■ نتيجة لعوامل عدة، يبدو أن ما خفي منها أكثر مما ظهر، يكاد يتفق جل الملاحظين والمتتبعين للشأن الثقافي في بلادنا، على أن أداء اتحاد كتاب المغرب في انحدار مستمر، خاصة خلال الولاية الحالية التي يقودها عبد الرحيم العلام، ومن تبقى من أعضاء المكتب التنفيذي، هذا الأخير الذي أبان عن ضعف غير مسبوق، ولعل ذلك ما أثر بشكل كبير على إشعاع الاتحاد وصورته داخل المغرب وخارجه.
ومن البديهي أن لذلك أسبابا وعوامل متداخلة ومعقدة، مرتبطة أساسا بالتحولات السياسية والاجتماعية التي عاشها ويعيشها المغرب في المدة الأخيرة، وكان من نتائجها خفوت صوت المثقف، الذي كان يتحصن في الهيئات اليسارية، تلك التي ما إن التحقت بركب السلطة حتى فقدت كثيرا من بريقها ومصداقيتها، بعد أن فرطت في كثير من مبادئها، فأصاب ذلك كثيرا من المثقفين بصدمة جعلتهم ينكفئون على ذواتهم، تاركين المجال مفتوحا للوصوليين، الذين استغلوا الفراغ من أجل التموقع الجيد دفاعا عن مصالحهم الضيقة، كما أن التدبير المباشر لمنظمة اتحاد المغرب له مسؤولية كبيرة في هذا الوضع الكارثي، الذي يعيشه الاتحاد، حتى أنه أصبح اسما يكاد يكون فارغا من المحتوى، يبعث أحيانا على السخرية، لأنه أضحى هيكلا فارغا، وهو ما فتئ يفقد تدريجيا قيمته الرمزية، التي اشتغلت الأجيال السابقة من أجل خلقها وترسيخها بكثير من العنفوان.
ومن خلال تجربتي المتواضعة في المكتب التنفيذي الحالي، التي أنهيتها باستقالة من هذا المكتب يمكن أن أقول بكثير من الاطمئنان، وبعد خبرة مباشرة، إن أوضاع الاتحاد الداخلية قد ساهمت بشكل كبير في تدهور الاتحاد، فغياب التسيير الديمقراطي، وشخصنة الاتحاد واختزاله في شخص رئيسه، وعدم الشفافية في التدبير المالي، وغياب الاستقلالية في اتخاذ القرارات، وعدم التوفر على رؤية عميقة وفعالة للعمل الثقافي، وطغيان البيروقراطية والشكليات، واتخاذ الاتحاد حصان طروادة لتحقيق مكاسب شخصية.. كل ذلك أصاب الاتحاد في مقتل، ما دفع الكثير من المثقفين إلى طرح سؤال منطقي حول الجدوى من وجود هذا الاتحاد في وقتنا الحال، ما دام لا يخلق المعنى، ولا يساهم في إثارة إشكال الثقافة العميق في وطننا، وما دام غائبا ومغيبا عن المحطات الثقافية المصيرية للبلد، ولا يلتحم مع الهموم الثقافية لهذا الشعب، إذ أن بصمته غائبة عن كل النقاشات المهمة والمصيرية للوطن بسبب الوضع الذيلي الذي اختاره لنفسه طواعية.
وفي ظل هذه الظروف تبقى الأسئلة المطروحة على المؤتمرين كثيرة وملحة، يمسك بعضها برقاب بعض، تحتاج إلى كثير من التأمل، فوضع الاتحاد المربك والمرتبك يطرح على الجميع قضايا ملحة، أتمنى أن يلامسها الكتاب بعمق ومسؤولية خلال مؤتمرهم المقبل المهرب قسرا نحو مدينة طنجة، وأظن أن أهمها ما موقع المثقف واتحاد كتاب المغرب من التحولات العميقة التي يعرفها الوطن ومحيطه العربي والإفريقي والدولي، من قبيل الهوية الثقافية، والمسألة الديمقراطية، ومعضلة التطرف التي يعاني منها شبابنا، والتي من المفروض أن تزرع في قلوبنا وعقولنا كثيرا من القلق، ثم مسألة التدبير الديمقراطي للاتحاد، فالمكتب السابق مثلا قد استقال منه اثنان، وخرجت ثالثة برسالة تاريخية نشرت من خلالها غسيل الاتحاد على الملأ، وكان هؤلاء الثلاثة – كما يعرف المؤتمرون خلال المؤتمر السابق- أكثر حماسا للتغيير داخل الاتحاد، فمن اللازم أن يفهم الكتاب ماذا حدث، وأن يطرح السؤال بشجاعة وحياد ومسؤولية عن أسباب هاتين الاستقالتين، وهي أسباب أعلنها المستقيلان في بيانيهما، وأظن أن مناقشة تلك الأسباب قد تمكن الاتحاد من تجاوز وضعه الحالي المخيب للآمال، بدون إغفال ما جاء في الرسالة الشهيرة، خاصة ما يتعلق بسوء التسيير واتهامات باختلالات في التدبير المالي وما إليهما، والتي ستواجه بسببها محاكمة استثنائية في تاريخ الاتحاد، وبالتأكيد ستكون قاصمة لظهر هذه الهيئة التي قاومت كثيرا من أجل الاستمرار.
لكل ذلك ولغيره أظن أن الاتحاد كهيئة ثقافية، يمكن أن يطلع بأدوار مهمة وحيوية، إذا ما عاد له ألقه واستطاع أن يعود إلى الكتاب والمثقفين، الذين يحملون رؤية واضحة، وغيرة حقيقية عن الثقافة والمثقفين، فبإمكانه أن يكون قوة اقتراحية، من خلال الانخراط الفعال في فتح ملفات جميع القضايا التي تهم الوطن، كما يمكنه أن يعطي تصورا حول إصلاح التعليم، ويمكنه كذلك مواجهة الفكر المتطرف ببرمجة طويلة الأمد لنقاش مفتوح مع الطلبة داخل الجامعات والثانويات والمدارس، نقاش يلامس مفهوم الهوية ويحلل ظاهرة التدين، ويعمق السؤال الفلسفي في أذهانهم، كما يمكن للاتحاد أن يرفع تحدي خلق مجتمع قارئ عبر مبادرات قوية وفعالة، تقطع مع الاتكالية والانتظار اللذين يميزان سلوكه الآن. يمكن للاتحاد كذلك أن يربط الجسور مع محيطه، خاصة في ما يتعلق بالبعد الثقافي، ولا يخضع – في هذا التوجه – لإكراهات السياسيين، هناك المغرب العربي الذي يمكن أن يكون مجالا خصبا ومثمرا لعلاقتنا الثقافية، كما أن هناك إفريقيا التي يمكن أن تعمق وعينا الثقافي «الهوياتي» بانتمائنا الإفريقي الأصيل، بالإضافة إلى البعد المتوسطي، الذي يمكن أن يساهم في تلقيح ثقافتنا بالجديد المفيد، من خلال الترجمة من وإلى اللغات المتوسطية، خاصة الفرنسية والإسبانية والإيطالية، وغيرها، إنه بصراحة ورش مغيبة، فنلاحظ أننا نحيا وكأننا نعيش في جزيرة معزولة عن محيطها، طبعا كل ذلك مع تقوية الروابط مع المحيط العربي الذي يبقى حيويا ومهما خاصة إن أحسنا استثماره، بما يضمن علاقات ثقافية متكافئة.
٭ كاتب مغربي
مصطفى لغتيري