■ يخصص إسماعيل الأمين في كتابة «الأمة اللبنانية» الصادر عن شركة المطبوعات للنشر والتوزيع، الكثير من الأقوال المنتمية إلى الحكمة، وخلاصة القول وما إلى ذلك. إذ يختصر الأفكار ويبتعد عن الفكر الغربي، بعد إبراز ما استند إليه من خلال وضع الأمة اللبنانية بين نقطتين القوة والفعل، «على ضوء منجزات الفكر الغربي حول الأمة عامة والأمم الغربية خاصة». معتمداً على ثلاث محاضرات منها لأرنست رينان «رغم أن ألمانيا وإيطاليا سبقتا محاضرات رينان إلى الوحدة والتكوين القومي». وذلك بتذويب النقاط التي يناقشها في النتائج وتطورات التفاعل التاريخي، متنقلا بين الدول الخمس التي نشأت «والتظاهر ضد إعلان دولة لبنان الكبير» لنشعر بسخونة البحث التاريخي الذي يقدمه بسلاسة، يعيد من خلالها رسم الأحداث. وبمواصفات ترتبط بالبحث عن الأمة العربية الواحدة ذات المشاكل والعلاقات المشتركة، وحتى التاريخ القديم الذي وحدها ووضعها في دول لكل منها سياسته ونهجه وما إلى ذلك. إذ يبرز السؤال الأهم في بداية الكتاب، «هل من قضايا لبنانية بحتة وملحة لا ترتبط بالعلاقات الإقليمية والدولية، ولا بطبيعة التماس مع القضية الإقليمية الأشد سخونة، أي الاحتلال الصهيوني، ذي الغالبية اليهودية دينا والغربية الأوروبية أعراقا، لفلسطين ذات الغالبية الإسلامية دينا والعربية والفلسطينية أعراقا؟». ليبدأ القارئ بعد كل هذا التحفيز بالتوغل في الأمة العربية وتاريخها ومستقبلها، والغد الذي يصنف الأمة العربية كأمة تاريخية أصيلة لا يمكن قهرها حتى عبر التاريخ، لما تحمله من مواصفات عدّدها وفق استفزاز نقاشي مباشر مع القارئ وعبر التاريخ نفسه.
من هم مستكشفو صياغة تاريخ المنطقة؟ ومن هم الكتاب الغربيون الذين وضعوا تاريخ شعوب الشرق الأوسط لما قبل الميلاد والدعوة الإسلامية؟ وهل تنفي المحاضرات الثلاثة تاريخ الأمة العربية؟ أم انها تؤكد على أمجاد العرب قبل الإسلام؟ وأين العرق الصافي في العالم المعاصر؟ وما دور الفتوحات الإسلامية في خلق ثورات اقتصادية؟ إن التحولات الدينية في العهود الإسلامية والمد الحضاري شمل الوعي الثقافي والسياسي والاقتصادي، ومن ثم إلى اللغة التي يعتبرها «تشكلات تاريخية لا تشير إلى دماء من يتكلمونها» لتكون مؤثرات الأطر الفكرية على المستويين المحلي والأوروبي هي نقطة مهمة نغوص بعدها في الاستكشاف الذي يتخلله الكثير من وقفات نهلل لها ونستبشر بها «للوصول إلى هذا الهدف لا بد من تغيير الأجيال الجديدة عبر نظام تربوي جديد». ليكتسب الفصل الأول صفة البحث عن تاريخ الأمة العربية والأدوار المركزية لقادة ومحاربين كان لهم الدور الأكبر في تحقيق ما يسمى الأمم الحديثة في أوروبا. فهل فينيقيا تشبه حلم العودة؟ أم أن الفصل الثاني الذي بدأ بمقولة الإمام علي «دولة الفجار مذلة الأبرار» هي لتحديد سمات الأمة الإسلامية؟ أو التأكيد على الأمة الواحدة في فكر الأمة الإسلامية التي تحدد سلوكيات وسياسات ونظريات وأقوال عن «أشد عناصر تكوين الأمة الإسلامية بنظر دعاتها المعاصرين، هو وجود الأمة بمنطق أعدائها». الأمة التي ترفض إسرائيل، هي التي تشكل مطامع الأمم وربما «يغمرنا شعور بالغبن لدى مناقشة قضايا الإسلام والمسلمين، من خلال الفكر الغربي الحيادي الجاهل والمغرض والخبيث»، في حين أنه يمثل العدالة، فما هي الهزيمة الحضارية في كتاب «الأمة اللبنانية؟».
مشقة التكوين لأمة يراها إسماعيل الأمين بين الفكرين الغربي والإسلامي هي استحالة تكمن في عمق هذين الفكرين «فالأمة العربية اليوم وارثة لتراث حضاري غني وواسع يشمل شتى الحضارات التي دخلتها وتفاعلت معها، من مصرية وآشورية وبابلية وفينيقية وغير ذلك. إذن الأمة العربية في تاريخها ليست عربية صرفة». وما بين الاستثنائيات والأساسيات لا يمكن تصنيف النقاد المهمة، وفصلها عن النقاط الثانوية التي بحث فيها وقدمها للقارئ. لتكون بمثابة يقينيات يؤكد من خلالها فكرته أو النواة التي يريد زرعها من جديد لتولد الأمة العربية صحيحة معافاة من سموم تسربت إلى فينيقيا الجديدة التي تصارع الموت، كما يصورها في كتابه. وما بين الفصل الرابع والفصل الخامس يضيء زيت أفلاطون، كما تبرز مشكاة النور مع قول يسوع «لا يوقدون سراجا ويضعونه تحت المكيال، بل على المنارة فيضيء لجميع الذين في البيت» ليستنتج القارئ أن الأمه العربية المقبلة هي أمة عربية.
إقصاء الشوائب من الاستنتاجات التي توصل إليها الأمين في خضم اهتماماته بالفكر العربي والأمة التي تحتاج إلى التكاتف لكي لا يزج لبنان في أتون المخاطر التي تنطوي على عدة أسئلة أترك للقارئ استكشافها، لأنها بحق تضعنا أمام عدة مفترقات رئيسية، أو بالأحرى في متاهة تركها الأمين في مهب أفكار ووجدان كمال الصليبي وأمين معلوف، ومن ثم الانتقال إلى وضع العرقية على المستوى السياسي، ومعالجة ذلك بالتفصيل من خلال العودة إلى مفردتي العرق والشعب وفروقات ما بينهما. «إذ يرى توماس هايلاند أريكسن أن الناس يصنعون التاريخ على الرغم من أنهم لا يفعلون ذلك في ظل ظروف من خيارهم»، فانثروبولوجيا الألفية الثالثة واليسار هما في تسابق محموم قبل الخاتمة التي يؤكد فيها «الأمة تولد وتموت بشعب واحد» ولا أدري لماذا اختار الشعب وترك العرق لأعرق الأمم ونقطة على السطر.
يطرح الكتاب مجموعة تساؤلات عن قراءة انطباعية اتسمت بحلم الأمة اللبنانية، وعظمة فينيقيا ولكن الكثير من الأسئلة التي ناقشها إسماعيل الأمين بوضوح، ربما لم تتم مراعاة الخروج من فينيقيا، أو الدور الحضاري الذي لعبته دول البحر الأبيض المتوسط، وهذا يحتاج إلى مفاهيم أخرى تدعم ما جاء في هذا الكتاب. إذ لا يمكن للقارئ أن يخرج من أمة إسماعيل الأمين العربية، بدون سؤاله هل تريد للأمة العربية العودة إلى الدور الفينيقي وإلغاء الحدود وجعلها ممتدة جاهزة لتتنافس مع الأمة الغربية؟
٭ كاتبة لبنانية
ضحى عبدالرؤوف المل