لم تَلْقَ السيرة الذاتية الاهتمام من قبل النقد الأدبي إلا في النصف الثاني من القرن العشرين. وكان باديا العمل التأسيسي المتواصل الذي بذله مُنظّرو نوع السيرة الذاتية، فأرسوا قواعده وحلّلوا بنياته وحقل إمكاناته الشكلية. لكن، في خضمّ هذا النقاش النظري والمعرفي، قلَّ طُرِح سؤال العلاقة بين السيرة الذاتية والشعر كتابيًّا، إلا مع شعراء وكتاب وعوا مغامرة هذه العلاقة. وفي طليعة هؤلاء يأتي ميشيل ليريس الذي صهر السيرة الذاتية والشعر بشكل مُضفَّر غير مسبوق. فمن خلال عمله السيرذاتي الذي دام نحو ما يقرب من خمسين عامًا من وجوده، وعبر رحلاته الأثنوغرافية إلى أفريقيا، وسعيه الحثيث عبر فعل الكتابة المسكون بعدم الرضا إلى الكشف عن الحقيقة المتوارية إلى حدود يصعب الإمساك بها، نواجه مشروع ميشيل ليريس السيرذاتي. وبقدر ما كان المشروع الذي انخرط فيه ليريس جديدًا بقدر ما كانت اللغة التي يكتب بها ويجترحها جديدةً تقوم على مبدأ اللعب على الكلمات، الذي يجعل من تداعيات الأفكار والكلمات مُحرِّكه الرئيس ولا يمكن أن نفصله عن تأثُّره، في شبابه، بالسريالية. ويتجلّى هذا المبدأ الذي يدعو إلى إعادة النظر في قيمة الكلمات وتأثيرها على المعنى، ابتداءً من ديوانه «الفهرس.. حيث أضع ملاحظاتي اللغوية» (1925).
هنا، يبحث فيليب لوجون هذا المشروع ويحاوره:
«بعد أن كنتُ شاعرًا (وهو يحلم بالعيش بصفته واحدًا من أبطال الأسطورة) سأصير مؤلف محاولات سيرذاتية أمينة، رُبّما مثّلت وجهًا للدفاع عن هذا الجنس الأدبي وإشاعته».
هذا الكلام هو لميشيل ليريس، كان قد كتبه في كتابه (256)، ولا أتفق معه فيه. فهو يقيم هنا، داخل تاريخ كتابته الخاصة، بين الشعر والسيرة الذاتية علاقة تتابع (الواحد تلو الآخر) وتعارض. إنما العكس، فقد صهر الشعر والسيرة الذاتية في الفعل نفسه وقادهما معًا حتى النهاية. ضربة عبقرية لا تزال إلى اليوم، وبالفعل لم تستخلص النتائج بعد. «دفاع وإشاعة»، شبيهًا بما قال دو بيللي وأصحابه عام 1549: كفى من الشعر باللاتينية، اللغة الميتة، ولنكتب الشعر باللغة التي نتكلّمها، لغتنا في جميع الأيام، فهي لغة جميلة، غنية ولذيذة ! والتخييل الذي قد يتظاهر في المكتبة بكونه اليوم لغة ميتة، هل هو النثر الحقيقي لحيواتنا الذي يمكن أن يقودنا إلى الشِّعر؟
«لا تنتج كذبة جميلة، بل حقيقة تكون جميلةً من كذبة أجمل. حاوِلْ أن تصل بواسطة الكتابة إلى شيء حقيقي يغدو مفعما باعتباره تَخْييلا مدهشا».
هذه الأسطر القليلة التي كتبها ليريس تذهب أبعد وهي ترفع الحجاب عن لعبته. كيف فعل؟ يحسن أن نماثله بروسو، الذي قال بأنّه وجب ابتكار «لغة جديدة تبعًا لمشروعها». كلُّ شيء بدأ بالألعاب الشعرية على الكلمات التي اكتشفها وهو في عامه الرابع والعشرين، عندما كان سرياليا رفقة ديسنوس وكلِّ العصابة. خُذْ كلمةً وعرّفها بطريقتك مع كلمات أخرى تعيد ترتيب الأصوات والحروف التي تتشكّل منها. تخلق الكلمة استدارة، وتسقط ثانية على قدميها، إن كانت هي نفسها أو مُتحوّلةً. «الشعر: اخترْتُه لعروسٍ، أو لتحليلٍ نفسيٍّ بالأحرى: هفوات تجمّعتْ بواسطة الأريكة – السرير».
هذا دورك، حاوِلْ. اِختَرْ كثيرًا من الكلمات التي تحبّها (أو التي تمقتها، وتنتقم منها). ستقودك إلى قلبك نفسه. «وإذ نُشرّح الكلمات التي نُحبُّها، من غير أن نعبأ بمتابعة لا الإثيمولوجيا، ولا الدلالة المُسلّم بها، سنكتشف قواها الأكثر خفاءً والتشعُّبات الغامضة التي تستشري عبر اللغة كلِّها، التي تُجمِّعها تداعيات الأصوات والأشكال والأفكار. وهكذا، تتحوّلُ اللغة إلى وسيط وحي، ويكون بحوزتنا (إذا ما اقتضى الأمر ذلك) خيْطٌ لكي يرشدنا داخل بابل روحنا».
