ليس من شك إن قلنا إن الأدب، وعلى امتداد سنوات القرن العشرين، ظل خاضعا (إبداعا ونقدا ونظرا) إلى مجموع الصراعات والتقلبات الأيديولوجية التي عاشتها البشرية جمعاء آنئذ. وإن أحقية أو جدارة بعض المناهج النقدية خلال هذه الحقبة، قد استقوت بهذا التدافع الفكري والأيديولوجي بإخلاص ووفاء تارة، وبتلفيق تارة ثانية.
وحري بالذكر، إننا في الآونة الأخيرة، بدأنا نلحظ حجم الخفوت والضمور الحاصل في تضاعيف هذا الحراك، على الأقل من حيث تدافعه الأيديولوجي، ما أثر على الحقل الأدبي، إبداعا ونقدا، وجعله يبدو من حيث مضمراتُه ومظهراتُه مفككا ومشتتا. وهذا مبرر كاف لكي نتساءل منذ البداية: أليست التمزقات الحاصلة في دواليب الحياة الراهنة، تشكل حدثا طارئا ومتسارعا، فوّت علينا فرصة استيعابه، في الوقت المناسب، وأصبحت من ثم، مسألة إعادة النظر في منطلقاتنا وحساباتنا مسألة ضرورية وحاسمة، بما من شأنه أن يغير مجرى النهر الأدبي، إبداعا ونقدا، وأن يُحدث انحرافات قوية في أراضي تفكيرنا نحن البشر كأنوات وأغيار؟
أليس العطب يوجد فينا، تواصلا وتفاصلا، وأن الذي يعيش أزمة، نحن وليس النقد الأدبي، كما اشار إلى ذلك سعيد يقطين في مقال له بعنوان «جيل بلا بوصلة» في صحيفة «القدس العربي» (7 مارس/آذار2018)؟ وهل هناك فعلا أزمة يتخبط فيها النقد الأدبي، كما يزعم البعض، على الأقل من جهة قصوره المنهاجي، من ناحية، ومن ناحية أخرى من جانب تبعثر ملامحه وفقدانه لأصالته؟
نتصور أن مسألة القصور المنهاجي، المشار إليها أعلاه، راجعة بالأساس إلى أحادية النظر التي استحكمت في معالجة الظاهرة الأدبية بصرامة مبالغ فيها أحيانا، ربما اقتضتها ظروف المرحلة، علما أن الظاهرة الأدبية هي ظاهرة معقدة ومتشابكة، إذ ينبغي عدم النظر إليها في بعدها التجزيئي، الذي من شأنه أن يؤدي إلى قراءة نقدية ناقصة. ولما كان النص الأدبي يتشكل من ضلعين/نسقين كبيرين وأساسيين؛ نسق نصي ـ جمالي (الخبرة الجمالية للنص بوصفها تغييرا للعالم، لا تفسيرا له)، يعكس اختيارات صاحبه الجمالية والفنية، بما يحدد لنا وعيه (الكاتب) الإستتيقي، وموقفه من فعل الكتابة بوصفها كينونة ثانية له، ونسق ثان مضمر (الخبرة الأولية بتعبير هايدغر) تتآلف فيه مجموعة من الأنساق الثقافية وجواراتها التي تحدد موقف الكاتب من العالم والأشياء، بوعي أنطولوجي مكين، فإن النظر السليم إليه ـ النص ـ لا تستقيم إلا باستحضار هذين النسقين.
إن النص الأدبي، انطلاقا من هذا المنظور، وجهان لعملة واحدة، لا يمكن البتة الفصل بينهما. وإن البحث في مدونة النقد الأدبي، يثبت أنه كانت هناك بعض المناهج التي حاولت النظر إلى النص الأدبي في ازدواجيته (تشعبه) هذه. نذكر على سبيل التمثيل، «البنيوية التكوينية» مع لوسيان غولدمان التي ظلت تنظر، للأسف، إلى النص الأدبي، باعتباره بنيتين منفصلتين. والحال أنهما متوالجتان مثلما يلج الليل في النهار، والنهار في الليل.
وعموما يمكن القول إن جل المناهج النقدية التي أبانت عن جدارتها في مرحلة من المراحل، كالنقد التاريخي والنفسي والاجتماعي والبنيوي… التي انتهت إلى الباب المسدود، كما يرى البعض، قد وجدت نفسها سجينة القراءة التجزيئية/الأحادية للنص الأدبي، التي كانت سببا في علتها هاته. لعل آخرها صيحة «النقد الثقافي» الذي تنكر، بنية مبيتة، للخبرة الجمالية للنص، مجهزا بذلك، على أدبية الأدب، ومن خلاله على النقد الأدبي ككل، لفائدة النقد الثقافي.
لأجل ذلك فإننا نرى في التأويلية، كفلسفة أبانت عن قدرة كبيرة في مجال اشتغالها وانشغالها، حلا ممكنا، وأرضية مناسبة لتواشج كل هذه الكفايات المنهاجية، بسلاسة بليغة، في أفق مساءلة النص بوصفه كينونة أنطولوجية. لقد آن الأوان لكي ننظر إلى النص الأدبي كسؤال فلسفي هو في حاجة ماسة إلى تأويل، وذلك بالتركيز أساسا على هذه الزاوية؛ أقصد التركيبات المعرفية، والمسلكيات الجمالية، والعلائق البنيوية والقيم والصراعات والتفاهمات الممكنة والثاوية في مطويات النص. إن المنهج النقدي، مهما ادعى من صرامة وانضباط تكتيكي، وعلموية مزعومة، يظل قاصرا وغير قادر على خوض النص، ما لم يباشره في كليانيته وماهيته، أي بما هو ـ النص ـ حالة ثقافية أو سؤال أنطولوجي يتواشج فيه ما هو جمالي مع ما هو ثيماتي ونفسي وأسطوري.
ونتصور مرة أخرى، أن الحل الممكن، في نظرنا، يكمن في ضرورة انفتاح كل هذه المناهج على بعضها، وعلى مجمل المعارف، بنوع من التكامل، قصد الإفادة منها، وذلك لخصوصية النص الأدبي المعقدة والمتشابكة، حيث إنه يتشكل مما هو مرجعي، واجتماعي، ونفسي، وذوقي، وأسطوري، وديني…
ولعل هذا البراديغم المقترح (وقد تنبه إليه بعض النقاد قبل سنوات قليـــــلة) وهو يتقاطع بشكل كبير مع بعض المقترحات التي تصب جميعهــــا في إطار ما نُعت بـ«تحليل الخطاب»، لمحاولة نقدية جادة، لوضع عُدتها وعتادها رهن إشارة الأثر الأدبي، ذي الخصوصية المتشابكة. ولقد أثبتت نجاعتها، عند بعض النقاد والدارسين، مثلما توصلنا إليه، ونحن نطبق، آليات هذا البراديغم على بعض المتن الشعرية، المغربية (فصيحا وزجلا) والعربية.
٭ شاعر وكاتب مغربي
محمد الديهاجي