تصريحات مرعبة لمستشار الأمن القومي الأمريكي الجديد مايكل فيلين، تداولتها وسائل الإعلام خلال الأيام الماضية، تدل على أن السياسة الخارجية الأمريكية خلال السنوات القليلة المقبلة سوف تكون من أسوأ الفترات بالنسبة للعرب والمسلمين، فضلاً عن أن معلومات الرجل أيضاً تبدو منقوصة ومغلوطة ولا تمت للواقع بصلة، وهذا يعني أنه سينطلق في تعامله مع العرب والمسلمين من أساسات غير صحيحة.
يقول فيلين إن المسلمين كانوا أمة عظيمة ورائعة وممتازة قبل أن يأتي النبي محمد، وقبل أن يتنزل القرآن الكريم، والحقيقة أن المسلمين لم يكونوا موجودين أصلاً قبل النبي وقبل القرآن الكريم، بل هو – أي النبي محمد- أول المسلمين في هذا العالم. كما يُهاجم فيلين الدول العربية والاسلامية ويعتقد بأنها غارقة في التخلف، وحقيقة الأمر أن أمريكا والأنظمة الموالية لها هي سبب المشاكل التي يغرق بها العالم العربي اليوم، والعراق هو النموذج الأكثر وضوحاً على دولة تدفع منذ سنوات ثمن السياسات الفاشلة والخاطئة لليمين الأمريكي المتطرف، الذي قرر احتلالها وتدميرها انطلاقاً من خرافة أن لدى العراق أسلحة دمار شامل.
ما لا يُدركه فيلين أيضاً هو أن الأنظمة التي أنتجتها الولايات المتحدة في المنطقة العربية لا تستمد تخلفها من الدين الإسلامي ولا من نصوص القرآن الكريم، ولا تستلهم استبدادها من أي تعاليم إلهية، وإنما هي كذلك بسبب أنها تستمد شرعيتها من واشنطن ومن رضا البيت الأبيض، ولذلك فان شعوبها لا قيمة لها.
فيلين ليس سوى نموذج لشخص لا يعرف الكثير عن الاسلام والمسلمين، ولا عن المنطقة العربية، وهؤلاء كثيرون في العالم الغربي، لكنَّ المشكلة هو أن يتولى هذا الرجل منصباً حساساً في بلد مهم كالولايات المتحدة، ويصبح مستشاراً للأمن القومي، إذ على الأرجح سوف يكون متأثراً بأفكار وأساطير خاطئة عن المسلمين، وهي الأفكار ذاتها التي ساقت جورج بوش الأب الى حرب العراق عام 1991، وساقت جورج بوش الابن الى احتلال العراق وأفغانستان وتدميرهما عام 2003.
ملامح الإدارة الأمريكية الجديدة أصبحت شبه واضحة، وهذه الادارة لا تحتاج الى عرب ومسلمين يندبون حظوظهم ويشكون الظلم والقهر الأمريكي، وإنما تحتاج لمجهود عربي وإسلامي جماعي على مستوى الدول والمؤسسات والأفراد، للتأثير فيها وتغيير النظرة تجاهنا، وإقناعهم بأن المسلمين ليسوا «داعش» ولا «القاعدة» وأن العرب ليسوا إرهابيين، وأن المسلمين نهضوا بالنبي محمد لأنهم أصلاً لم يكونوا موجودين قبله.
يحتاج العرب والمسلمون الى تشكيل جماعات ضغط (لوبي) في واشنطن، من أجل التعريف بهم أولاً، ثم التأثير بالسياسات الأمريكية ثانياً، ويمكن أن يتم هذا عبر عشرات الشركات المتخصصة بالإعلام والعلاقات العامة، التي تقدم خدماتها لأصحاب المصالح، والعرب اليوم هم أصحاب مصلحة، وعليهم أن يفعلوا ذلك. وهذا هو بالضبط ما يفعله الاسرائيليون في واشنطن (من خلال إيباك وغيرها) ويجعلهم أكثر تأثيراً من غيرهم في السياسات الأمريكية.
المؤسف والمحزن أن العرب الذين يمتلكون النفط والمال والثراء وأكبر صناديق الاستثمار في العالم ليس لديهم وسيلة إعلام مؤثرة في الولايات المتحدة أو أوروبا أو روسيا، وليس لديهم مجموعات ضغط ذات اعتبار، ولا يمولون الدعايات الانتخابية لأي من المرشحين للكونغرس الأمريكي، وهو ما يعني أنهم خارج لعبة السياسة الدولية، وخارج مراكز التأثير في عواصم صنع القرار في العالم. كل هذا رغم أن مليارات العرب تتبعثر يميناً وشمالاً في كل أنحاء العالم، حيث من بين أكبر عشرة صناديق استثمار سيادية في العالم توجد أربعة صناديق عربية، وهذا ليس سوى مثال بسيط على الأموال المكدسة لدى دول العرب دون أن يتم استغلالها في السياسة.
وخلاصة القول إن على العرب جميعاً ان يتحركوا ليصبحوا مؤثرين وفاعلين في الإدارة الأمريكية الجديدة، وإلا فان علينا أن ننتظر مزيداً من المآسي التي ستحدث بسبب سياسات يتخذها أشخاص لا يعرفون عن العرب والمسلمين شيئاً.
٭ كاتب فلسطيني
محمد عايش