ضمن فعاليات حملة مطالبة بريطانيا بالاعتذار عن وعد بلفور، عرض مركز العودة الفلسطيني قبل أيام، فيلمه القصير بعنوان «100 شارع بلفور» أمام حشد كبير من الجمهور والمهتمين والمتضامنين مع فلسطين وبحضور الممثلين وفريق الإعداد والإشراف وجهة الإنتاج، وذلك في قاعة الملكة إليزابيث وسط لندن وضمن فعاليات فلسطين إكسبو، ولاقى الفيلم الذي عرض للمرة الأولى تفاعلاً كبيراً ونجاحا غير مسبوق.
ويجسد الفيلم درامياً قصة «وعد بلفور» الذي منحه وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور بالنيابة عن حكومته في ذلك الوقت، لصالح إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين من دون أي اعتبار لحق الشعب الفلسطيني صاحب الأرض، وما تسبب به هذا الوعد من ظلم وسلب للحقوق، ومعاناة متزايدة للفلسطينيين منذ ذلك الحين.
«القدس العربي» أجرت حوارا مع مخرج الفيلم والجهة المنتجة للتعرف على تفاصيل العمل، وأوضح مخرج الفيلم البريطاني من أصل فلسطيني أنس الكرمي بعض التفاصيل المتعلقة بالعمل وقال:
«تدور أحداث الفيلم حول قصة عائلة بريطانية يقوم جنود بطردها من منزلها بالقوة بهدف إيواء عائلة أخرى مشردة. تجبر عائلة جونز على العيش في الحديقة الخلفية لمنزلها الذي تملكه ضمن كوخ ضيق ومحاصر وتحرم من الطعام والدواء بينما تتمتع أسرة سميث الدخيلة بكامل المنزل ومحتوياته وتحت حراسة جنود مدججين بالسلاح، وتتزايد الاعتداءات على العائلة المالكة لسلبهم مزيداً من حقوقهم».
وأضاف: «أن سبب اختيار عائلات بريطانية لتجسيد الأدوار، يهدف إلى تقريب الصورة أكثر من الشريحة المستهدفة وهي المجتمع البريطاني، وتقديم مشاهد من الواقع اليومي وانطلاقاً من ذات البيئة حتى يسهل فهم المأساة». وأوضح أن تصوير المشاهد الدرامية تم في منزل بريطاني تقليدي غرب مدينة لندن.
وتحدث الكرمي عن بدايات الفكرة: «دعينا من قبل مركز العودة الفلسطيني، لمناقشة بعض الأفكار حول إنتاج مشروع يساهم في توعية الشعب البريطاني بموضوع وعد بلفور وبدأت الأفكار تتبلور، واستقرت على ان يتم توضيح القضية الفلسطينية من خلال عمل أبطاله بريطانيين».
وعن مراحل الفيلم والفكرة من وراء اختيار شخصيات بريطانية لتمثيله قال الكرمي:
«يدمج بين توقيع بلفور للوثيقة في 1917 وعائلة جونز البريطانية، وهي مكونة من طفلين، بنت وولد، والأب والأم والخالة التي تقتل في أول مشهد اقتحام لجنود في 2017. الجنود يقتحمون البيت ويطردون أصحابه ويسكنون مكانهم عائلة سميث المحتاجة، الجنود مجرد رموز، طردوا العائلة ووضعوهم في الحديقة الخلفية وأجبروهم على العيش فيها بينما العائلة المقتحمة سكنت البيت. وتتطور الأحداث حتى تصبح العائلة المقتحمة وكانها صاحبة البيت الأصلي والعائلة الأصلية أصبحت مهمشة، ما يلسبونه رث ومتسخ وصار الأب يزرع الخضروات حتى يتمكن من إطعام أولاده، في وقت تتمتع عائلة سميث بالخيرات».
