هل أزماتنا القطرية متولدة عن عجز في التمثل النموذج القطري بوصفه صيغة حداثية للدولة والمجتمع، أم أن الوعي التقليدي للجماعة وإشكالية تفكيك أنظومته وتجاوز عقابيل التحول من مشداته هي التي عسرت من إمكانية المرور من مرحلة تاريخية، ذات خصائص في معنى الوجود إلى مرحلة أخرى تجعل من المرتكز الرمزي لهذا الوجود في هامش بقية عناصر الاستمرار الوحدوي في التاريخ والجغرافيا؟
هي بعض من أسئلة الحيرة التي تطبع حالة الانحباس المفاهيمي المتسم بها حضور الإنسان العربي والمسلم داخل الثالوث الاشتقاقي (الوطن، المواطن والمواطنة) التي تعوق الوطنية العربية عن التطور والخروج من جدالات البداية التي ثقلت موازينها في كل محافل النقاش المتداخل سياسيا وثقافيا ودينيا، وهذا مذ ألبسنا تاريخا وجغرافية لبوس الحداثة عبر موجات الصدم الحداثي بانهيال الاستعمار على حقولنا وعقولنا.
عكس الحالة الحضارية الكبرى التي تشكلت بظهور الإسلام بداية من القرن السادس الميلادي، التي اكتسحت كل جوانب المعرفة الوجودية وطالت العقل والغيب، الروح والمادة، فقد امتد التأثير المعرفي الغربي إلى أهم مواطن صناعة وصياغة التاريخ وهي السياسة، تفكيكا وتحويلا في التطبيقات الميدانية عبر كل المستويات، الحراك الشعبي الأجهزة السلطة، نجم عن ذلك ثورات هدت وهدمت أنساقا عدة كانت تمسك بأنظومات التعايش وتحول دون تطور تلكم الشعوب.
لقد سقط الدور العقلاني والمعرفي للعقل الإسلامي في وحل القبضة السياسية الحادة للمتغلب القبلي في معركة الخلافة، وعُد كل اشتغال على مجال الفكر السياسي خارج سياقات الواقع المختومة بشرطيات التسليم بمنطق المتغلب، مسعى لإيقاظ الفتنة والمس بوحدة المسلمين واستحق بذلك لعنة السماء والأرض معا، هو ذا بالذات ما يبرر ضعف وهزالة المنتج المعرفي في بحر علوم السياسة في التجربة الريادية الحضارية للإسلام.
من هنا يتضح أن الكبوة في مجال دراسة وفهم كونية السياسة وكنهها، كان ذلك العزل القاتل للعقل عن ملامسة هذا الحقل الذي كان تاريخيا مثابة فتيل القلق الدائم الذي يشتعل في اجتماع الإنسان منذ سحيق الآماد، لكن النكبة ستتفاقم بكل أسف مع بداية الانحدار والانطواء الثقافي الإسلامي وانحسر الجهد العقلاني في هوامش التاريخ، لتحدث القطيعة الكبرى مع المعرفة، ويدخل العقل الإسلامي في مرحلة السبات الطويل تاركا المبادرة للأنماط التقليدية للمعرفة، تولت مهمتها مؤسسات موازية للعمل المعرفي العقلاني الذي كان قد شرع يكتسح كل مساحات التاريخ، ونعني بها دور الزوايا والمؤسسات الدينية ذات القواعد السطحية البدائية في تلقين معنى الوجود بكل أبعاده، وطبعا كانت أعجز من أن تصمد أمام التمدد العقلاني الرهيب للفكر الغربي الثائر على التاريخ ومحول لمعانيه في الزمان والمكان، بعد أن صحح مسارات العلائق الاجتماعية وفكك بناها نظريا وتطبيقيا بثورتي العقل والحقل أي المعرفة والواقع، مفجرا عصر إنسانيا جديدا في التعايش وفق حق وواجب سياسيين للحاكم والمحكوم معا، راسما في ذلك أطرا مفهومة ومنظمة ثانيا لأبجديات ذلك التعايش من أبسط الرمزيات الجامعة أو ما يشار إليها بأسس الهوية، إلى أعلى موضوعاته.
ولعل أبرز ما اتفق على أنه العنصر المحول بشكل جذري لمعنى الوجود التاريخي الحديث هو ظهور القطرية الغربية بوصفها رسما جديدا للأنا الجمعية في الزمان والمكان، أعطى قوة دفع جديدة لنهضة القوميات بكامل مخزونها التراثي الثقافي والتاريخي ومقدراتها الطبيعة، وفق مساءلة مستديمة للوعي الوجودي ما سمح لمفهوم القطرية بالتطور الدائم والإفلات من صدأ التاريخ إطالة الهيمنة على المزن الحضاري المعاش.
