في أزمة النفط… هل تخسر السعودية أم إيران؟

حجم الخط
4

يشهد العالمُ اليوم أسوأ أزمة في أسواق النفط منذ أكثر من 20 عاماً، فحتى خلال فترة الأزمة المالية العالمية التي بدأت أواخر 2008 التي أدت إلى تباطؤ الاقتصادات الكبرى، لم تكن أسعار النفط قد منيت بهذا الحجم من الخسائر، فقد كانت قبل الأزمة قد لامست الـ140 دولاراً للبرميل، لكنها بصعوبة هبطت لاحقاً إلى ما دون المئة دولار.
وكلما مني النفط بخسائر أو تراجعات أو انهيار في الأسواق، تعود الأسئلة مجدداً عن تأثير ذلك على الدول النفطية، خاصة الدول الأكثر اعتماداً على هذه الثروة، مثل السعودية، التي تعتبر المنتج الأكبر للبترول في العالم، والآمر الناهي في منظمة «أوبك». أما اليوم فإن السؤال يطال إيران أيضاً التي تعود إلى أسواق النفط أخيراً بعد غياب دام ثماني سنوات، إضافة إلى أنها -أي إيران- تناطح السعودية سياسياً وعسكرياً في هذه المنطقة، ليظل السؤال عما إذا كان اقتصادها قادرا على المضي في هذه «المناطحة» أم لا؟
بالنسبة لاقتصاد السعودية فلا مخاوف كبيرة تواجهه، على الرغم من أنه لا زال اقتصاداً نفطياً، وعلى الرغم من أن النفط يمثل ما بين 75٪ إلى 80٪ من الناتج المحلي للمملكة، لعدة أسباب أهمها، أن الرياض تمكنت من تكديس احتياطيات نقدية كبيرة خلال سنوات الطفرة النفطية، وهي احتياطات وصلت ذروتها عام 2014، عندما بلغت ما نسبته 100٪ من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، فضلاً عن أن احتياطيات المملكة النقدية (وهي الأكبر في العالم) تستطيع أن تغطي العجز في موازنة السعودية لمدة تتراوح بين سبع إلى عشر سنوات. إضافة إلى الاحتياطيات النقدية الكبيرة التي تنام عليها السعودية، فإن مديونية المملكة كانت خلال عقد التسعينيات (بعد حرب الخليج) قد وصلت الى مستوى قياسي، حيث وصلت الى ما نسبته 119٪ من الناتج المحلي الإجمالي للسعودية عام 1997 وعام 1998، لتنخفض هذه النسبة حالياً الى أقل من 2٪ فقط، أي أن السعودية من بين الأفضل في العالم بأكمله من حيث المديونية العامة، وتتفوق في ذلك على الدول العربية كافة، وعلى العديد من الاقتصادات الكبرى، بما فيها بطبيعة الحال الولايات المتحدة وكافة دول أوروبا. وبهذه المديونية المتدنية يمكن أن تلجأ الرياض لطرح سندات وصكوك لسد العجز في الموازنة، بدلاً من اللجوء لاحتياطياتها النقدية وبتكلفة متدنية بسبب الوضع الائتماني القوي الذي تتمتع به. أضف إلى ذلك أن العجز في موازنة السعودية كانت نسبته 77٪ في عام 1991 (عام حرب الخليج) بينما هو اليوم، على الرغم من انهيار أسواق النفط، وعلى الرغم من حرب اليمن وحرب سوريا، والتوترات الأمنية في البحرين والمنطقة الشرقية، فيكاد لا يتجاوز 20٪.
تستطيع السعودية أن تتحمل هبوطاً حاداً في أسعار النفط يستمر لسنوات، حيث أن الفوائض التي كانت تجمعها من بيع البرميل بمئة دولار، خلال الفترة الماضية، يمكن أن تغطي العجز الذي يسببه بيع البرميل بثلاثين دولاراً فقط خلال الفترة المقبلة.
يظل السؤال الآخر عن تأثير هبوط النفط على إيران التي تعود إلى أسواق النفط أخيراً بعد رفع العقوبات الدولية عنها، حيث أن البيانات الاقتصادية الواردة من إيران تشير إلى أوضاع صعبة وليست مريحة، فالإيرانيون كانوا يعولون على إيرادات النفط، لكن الواضح أن لسان حالهم يقول «لما انتهيت من صنع السفينة جف البحر»!
خلال الفترة منذ عام 2007 حتى نهاية 2015 كانت إيران تنتج كميات محدودة من النفط وتبيعها في السوق السوداء كنفط مهرب، هذه المعلومات ليست مؤكدة ولا رسمية، لكنها متواترة عبر العديد من المصادر الغربية، وهذا يعني أنها كانت طوال السنوات الثماني الماضية تبييع الخام بأسعار زهيدة أقل من السوق بكثير، وتتراوح بين 40 و60 دولاراً للبرميل في أفضل الأحوال.
تعود إيران إلى سوق النفط العالمي اليوم والبرميل في البورصة، أي في السوق الرسمي، يترنح حول الثلاثين دولاراً، وهو ما يعني أنه أقل بكثير من السعر الذي كانت تبيعه في السوق السوداء، خلال السنوات الماضية، فيما تقول إيران إنها ستبدأ ضخ 400 ألف برميل يومياً في السوق، اعتباراً من منتصف فبراير، على أن ترفع إنتاجها إلى مليون برميل يومياً خلال ثلاثة شهور، ما يدفع إلى الاعتقاد بأن إيرادات مليون برميل ربما تكون أقل بكثير من إيرادات النفط المهرب الذي كانت تبيعه طهران للتغلب على العقوبات، أي أن الإيرادات النفطية لايران في ظل العقوبات أفضل منها بعد رفع العقوبات.
بطبيعة الحال فإن إيران تعول على العديد من الملفات المرتبطة برفع العقوبات عنها، أهمها استعادة الأموال المجمدة في الولايات المتحدة، التي يقول البنك المركزي الإيراني إنها 32 مليار دولار، بينما تتحدث بعض التقارير عما هو أكبر من ذلك، إضافة إلى تدفق الاستثمارات الأجنبية التي تقدر طهران بأنها ستتراوح بين 50 و70 مليار دولار في العام الأول من رفع العقوبات.
خلاصة القول إن اقتصاد السعودية يستطيع تحمل انهيار في أسعار النفط وعجز في الموازنة لأكثر من عشر سنوات مقبلة، كما أن اقتصاد السعودية اليوم في ظل أسعار النفط المنهارة أفضل منه بكثير في عقد التسعينيات من القرن الماضي، أمــــا إيران فإن انهيار أسعار النفط أفسد عليها ميزة رفع العقوبات، وجعلها أقل قدرة على الصمود في حربي استنزاف، واحدة في سوريا والأخرى في اليمن.

٭ كاتب فلسطيني

محمد عايش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية