■ في أثناء ما كنا نشاهد وقائع الفيلم، كنا نتفرّج على فلسطين. نتفرّج من مكان قريب هذه المرّة، ومن بيوت كثيرة تنقّل بينها الأب وابنه الشاب ليوزّعا دعوات زفاف الابنة، باليد، على ما تقتضي التقاليد في مدينة الناصرة. نتفرّج على فلسطين أي أن تكون لنا نظرة إضافية إلى المشهد حين يكون الشاب شادي صاعدا على الدرج الخارجي للمبنى الذي من طابقين. كما حين نكون نتفرّج على الطريق وما حولها، تلك التي قطعها أبو شادي مشيا، تاركا ابنه ينتظر في السيارة. كما على سيارة الفولفو أيضا، تلك التي من طراز ما كنا نشاهده هنا في بيروت من خمس سنوات أو عشر سنوات، لكن على أي حال، نسمع الابن في الفيلم يسأل أباه لماذا لا يستبدلها بأخرى بعد أن صارت قديمة. هنا نحاول أن نقيم المقارنة بين بيروت والناصرة، غير محوّلين ما أجاب به الأب (إنها سيارته، اعتاد عليها ولن يتخلى عنها) إلى دلالات رمزية تتصل بالتشبّث بالأرض على سبيل المثال.
هي مشاهدة إضافية لحاضر البلد الذي نبدو، في ما نحن ننظر في الشاشة محدّقين، كأننا نسرق أو نختلس. البيوت أولا، ثم ما حول البيوت، ثم داخلها حيث يكون العيش أكثر إفصاحا عن خصوصيات العيش، ثم هناك الكلام الذي يتبادله الزائران مع نازلي البيوت، هل هو الكلام الذي نعرفه؟ هل المجاملات التي يجري تداولها هناك هي ذاتها التي نتداولها هنا؟ هل يقدّمون ما نقدّمه للضيوف، القهوة أو سواها؟ هل هم مثلنا؟ أم هل سبقناهم، أو هل سبقونا، وفي أي المجالات؟
أتاح الفيلم الكثير من ذلك في تلك الجولة التي استمرّت يوما كاملا. وقد التقى الاثنان، الأب والابن، الكثير من البشر، وهذا في ما أحسب هو الغاية التي من أجلها اخترعت المخرجة فكرة الزفاف وتسليمها الدعوات باليد. لكن في ما هي ترسي ما يشبه الحياة المشتركة بين ساكني البيوت، كان عليها أيضا أن تقيم اختلافا بينهم لتزيح الرتابة عن فيلمها. وقد يحتاج هذا التنويع ربما إلى مبالغة ظهرت نافرة في اللقاء السريع بين الابن وتلك الشابة التي أعلمته من فور دخوله أنها وحدها هنا. وإذ جعلت تصاحب سؤالها عن أحواله بالاقتراب منه حتى انطرح على المقعد وارتمت هي فوقه، نعلم أن علاقة جنسية كاملة حصلت بين الاثنين، سريعة ومن دون مقدمات. مرة أخرى رحنا نتساءل: هل تقول لنا المخرجة هنا أن السلوك الاقتحامي لتلك الشابة دالّ على ضجر العيش هناك؟ هل أرادت أن توصل مشهدها إلى ذلك البعد؟
هو فيلم عن ذلك النهار، نهار توزيع البطاقات، لكن تخللته وقائع من حاضر الأسرة وماضيها. من ذلك مثلا الأم الغائبة التي غادرت مع مَن تحبّه من سنوات كثيرة تاركة طفليها في عهدة أبيهما وحده. ترك ذلك مسحة من عار محيق بالأسرة، مسحة خفيفة حتى ليمكن تجاهلها أحيانا والغضّ عنها. لكنها مع ذلك كانت ضرورية لدرامية الفيلم المهدّد بطغيان الوثائقية عليه. كان هذا سرّ العائلة طالما يجب أن يكون للعائلة سرّها، أو أسرارها.
ثم هناك أيضا العلاقة بين الأب وابنه العائد من إيطاليا ليكون حاضرا في يوم الزفاف ومشاركا في التحضير له. في تجوالهما بسيارة الفولفو، وما جرى في داخلها من حوارات كانت تؤدي مرة إلى اتفاقهما ومرة إلى افتراقهما، نعرف كم بات مختلفا موقف الرجلين، بل الجيلين، من كل شيء. المراوغة والتلفيق اللذان يدخلهما الأب في علاقاته مع الآخرين، يقابلهما الابن بالاستقامة التي تبدو لأبيه فجّة ولا مبرّر لها. عند زيارة البيوت كان الأب يعرّف عن عمل ابنه هناك في إيطاليا بأنه طبيب، وفي كل مرة يستاء الابن ويعلن عن ذلك جهارا لأبيه: ليش قلت عني دكتور، أنا مش دكتور. أو يقرّع الابن أباه حين يخالف هذا الأخير شروط السير، أو، وهنا موضوع اختلافهما الأهم، حين يصرّ الأب على دعوة أحد المسؤولين الإسرائيليين إلى حضور الزفاف، فيما يصرّ الابن على رفض ذلك. هنا يصير الخاصّ عاما وترتفع المشاحنات القائمة على مسائل صغيرة، في الظاهر، إلى سجال لطالما اتسعت أطرافه لتطال مؤسسات ودولا وشعوبا، إلخ.
ما يتّهم به الأبُ ابنَه أنه مبدئي هكذا لأنه لم يكن مرّة مسؤولا عن شيء أو عن أحد، وهو (الأب) في ما تبقى من السجال يظهر لنا طرفا مساوية حجّته لحجة الطرف الآخر، ابنه. في مرحلة أسبق من مراحل هذا السجال كان يمكن أن يُنعت ما يصدر عن الأب بالخيانة، أو أن يتهم بكونه «متعاونا». هنا، في الفيلم، هي آراء مختلفة بين جيلين تكافأت حجّة كل منهما. لكن ذلك، في علاقة الأبوّة والبنوّة، سريعا ما يُتجاوز ويُهمل. في المشهد الأخير من الفيلم، بعد سجالهما العنيف ذاك، يعود الاثنان إلى البيت. يصنعان قهوتهما معا، ثم ينقلان القهوة إلى الشرفة، ثم يجلسان أحدهما قبالة الآخر، ويبدآن التدخين من العلبة ذاتها، بعدما ظلّ كل منهما يؤكّد للآخر أنه أقلع عن التدخين.
٭ عن فيلم «واجب» لآن ماري جاسر، كتابة وإخراجا. أدى أدواره كل من محمد بكري وصالح بكري وماريا رزق. عرض في مهرجانات سينمائية عدة وفاز بجائزة مهرجان دبي السينمائي، وتم ترشيحه لتمثيل فلسطين لجائزة الأوسكار 2018.
٭ كاتب لبناني
حسن داوود