القاهرة ـ «القدس العربي»: لا شك ان ما يعرف بثورات الربيع العربي بداية من تونس مروراً بمصر وليبيا وسوريا واليمن اشتعلت بعد فيض من الصبر على حياة اختفى منها معنى الإنسانية وأهدرت فيها كرامة المواطن، وتلاشي أي أمل سلمي قادر على تغيير الأوضاع نحو الأفضل أو انصياع الحكام لمطالب شعوبهم. المشهد المتكرر الذي تتصادم معه أينما وليت وجهك نحو بلادنا العربية هو الفجوة التي استفحلت بين الطبقات والتي أكلت الطبقة الفاصلة بين «الناس اللي تحت، والناس اللي فوق» بين من يعيشون في الحضيض وبين من أوقع بهم في هذا المستنقع. المشهد الحق بعيداً عن المهاترات السياسية التي تحلل وتدين وتلحق العار بمن صنعوا هذه الثورات، الواقع يستطيع التعبير عن نفسه بعيداً عن منابر التنظير السياسي. فمشهد طفلة بائعة مناديل تجلس على أحد الأرصفة تسند رأسها على ماركة سيارة بالغة الفخامة تفتح كتاب المدرسة لتكمل وظائفها، هو المشهد نفسه الذي صنعته المخرجة هالة خليل في أحدث أفلامها «نوارة». الفيلم يعبر عن مشهد عام لا يخص حياة المصريين وحدهم، لكن يعبر عن حال المجتمعات التي أهدر فيها معنى الإنسانية.
«الفيلم المشهد» أنسب وصف لفيلم «نوارة» الذي يؤكد اتساع نطاق الفجوة التي تفاقمت بين طبقتي المجتمع المصري، الطبقة الضائعة التي تعيش «تحت الأرض» والأخري التي استباحت حقوق مجتمع جاهل لا يعي ان له أصلاً حق. يصور الفيلم حالة الانعزال التي يعيشها كل مجتمع منهما، الحياة الأولى يعيشها رجل الأعمال والوزير السابق هو وعائلته يجسدها الفنان محمود حميدة والفنانة شيرين رضا وابنتهم الفنانة رحمة حسن، انغلاق تام على عالمهم وانفصال عن مجتمع لا يعبرون إليه. هي أسرة من ضمن العشرات التي تعيش في مجتمع سكني مغلق «كومباوند»، لا تتماس خارجه إلا مع الخادمة نوارة التي جاءت من عالم آخر تحت الأرض، على الطرف الآخر تعيش نوارة وسط العشوائيات مع جدتها حياة غير آدمية تنقصها كل سبل الحياة الإنسانية، ورغم ذلك لا تتذمر على حياتها وتكافح لردع زوجها عن السرقة، لكنها في النهاية مثل العديد من المصريين دفعوا ثمن ما فعله آخرون بعد الثورة.
يتعرض الفيلم لفترة ما بعد أحداث ثورة يناير، ويصور حالة الهلع التي أصابت «كبار رجال الدولة» بعد وضع مبارك وعائلته في السجن، فمنهم من يهرب ومنهم من يسجن، ويجسد الفنان محمود حميدة شخصية وزير سابق تعمل لديه نوارة التي تقوم بشخصيتها الفنانة منة شلبي، ويهرب حميدة هو وعائلته إلى الخارج خوفاً من مصادرة أمواله والقبض عليه، وتترك زوجته المنزل تحت اشراف نوارة التي تشعر بالمفارقة بين حياتها في العشوائيات التي لا تجد فيها كوب ماء ولا دورة مياة مستقلة، وحياة الترف في قصر الوزير. ولكن نوارة التي تحاول كبح غيرتها تحاول أيضاً التخلص من مخاوفها بالمواجهة، لكنها في النهاية تساق إلى السجن بسبب تهمة سرقة مبلغ من المال وهو فعل لم ترتكبه، وتعاقب بدلا عن الجاني الأصلي الذي فر هو وأمواله دون عقاب.
جسدت المخرجة هالة خليل المفارقة بين حياة نوارة وحياة رب عملها من خلال لغة الصورة. تخلت هالة عن الاستعانة بديكورات وقامت بالتصوير في الأماكن المفتوحة ما أضفى على الفيلم درجة أكثر قتامة خاصة مع تباين الصورة وانتقالها من الشوارع الضيقة إلى حدائق الكومباوند، ومن حمام السباحة إلى دورات المياة المشتركة، ومن القصر الفخم إلى الغرفة التي تعيش فيها عائلة بأكملها. هذا الاسراف في توظيف التباين البصري والذي رافقه في تكثيف جرعة الخطاب السياسي والثوري المباشر بين الشخصيات أو من خلال صوت التلفزيون والراديو، أفقد الجمهور تواصله مع الفيلم، الصورة عكست بما يكفي وفاض واقع حياة الطرفين، ثم جاء الحوار الذي وقع في فخ المباشرة والتكرار وأصبح ثقلا على المشاهد، الصورة لجأت إلى المقارنة والتأكيد على معادلة بديهية، لم نلمس حالة الصراع الطبقي بين العالمين، بل حالة الصراع النفسي. السيناريو أشار إلى مشاكل كثيرة وعرض فرضية واحدة ونتيجة حتمية، ثورة 25 يناير كانت نسمة أمل رطبة انعشت المجتمع المصري وأفقدت رجال الدولة توازنهم. الثورة نزعت نظاما لكنها لم تنزع الجهل، ونزعت الخوف لكنها لم تنزع الفقر. الفيلم يعطينا الأمل ويأخذ في الوقت نفسه تلك الصورة التي اختزلتها شخصية الوزير السابق محمود حميدة في جملة واحدة «الثورة قامت لكن القيامة لسه مقامتش والمقامات محفوظة».
سيطرت الفنانة منة شلبي على الصورة، وأعلنت في هذا الفيلم انها الملكة الجديدة لشاشة السينما. منة شلبي بدأت حياتها الفنية في السينما واستمرت خطواتها بنجاح وتطور، بداية من نجاحها في فيلم «الساحر» مع المخرج الراحل رضوان الكاشف الذي أعلنت فيه عن موهبتها، مروراً بفيلم «بنات وسط البلد» مع المخرج محمد خان. منة تحمل ملامح البراءة والانوثة والأهم انها تستطيع تطويع هذه الملامح حسب طبيعة الشخصية التي تقدمها. ولا شك ان المخرجة هالة خليل اعتمدت بشكل كبير في فيلم «نوارة» على ذكاء وموهبة منة شلبي في قيادة الدور الذي استحقت عنه بجدارة جائزة احسن ممثلة التي حصلت عليها من الدورة الأخيرة لمهرجان دبي السينمائي، أيضاً قدمت المخرجة هالة خليل في فيلمها الجديد موهبة أخرى وهو الفنان امير صلاح الدين، الذي لم يعتمد على استثمار ملامحه السمراء التي وضعها المخرجون في قالب شخصية ابن الحارة البسيط، لكنه حاول ان يخرج من هذا القالب حتى لا يكرر الشخصية التي قدمها سابقاً بملامحها. الفيلم تغلِّفه حالة من الميلودراما، لكن مع تدهور واقعنا الحالي أصبح الفيلم أخف وزناً من ميلودراما الواقع الذي تجاوزت كل خيال.
رانيا يوسف