ويسرد الكرمي: «يظهر في الفيلم أيضا الجيران الذين يحاولون المساعدة من فوق السور وجدار الفصل، والشخصيات كلها بريطانية. الجميل في الأمر ان من قام بتمثيل دور «بلفور» بعد عرض الفيلم اعتذر للفلسطينيين عن «وعد بلفور» وقال انه لم يكن يعرف عنه كثيرا، واعتذر للطفل الذي مثل دورا في العائلة البريطاينة التي طردت من منزلها وقال، أنا كبلفور اعتذر منك لأني سببت لك هذا الأذى».
ترجمة الفيلم إلى خمس لغات
وقال طارق حمود المدير التنفيذي لمركز العودة الفلسطيني:
«فكرة الفيلم جاءت ضمن حملة الاعتذار عن وعد بلفور، أدوات الحملة كان منها التوقيع على عريضة وبعض الأنشطة وهذا الفيلم جزء من أدوات حملة الاعتذار التي أطلقها مركز العودة لعدة شهور. الفيلم يستهدف الرأي العام البريطاني والتعريف بقصة وثيقة «وعد بلفور» وحقيقة المآسي التي تعرض لها الشعب الفلسطيني نتيجة مئة عام من هذا الوعد المشؤم والمعاناة التي اكتشفنا وللأسف الشديد أن الشعب البريطاني مغيب تماما عن قصته، حتى ان أحد أبطال الفيلم الذي مثل شخصية آرثر بلفور قال: أكنت أسمع بالاسم لكن لم أسمع القصة أبدا، لكن كنت متأكدا أن خلف معاناة الشعب الفلسطيني الكثير من الأسباب المنطقية».
وأضاف حمود ان فكرة الفيلم تقوم على أساس محاكاة المعاناة الفلسطينية من خلال شخوص بريطانية، لذلك الفيلم كان يتكلم عن عائلة بريطانية اجبرتها السلطات المحلية على الخروج من بيتها لإسكان عائلة اخرى لا تمتلك مأوى هي عائلة سميث.
العمل هو محاكاة لما حدث في عام 1967 تحديدا عندما توسعت إسرائيل في احتلالها للأراضي الفلسطينية. هناك عدة أحداث يرويها الفيلم في 11 دقيقة فقط ويحاول ان يجسد معاناة مئة عام من العذاب الذي تعرض له الشعب الفلسطيني.
ويرى حمود أن العرض الأول للفيلم استطاع ان يحقق الهدف المنشود من خلال الاقبال الواسع والحماسة الشديدة من الجمهور الذي كان معظمه من البريطانيين. وأن اختيار العرض ضمن فعاليات «بالاستاين إكسبو» جزء منه لاستثمار حالة الحشد الكبير الذي كان متوقعا خلال هذا النشاط وأيضا استثمار وجود عدد كبير من المتضامنين مع القضية الفلسطينية في هذا النشاط الضخم. كما ان اختيار التوقيت والمكان الذي تمثل في قاعات مركز اليزابيث الثانية في وسط لندن أحد أهم القاعات الموجودة في البلد كانت فرصة كبيرة لعرضه على شريحة أوسع قدر الإمكان.
وقال «بعد العرض الأول باللغة الانكليزية سوف تكون هناك عروض أخرى في أكثر من مدينة بريطانية». وأضاف: «الآن نحاول ان ننسق مع بعض المؤسسات لعقد شراكات بخصوص هذا الموضوع كما سيتم إطلاق الفيلم بأكثر من لغة عالمية منها العربية، وسوف يكون في بيروت مع نهاية هذا الشهر وفي بعض الدول العربية منها قطر وباللغة التركية في اسطنبول وباللغة الالمانية في العاصمة برلين والهولندية في هولندا والفرنسية في باريس».
ويستمر عرض الفيلم حتى تشرين الثاني/نوفمبر المقبل حيث الذكرى المئوية لوثيقة وعد بلفور المشؤومة.
