في أزمة الإسلام السياسي العربي والفلسطيني

حجم الخط
0

■ بتقديري، نظلم العرب عندما نقول أن لديهم – إسلاماً سياسياً – أو حركة إسلامية سياسية، والأصل أن هناك حركات سياسية ظهرت في الوطن العربي، تبنت أفكاراً إسلامية، لكنها عجزت تماماً عن تكوين نموذج إسلامي قريب من الأذهان إلى أفكار عامة المسلمين، الذين يعني لهم الإسلام هو الفترة الراشدة، أو فترة صلاح الدين الأيوبي، أو حقبة الأندلس ومحــــمد الفــاتح، وغيرها من روائع التاريخ الإسلامي، الذي تراه الأمة من خلال الحنين إلى الماضي، بعد – العجز والسبي- الذي تعرضت له طوال مئة عام، بعد انهيار دولة الخلافة، التي تعني للمسلمين غروب أخر شمس كانت جامعة لهم.
فالحركات والأحزاب الإسلامية العربية ما بعد الحرب العالمية الثانية، والتي تبنت أفكار مصلحين أو مفكرين إسلاميين، أو حتى تلك التي أنشأها مفكرون إسلاميون، هي في نهاية المطاف، انتهت كحركات سياسية ترتدي الجُبّة الإسلامية فقط، دون أن تشكل من نفسها نموذجاً إسلامياً مميزاً، فانتهت في حراكها الداخلي والخارجي، إلى ما يشبه حراك الدولة ونموذجها السياسي، الذي يقوم على قواعد معروفة، هي قاعدة الولاء المطلق للحاكم، وانتهت إلى إعادة تكوين نموذج الدولة في داخلها، أي انها أنتجت ذات الحراك الموجود في ميدان الدولة الحاكمة، حيث أصبح فيها أمراء ومفكرون ولها أدواتها الخاصة. فعندما تنظر للحركة الإسلامية من داخلها، لا تراها تختلف عن مكونات الدولة، ومثلما حاولت الدولة العربية الحفاظ على نفسها ووقفت ضد فكرة الوحدة العربية، تماماً عاشت الحركة الإسلامية العربية ذات العقدة، وذات المرض، فأصبحت في كل ميدان تتواجد فيه يهمها فقط «اختراع « حالة من التمايز، وإيهام نفسها فيه، وهو عملياً تمايز شكلي، يأخذ لاحقاً جانبه النظري فقط، دون أن يدرك مفكرو هذه الحركات الإسلامية أن كل ما هو موجود لا يخرج عن قاعدة العرض النظري، تماماً كما كان يتخيل الماركسيون أن الشعوب العربية بعد عقد من الزمن، سوف ترتدي اللون الأحمر، مستندين على فرضيات انطلقت من رؤية خيالية.
بهذا القالب الجاهز للأحزاب الإسلامية يمكنك أن تتخيل شكل الحركة الإسلامية، بأنها مجرد دولة مصغرة، جاهزة للعمل في أي وقت، ولها كامل أدواتها وأفرادها، لكنها في نهاية المطاف كانت دولة الحزب، على غرار الدولة الحاكمة، التي هي دولة العسكر، وبهذا يمكن رؤية الأحزاب الإسلامية أنها جاءت تحمل عالمها الحزبي الذي هو بمثابة كتلة نظرية، سياسية فقط، لها شكلها الإسلامي فقط، لكن ليس هذا هو النموذج الإسلامي الذي تخيلته الناس أو أرادته أن يكون.
فعموم الأحزاب الإسلامية اختارت نموذجاً انتقائياً في كامل مؤسساتها، وهي هنا كانت أسوأ من نموذج الدولة، لذلك فالنموذج الانتقائي أنتج عملياً الرؤية العنصرية داخل الحزب السياسي، فانتهت الحركات الإسلامية إلى تقديم نفسها، من حركة تريد نهضة شاملة، إلى حركة إسلامية تمارس التمايز على غيرها، وتحاول إقناع نفسها بهذا التمايز، حتى وصل الأمر أن الحركة الإسلامية ليست معنية سوى بشؤون ابنائها وأعضاء الحزب الواحد، وهذه بالضبط، هي سمة مختلف الأحزاب السياسية الإسلامية، فهي بدأت تحمل راية الأمة، وانتهت تحمل راية الفصيل أو الحزب، وفي داخل الحزب نفسه، انتهت تحمل نموذج الأمراء والسلاطين، والمفكرين الخاصين بها أيضاً، الذين أصبح الإسلام بالنسبة لهم، هو الحزب الذي ينتمون إليه، وهم لا يخجلون من عرض هذه الرؤية.
السؤال الذي يبقى، هل هذا هو النموذج الإسلامي الذي أراده جيل المؤسسين الأوائل للحركة الإسلامية؟ أشك في ذلك، ولكن من الواضح أن العقل العربي لم يتمكن من استيعاب الإسلام المعاصر، فقام بإنتاج نماذج إسلامية، كانت في تكوينها الداخلي أقرب إلى فكرة الدولة، ولكنها مع الأسف انتهت اليوم إلى صورة مقيتة، مؤلمة. فغالبية الأحزاب السياسية العربية، تتحرك بداخلها ما يشبه حراك الطائفة، التي تخشى على نفسها من الاندثار، لذلك تخاف على نفسها من التواصل والانفتاح على الخارج.
الإسلاميون اليوم، لهم صحفهم وكتبهم، ومفكروهم، وطبالوهم، وفقراؤهم، لأنه وفق العقلية الضيقة الموجودة، لا يجوز أن يتم انفاق أموال الحزب إلا على أفراده، وأما عامة المسلمين، فهم من قبيلة مختلفة، وهنا يمكننا أن نبحث عن النموذج الإسلامي أين هو.
ربما كان يفترض أن تكون صورة الإسلام في المشهد الفلسطيني مختلفة، خصوصاً أن هناك مواجهة يومية لها مبرراتها ودوافعها الإسلامية، كان يجب أن تدفع في اتجاه تشكيل النموذج للأمة، وهو عملياً مفتاح تعاطف الأمة مع هذا النموذج، ولكن مع الأسف، ظل المشهد الإسلامي الفلسطيني حتى اللحظة، يعيش عدوى التمايز، الذي يعني في نهاية المطاف، أن حلم الأمة يتدنى، ودون أن يلحظ حركة الشارع العربي التي كانت قبل سنوات قلائل تتفاعل بشكل كبير مع فلسطين، لكنها الآن تتراجع، وإذا كنا نريد أن نفسر ذلك بصورة الواقع العربي المأساوي، فإن الصحيح الذي يجب أن نراه، أن الجماهير العربية رأت في الحركة الإسلامية الفلسطينية ذات يوم البوصلة. بينما ترى فيها اليوم مجرد صورة لامتداد البؤس.

٭ كاتب فلسطيني

أيمن خالد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية