ليست أراضي الشعر، دائما، خفيضة. ثمة جبال وهضاب ومنحدرات. وليست كل الطرق إلى هذه القمم سالكة. الأم، هذا يطرح لا محالة مسألة الاختيارات، ما ينجم عنها تعدد الجماليات في الشعر.
في الماضي كان التقويم الشعري، يقوم أساسا على المعيار الكمي ـ الزمني، أي أن التقويم الأجيالي، كان هو الفيصل الرئيس بين مرحلتين، بين تجربتين. أما وقد تأكدت هشاشة هذا التقويم، بسبب عدمه لمبدأ الإنصاف في حق شعراء مشائين، فقد تمت الاستعاضة عنه بتقويم جديد، أكثر إنصافا، سمي بالحساسية الشعرية الجديدة، اخترنا له توسيما آخر هو «الجمالية الجديدة»، من أجل إعادة الاعتبار لشعراء رفضوا الانحسار في تجربة جيل بعينه، درءا لأي موت رمزي محتمل.
في الشعر المغربي المعاصر، تماوجات شعرية بيّنة، أقصد اختيارات شعرية متمايزة. بمنطق الجيل، يمكن الحديث عن أربعة أجيال، أو حتى خمسة في نظر البعض، هذا الكلام يجرنا إلى سؤال يجُبُّ مطارحة التقويم هاته: في أي جيل يمكن موقعة الشاعر محمد السرغيني مثلا؟ قس على ذلك عبد الكريم الطبال، وأحمد مفدي، وعلال الحجام وآخرين. لأجل ذلك نجد اليوم، الكثير من النقاد ممن يستبدلون مصطلح الجيل بالحساسية الجديدة. فماذا عن هذا المفهوم
1 ـ في مفهوم الحساسية
ثمة لبس كبير يكتنف مفهوم الحساسية، على اعتبار أنه ينطوي على موتيفات مناعية خاصة بكل جسم/ حقل معرفي، يختلف بالضرورة من حيث طبيعته عن الحقل/الجسم الآخر. فالفلسفة الكانطية، مثلا، تنظر إلى مفهوم الحساسية، باعتباره التقاطا للمعرفة انطلاقا من تصيُّر كينونة الكائن، وقد تأثرت بالعارض الزائل. في حين ذهبت الجمالية الرومانسية، إلى اعتبار الذات مصدر الحساسية الحقيقية، وأن تفجير هذه الحساسية، لا يتحقق إلا بواسطة الخيال.
ووجبت الإشارة، في هذا الإطار، إلى أن مفهوم الحساسية قد تطور بتطور النظريات الأدبية الحديثة؛ وأخذ من ثم تمظهرات مختلفة انسجاما والتمايزات والفروق الثاوية بين الأجناس الأدبية، الشيء الذي جعل هذا المفهوم، شديد الارتباط بمفهوم الجمال ذاته، ما جعلنا نمحص له مصطلح الجمالية درءا لأي لبس ممكن.
والحق أن الحديث عن مفهوم الحساسية الجديدة، لم يظهر في مجال الأدب عند العرب، إلا في أواخر القرن العشرين، وتحديدا في مجالي الرواية والمسرح. والأكيد أن اللبس الذي اكتنف هذا المفهوم من جهة خلفيته الفلسفية، لدرجة أنه أصبح مسجورا بالغموض، سيجعل مسألة القبول به من طرف النقاد العرب، في بداية الأمر، أمرا صعبا للغاية. فليست الحساسية، في نظر صبري حافظ، تدل على الانفعالات المتقلبة، وإنما تدل على الوعي والإدراك في مجال المعرفة.
أما في المغرب، فإننا نتصور أن ظهور هذا المفهوم في مشهدنا النقدي، قد ارتبط بتلك التماوجات الجمالية التي ازدانت بها الكتابة الشعرية المغربية، بُعيد أفول الميولات الأيديولوجية، مباشرة بعد سبعينيات القرن الماضي، حيث سيسطع نجم قصيدة النثر التي كانت وما زالت، عند رواد هذا المقترح الجمالي، رهينة اختيارات جمالية جعلت مفهوم الكتابة الشعرية يختلف عن ذي قبل. والحاصل أن مفهوم الحساسية في مشهدنا الشعري المغربي، خرج من معطف الحداثة، وما تلاها من نظريات فكرية تجاوزت مركزية اللوغوس لفائدة الذات، والكتابة والهامش (دريدا)، والجسد والاستعارة( نيتشه)، واللغة (هايدغر).
