القاهرة ـ «القدس العربي»: في مدينة الإسكندرية العاصمة الثانية لمصر، وبالتحديد داخل قصر ثقافة الشطبي، عرض فيلم «أيام السادات» للمخرج محمد خان في إطار الاحتفال المقرر من الإدارة العامة للسينما التابعة لوزارة الثقافة، بعيد تحرير سيناء ولم يكن معهودا أن تتحول المناسبة إلى احتفاء واحتفال ليس بالتحرير فقط وإنما بالنجم الأسمر الكبير الراحل أحمد زكي، الذي جسد شخصية الرئيس السادات، فقد ركز الجمهور على نجمه المفضل واختلطت المشاعر الوطنية بمشاعر الإعجاب بالأداء المتقن والعبقرية البادية في التمثيل، والقدرة الفائقة على التقمص، فبعد مرور عشر سنوات لا يزال رحيل أحمد زكي يثير الشجون والأحزان كونه توفي في أوج مجده وعطائه، ولم يكن قد بلغ الستين من عمره بعد، حيث لم يزد سنه وقت رحيله عن السابعة والخمسين عاما، فضلا عن أن إصرار الفنان القدير على العمل حتى آخر لحظة جعله الأقرب إلى مشاعر الجماهير وأحاسيسهم، بيد أنه خلال فترة مرضه كان موضع الاهتمام والتركيز.
جسد أحمد زكي في آخر أفلامه شخصية عبد الحليم حافظ، الأكثر شعبية، وتعرض في مراحل الشخصية إلى المرض والإعياء فحدث نوع من التماثل بينه وبين عبد الحليم، فأدى ذلك إلى زيادة شحنات التعاطف، ومن ثم كانت الحالة التمثيلية محض تمهيد لفراقه، حيث استشعر الجمهور أن ما يعانيه ليس براعة في تقمص الشخصية والتماهي في الحالة، ولكنه إعياء حقيقي يمكن أن يؤدي بحياة أحمد زكي وقد كان مات الرجل قبل أن ينهي الفيلم، وفي توقيت قريب جدا من تاريخ وفاة عبد الحليم حافظ الذي وافته المنية في 31 مارس/آذار عام 77 بينما رحل زكي يوم 27 / 3 أي بفارق أربعة أيام فقط.
كان المطرب الكبير الملقب بالعندليب الأسمر هو الشخصية الرابعة التي جسدها أحمد زكي في إطار تقديمه العبقري للسير الذاتية فقد كانت الشخصية الأولى هي شخصية طه حسين التي قدمها في مسلسل «الأيام» أوائل الثمانيات مع المخرج يحيى العلمي، وأبدى فيها تفوقا ملحوظا، رغم تباعد الملامح الشكلية والإنسانية بينه وبين عميد الأدب العربي. الشخصية الثانية كانت للرئيس جمال عبد الناصر في فيلم «ناصر 56» للمخرج محمد فاضل، وكالعادة كانت العبقرية في الأداء عنوان الفيلم الحقيقي، وبعدها جاءت التجربة الأكثر قربا شكلا ومضمونا في فيلم «أيام السادات» عن حياته وبدايته وحتى اغتياله، وبالطبع نجح الفيلم نجاحه المتوقع فليس معهودا أن يفشل الممثل القدير المعجون بالموهبة المريض بالتقمص في أداء أي دور من الأدوار القريبة أو البعيدة عنه.
تلك كانت ملامح المسيرة الفنية في مراحله الأخيرة. أما ما سبق فهو أكبر من أن يختصر في سطور، فالرحلة رغم مداها الزمني القصير تشكل امتدادات طويلة وعريضة على مستوى التأثير، ولو تحدثنا فقط عن الجزء الذي جسد فيه أحمد زكي أنماطا بشرية لشخصيات ووظائف سنحتاج إلى مساحات أوسع من مجرد دراسة مكثفة أو مقال محدود، ففي فيلم «زوجة رجل مهم» ينقل لنا صورة لشخصية ضابط أمن الدولة بكل إرهاصاتها وانفعالاتها وتكويناتها وتناقضاتها الحادة، ينقلها الفنان ببراعة وتلقائية وبساطة كأنها شخصيته الحقيقية.
