضه في الولايات المتحدة يوم 23 نوفمبر/ تشرين الثاني.
٭ روائي لبناني
حسن داوود