هذا التقديم الذي كتب عام 1925 لديوانه: «الفهرس: حيث أضع ملاحظاتي اللغوية» (المجموعة التي تضمّ هذه الألعاب على الكلمات)، وهو بمثابة مفتاح لكل عمله السيرذاتي: «عصر الإنسان» (1939)، الأجزاء الأربعة من «قاعدة اللعب»، «تشطيبات» (1948)، «أمشاج» (1955)، «ألياف» (1966)، «جلبة واهية» (1976)، ثمّ يليها: «شريط في جيد أولمبيا» (1981) و «من القرن الأفريقي يصرخ» (1988).
يتمثل مبدأ هذه السيرة الذاتية الجديدة في إعادة وضع الحكي والحجاج في مرتبة ثانوية، واتخاذ تداعيات الأفكار والكلمات مُحرِّكًا رئيسيًّا. فقد جرّب ليريس تقنيات مختلفة: المونتاج (عبر تضافر بسيط إن أقل أو أكثر) في «عصر الإنسان» والأجزاء الأخيرة ابتداءً من «جلبة واهية»؛ التجديل (ربط سلسلة من «الجذاذات» بواسطة شبكات تداعيات الأفكار المسببة للدوار) في الأجزاء الثلاثة الأولى من «قاعدة اللعب»، أي أن يخلق العمل الشعري نفسه من التفكُّك- إعادة التركيب بناءً على وحدات المعنى الأكبر بكثير من الكلمات، وهو العمل الذي يسمح بالتفتح والارتياد بلا اختزال أو حدّ، وذلك ما يثبت على ميدان الحقيقة الخطير، ويقصي التخييل. ويجب أن نكفّ عن الخلط بين الفنّ والتخييل، فإنّه يوجد فنُ الحقيقة.
«نوع من الرواية البوليسية هو بمثابة خزنة للذكريات. سوف ينصبّ التركيز ليس على الذكريات نفسها، ولكن على بحثها. فالذي يجب أن نمرّ إليه في المقام الأول، ليس العاطفة القديمة التي أسعى لإعادة بنائها، ولكن العاطفة الحالية التي أشعر بها تشاركني في هذا البحث. هكذا فإن سبب هفوة كل المذكّرات يُعثر عليه مقصيًّا: ما أسعى إلى تثبيته ليس هو الواقعة مثلما حدثت، بل الواقعة مثلما تشوّهت الآن، باذلًا قصارى جهدي لقياس الهامش الذي يفصل بين الواقعة كما هي اليوم وأتخيّل بأنّها الواقعة الأصلية…» (الإنسان بلا شرف، 1937).
وضع التلفُّظ في المركز. التخلُّص من الطابع النهائي (والميّت بالتالي) للحكي أو للحجاج عبر تبنّي شكل التنويع الموسيقي على سبيل التمثيل. «بما أنّه قد يكون هناك نقصانٌ (قطْعٌ يحول دون أن تُخلق الفكرة التي يمكن أن يكون عليها المجموع)، يتمُّ الشروع بعرض الـ»ثيمة»- أي سرد الطرفة الصرف والبسيط، ثُمّ يكون في شكل تنويعات (انظر: «فنّ الهروب» لباخ، و«تمارين أسلوبية» لكينو) يتمّ إعداد متوالية من التعليقات والاستطرادات، الوثائقية أو التأملية حينًا، والغنائية حينًا آخر. ومثل هذه المتوالية التي توجد متقطّعة هنا أو هناك فليس لها إلا أهمية ثانوية، بحيث لا يوجد طريق نحو «النهاية» وإنّما انتشار بسيط» (يومية، 26 سبتمبر/أيلول 1966). بيد أنّ هذه التنظيمات يمكن أن تأخذ أشكالًا أخرى، بما في ذلك شكل الباقة اليابانية، المؤلَّفة بأناة مثل دانتيل أزهار، حيث لا يبدو الفضاء مُشْبعًا: «لكن هل يحوز عَيْنًا أبدية وهو يمزج بين الأزمنة ويُكثّر وجهات النظر ويؤلف بين النغمات ويقابل بعضها ببعض كما تأملون ذلك؟ قضية الترتيب، إذا أردنا القول، إنّما تكون، بالطريقة التي نرتّب بها في اليابان عددا صغيرا من الأزهار بأناة من غير أن نذيبها في وفرة الباقة، من أجل بهجة النظر- أو من أجل سلامه- مع بعض ما يحدث أدناه (جلبة واهية، ص399). كتابة شذرية، مونتاج، بحث عن الحقيقة التي تتفلّت من قبضة المحكيات العادية، مكانة محفوظة بسخاء لتعاون القارئ: إنّ هذا هو ما نجده كذلك عند شعراء السيرة الذاتية الآخرين من أمثال كلود مورياك في «الزمن الثابت»، بيريك، روبو… إنَّهم مُلْهِمون كما الشعراء الحقيقيّون، وعملهم هو بمثابة الورشة التي تُرغّبك في أن تكون طيَّ العمل، وأن تبتكر السبيل الخاصة بك داخل اللغة. في أحد دواوين ليريس الأخيرة يُسمّى «اللغة الهزّازة أو ما تقوله لي الكلمات» (1985)، نقرأ: فَلْندع الكلماتِ تتماوج بنا.
شاعر مغربي
عبد اللطيف الوراري