وفي «البيه البواب» نرى آيات البؤس والشقاء في الجزء الأول من الفيلم، هي الأوضح في التكوين الإنساني لعبد السميع البواب، وسرعان ما تتحول إلى استعلاء وغطرسة واستقواء بالمال بعد الثراء. وأيضا في فيلم «ضد الحكومة» نرى المحامي المستهتر وهو ينتفض دفاعا عن حقوق الكبار المتسببين في الكارثة ونرصد التحول والقدرة الفائقة على المعايشة والانتقال بين مستويات أدائية مختلفة لا تنم إلا عن موهبة فذة يتمتع بها الفنان الراحل الكبير.
ربما تطرق الكثيرون لخصوصية أداء الفنان أحمد زكي، مما يجعل الإسهاب فيه تكرارا للمعاني والدلالات نفسها، لكن ما لم يكتب عنه بالشكل الكافي هو ارتباط طبيعته النفسية والإنسانية بفكرة التفاني في الأدوار إلى حد الانصهار، فهو كما يقال مدير أعماله وطني، الذي عاش معه سنوات طويلة ورافقه طوال مشواره الحياتي والفني لا يعرف شيئا غير التمثيل ولا يكترث بأمر آخر غير الدور الذي يؤديه، يبدأ في متابعة الشخصية الدرامية من لحظة الكتابة وحتى دخول الأستوديو لتصويرها، وهنا يتوحد معها تماما فيتوارى أحمد زكي ويبقى الضابط أو البواب أو المحاكي أو الصعلوك إلى أن يخرج من الشخصية ويعود إلى ذاته الحقيقية بعد ظهور الدور على الشاشة.
هذه الشهادة تدلنا على الفنان الراحل وكيف كان يتعامل مع فنه وشخصياته، ولأنه كان شديد الحساسية كان سريع الغضب ولا يتحمل النقد ويعتبره في بعض الأحيان تشكيكا في قدراته الإبداعية، وله جراء ذلك صولات وجولات ومعارك خاضها دفاعا عن وجوده وحفاظا على قمته التي تربع عليها بجهده الشخصي وموهبته ليس إلا. أثناء تصوير فيلمي «عبد الناصر» و»السادات» ثارت خلافات ومشكلات نتيجة تشبث أحمد زكي بوجهه نظره ففي فيلم «ناصر 56» كان الظاهر على السطح والمعلن في الصحف ووسائل الإعلام أن الخلاف على أنف عبد الناصر، الذي أصر على أن يتم تركيبه حتى يتناسب مع أنف ناصر الحقيقي، فيما كانت جهة الإنتاج معترضة لأنها مكلفة وعبء على ميزانية الفيلم. كذلك حدثت مشادة بينه وبين المخرج محمد خان وصلت إلى حد التلاسن بسبب الإصرار والتصميم على بعض التفاصيل والتدخل في بعض الفنيات، وهي تصرفات تعكس شخصية فنان غيور على فنه فتحمل المسؤولية لا يقبل أنصاف الحلول ولا يرضى بنصف النجاح.
هذا كان سر عصبية أحمد زكي، الخوف من الإخفاق واهتزاز صورته كممثل وليس كنجم فهو معني بالأساس بالإجادة ولا يهمه كونه نجما أو ممثلا قديرا فحسب، الأهم من وجهة نظره أن يكون راضيا عن أدائه العام وهو ما يفتقده غيره من بعض النجوم ويجعله في الوقت نفسه حالة استثنائية وموهبة فوق العادة وممثلا بامتياز مع مرتبة الشرف.
كمال القاضي