فالفكر الغربي الذي قام واستقام على مبدأ التفسير العقلاني للتاريخ، اشتغل في دائرة التأسيس القطري على كامل معطيات الإنتاج لنسقه المعرفي، تطور بتطور ذلك الإنتاج الذي كان يُفعل في مخابر العقل ويُفعّل في نطاقات الحقل، كما أسلفنا عبر الحراك الميداني المتعب لكل الثغرات المجتمعية والاجتماعية، فحتى التجربة الاستعمارية التي خاضها في أقاليمنا جعل منها مرجعا تصحيحيا في مساقاته التطورية التاريخية.
كل ذلك الاندفاع المتواصل وبأسرع إيقاعات البطش العقلاني الغربي نحو تطوير آليات التعايش الجمعي التي كانت محصلة التجربة الإنسانية في هذا الشأن بكل تراجيدياتها ومسلاتها، قابله عجز فاضح من العقل العربي والإسلامي على التأسي من أجل تأسيس وعي خاص بهذه المسألة، فظل وعي حركات النهضة ومن بعدها الصحوة مبني على الاسترابة الدائمة من المنجز الحضاري الغربي، ومرتكس كلية إلى مساحات ضيقة من معاني التشكل الوحدوي في التاريخ والجغرافيا حفل بها الماضي بشكل قلق فكيف به مع الحاضر ! ولم يتوقف حال الهزيمة في معركة إنتاج المعنى داخل النسق القطري الذي وجدت فيه مجتمعاتنا بفضل (أو بسبب ليس يهم( حركة الاستعمار الغربي التي أعطتها قوتها في التاريخ حق إعادة تشكيل وتفصيل جغرافية وتاريخ المستعمرات والعالم ككل، بل طال مجال الجدل المستديم حول معاني الهوية، فتم مثلا الخلط بين لغة الدين ودين اللغة لا سيما لدى الجماعات التي لم يكن لها حضور كبير في حوزة الانتاج الحضاري والثقافي العلمي في العصور القديمة، مثل البربر والاكراد، بقصد الرد على مطالب حركات الانبعاث الثقافي التي نشأت في الفضاء العربي الإسلامي مع تفتق الوعي على منتج الثقافة والمعرفة الغربية في مجال التاريخ والانثروبولوجيا والتي وسعتها كياناتها القطرية بيد أن قطريتنا المصطنعة المفروضة كانت أعجز من أن تسعها.
من هنا وعوض أن تبحث نخبنا بشتى الوسائل سبل تصحيح هذا الانوجاد القطري الطارئ على وعينا، صارت تتخاصم وتتصادم بأشياء المعرفة سواء القديمة التي تشهرها نخب الأصالة أو الحديثة التي تقتفيها نخب المعاصرة، في إقصاء وتخوين خطابي متبادل، والتاريخ لم يزله ينصرم من أمام الأمة.
الحاصل في الأمر إذا، هو أن أزمتنا القطرية هي ليست كما يسوق لها بعض حملة التاريخ بارتجاعاته الجوفاء، من أنها غريبة على وعينا لكوننا أمة متصلة بالزمان والمكان عبر التاريخ ولا وسيلة للعيش بفصلهما عنا ماضيهما، ولا هي متصلة كلية بعدم قدرتنا على تمثل التجربة القطرية الغربية التي نشأت في سياق ظرفي خاص كان وليد تراكم وتحالف منتج المعرفة بالنضال التغييري السياسي والديني الذي عاشه الغرب، ففي الحالة الأولى يستلزم التأكيد على أن بضاعة الماضي وأوراقه النقدية لم تعد صالحة للارتجاع خلفا، لخلوها وغربتها عن الحاضر بل وعجزها عن الاسهام التنظيمي لسياق يفوقها قدرة وغنا (غنى) في المادة المتصلة بأدوات الوجود التاريخي والجغرافي لذلك لأنه وإذا كانت الجغرافية ثابتة في المكان بحكم طبيعة الشيء فيها، فهي متغيرة في التاريخ طالما أنها خاضعة للارتقاء والتحول في الوعي الانساني لمن يشغل المكان، بالامس كانت يوغسلافيا القطر الواحد في عقل الجماعة الفدرالية واليوم صارت الجغرافيا اليوغسلافية من بضاعة الأرشيف التاريخي.
لكن في الوجه المقابل سعي حركات التحديث القطري، من خلال نفي كلي لعلاقة الهوية ومركبها الرمزي والبياني بالحيز المكاني والزماني في انقطاع شبه كلي عن مسارات تشكل الذات يعد ارتماء في وهدة المجهول واستحالة الرسو على معنى للهوية التي لا مفر منها لضمان حالة تعايش دائم يتفاعل فيها الماضي والحاضر معا وليس تقاتل، كل هذا يجعلنا نقف عند حالة عجز للعقل الوطني في استيعاب التاريخ براهنه الجغرافي وخاصيته الزمنية لإنتاج أنموذج يؤسس لقطرية نابعة ومن وعي التجربة الخاصة لا تعدم الاتصال بتجارب الآخر أو الاستناد على معطيات آليات المعرفة الكبرى التي صنعت المسيطر على الراهن الحضاري الحالي.
٭ كاتب صحافي جزائري
بشير عمري