11 دقيقة؟
ويعتقد طارق حمود ان قضية الفيلم القصير لا تحاكي الامكانيات فحسب بل تحاكي أيضا المزاج العام، فالفيلم القصير الآن هو أكثر قبولا من الشارع من الأفلام الطويلة والمسألة الثانية قدرة النشر على وسائل التواصل الاجتماعي تكون أوسع.
ويضيف:»11 دقيقة لا تكفي للحديث عن معاناة مئة عام، لكن الفكرة هي تجريدية في الأساس لأنها تحاول أن تعكس المعاناة من خلال محطات رئيسية ومن خلال شخوص هذه المحطات أكثر من الحديث عن الأحداث نفسها، بمعنى لو أردنا ان نسرد الأحداث فسنحتاج إلى أشهر وسنوات، وبالتالي هي فكرة مجردة من خلال الشخصيات التي تتعرض لها. وعلى سبيل المثال طرحنا قضية معاناة الطفل والمرأة من خلال العائلة التي تعرضت للاضطهاد والتشرد، كما تم تسليط الضوء على كيف ان السلطة المنفلتة من القوانين الدولية أو الوضعية دائما تفرض وترسم شكلا من اشكال المعاناة على اناس أبرياء كانوا يعيشون بسلام».
تيم بارثولميو
يعتذر عن «وعد بلفور»
وفي ندوة اقيمت بعد عرض الفيلم عبر تيم بارثولميو، الممثل الذي أدى دور بلفور، عن اعتزازه بالنجاح الذي لاقاه الفيلم وحجم التفاعل من طرف الجمهور. وحول دور بلفور ونتائج الوعد قال: «رغم أنني كحال الكثير من البريطانيين، لم أكن أعرف الكثير في السابق عن وعد بلفور، إلا أنني كنت مؤمنا أن هناك مسببات ودوافع خلف ما يجري في فلسطين من معاناة وظلم، أنا الآن أكثر إدراكا للحقيقة، ويتوجب علينا أن نفعل شيئا لانقاذ الوضع».
وأضاف: «بالنيابة عن آرثر بلفور، فإنني أرغب بالاعتذار إلى الطفل هنري وإلى الفلسطينيين عن كل الأذى الذي تسبب به هذا الوعد على مدار 100 عام مضت.
أما الطفل هنري الذي لعب دور آدم جونز، فعلق: «يجب أن يتمتع جميع الناس بالعدل والأمان، إذ لا يمكن اخراج الناس من منازلهم دون وجه حق».
100 شارع بلفور
ويأتي هذا الفيلم كجزء من فعاليات حملة مطالبة بريطانيا بالاعتذار عن وعد بلفور، وهو يتبنى هدف توعية المجتمع البريطاني بالآثار الكارثية التي تسبب بها دور الحكومة البريطانية في منح وعد بلفور وقيام إسرائيل، وذلك لمزيد من الضغط على الحكومة بهدف تحصيل الاعتذار ومنع مراسم الاحتفال به في ذكراه المئوية وإعادة الاعتبار لحقوق الشعب الفلسطيني المنتهكة منذ مئة عام.
وقد شارك في إعداد وتنفيذ الفيلم نخبة من المختصين والخبراء، وقام بكتابة الصيغة النهائية للسيناريو وإضافة بعض التعديلات ريتشارد بير الكاتب والمخرج البريطاني صاحب الفيديو المشهور «ثانية واحدة يومياً» والذي يحاكي حياة طفلة سورية في ظل الحرب والذي نال أكثر من 57 مليون مشاهدة عبر اليوتيوب.
والفيلم من إعداد علي فرج، والمكساج وهندسة الصوت عمار الزير، ومساعد المخرج عبد المعطي الطيراوي، ومن اخراج أنس الكرمي، والمنتج المنفذ شركة «إماجن» وهو من إنتاج مركز العودة الفلسطيني في لندن.
وجدان الربيعي