ويمكن إيجاز هذه الاختيارات الجمالية، تلك التي ميزت الجمالية /الحساسية الجديدة في المغرب، في ما يلي:
1 ـ العبور وسؤال الكونية
أتصور أن الشعر هو إقامة في الكلمة المسجورة بالإيقاعات، والقادرة وحدها على منحنا حق الإقامة فوق هذه البسيطة التي قد تضيق بما رحبت على كل ذات متقوقعة على نفسها، بغض النظر عن الحدود الوهمية، تلك التي لا تُعشّشُ سوى في «عقول الداعشيين»، نخبة مثقفة كانت، أم طبقة سياسية، أم فقهاء دين، أم شعراء حتى. لأن كل هؤلاء، في هذه الحالة فقط، أقصد حالة التداعش، يتحولون إلى مجرد عسس للإقصاء والعنف والتطرف، بكل تمظهراته المادية والرمزية.
حتى في الشعر، قد نتداعش، وذلك بتحويله إلى ميتافيزيقا، أو دوغما تقضي على طموحنا، كبشر، في أن نقيم في إنسانيتنا المهددة باستمرار، أي في أن نكون كونيين. والحق إن الكونية، هي قدرنا، هي قدر الشعر الأصيل على الأصح. ففي كلمة عميقة جدا للشاعر الفرنسي إيف بونفوا، كتبها بطلب من بيت الشعر في المغرب، بمناسبة اليوم العالمي للشعر، مارس/آذار 2005، يقف عند سر الشعر الحقيقي متأملا، فيقول: «الحساسية الشعرية هي الحدس بهذه السلطة، بهذه الحياة داخل الكلمة العالية في لغاتنا. الشعر هو العمل الذي به نخلّص عبر الإيقاعات والأصوات، الكلمة الأساسية من عبء المفهوم، نهبها القدرة على التعرف، من بين الكلمات التي نتداولها، على تلك القريبة منها، وتبعا لذلك، على أصدقائنا الذين معهم سوف نتمكن من أن نهب هذا المكان معنى وغنى أكبر. الشعر لا يقول. إنه يجمع ويؤسس، يستقبل في موطن العمق، هذا ما يمكن أن نكون تدريجيا إقامة إنسانية تجمعت أخير».
1-1 استشكال المفهوم
تقضي الكونية أولا، ضرورة الوعي بالعالم، وبأسئلته الراهنة، كفاعلين لا كمنفعلين فقط. والعالم هو «كتلة من الأحاسيس والتوجهات»، يسعى الخطاب الشعري التواق إلى الجدة والبدعة، جاهدا إلى شعرنتها. وليس من شك أن التعبير عن خصوصية العالم، في نظر تودوروف، لن يتحقق إلا باستيلاد الجذور الأصيلة في ثقافة الأديب من جهة، وبعدْم التردد في أن هذه الرواية لها جذور عميقة في ثقافة الكاريبي، وعلى العكس، فإذا استطاعت أن تعبر عن خصوصية هذا العالم، فذلك لأنها لا تتردد في تبني الاكتشافات الأدب لرابلي أو لفولكنر». وإذن، بالنظر إلى هذا المطمح الكبير، ما السبيل إلى سلسبيل هذا الفضاء الرحب المدعو «الكونية»؟ وكيف يمكننا، كعرب ومغاربة، حجز إقامتنا الأثيرة في مملكة الخلد التي لا تفنى، أقصد فردوس الإنسانية؟
1- 2 الكونية والكثافة الأنطولوجية
ثمة في المشهد الشعري المغربي الراهن، ميولات كبيرة نحو الكونية، من خلال استثمار مجموعة من الشعراء للعديد من الوسائط الفنية والتقنية، لكسب رهان العالمية. فأن تكون كونيا، يعني أنك تمنح لوجودك حضورا هنا وهناك، أي إنك تفتح النوافذ جميعها مشرعة على الأفق، بغاية تحقيق ما يمكن تسميته بـ«الكثافة الأنطولوجية» لكينونة مغبونة. إنك، عطفا على ذلك، تمنح لحضورك كينونة مضاعفة، بمجاوزتك لهويتك الضيقة، وانتصارك للمشترك الإنساني، وجدانيا وفنيا. وأغلب الظن أن تحقيق هذا المطلب، مرتهن أولا، بضرورة التركيز على نعمة الترجمة باعتبارها سبيلا سالكا نحو كونية منشودة، وثانيا بضرورة ترجمة ما يلامس الوجدان الإنساني فقط، وذلك بالانطلاق مما هو محلي صرف. علينا أن نؤمن، قبل هذا وذاك، بأن الترجمة هي قدرنا الأبدي الذي لا مفر منه، وأنها عملية إبداعية خالصة وليست على العكس من ذلك «خيانة»، كما رُوّج لها حتى تحولت إلى فزاعة أو فوبيا في الغالب. إن ترجمة الإبداع الوطني إلى لغات الآخر، ضرورة حضارية قد تعفينا من حروب وهمية تعشّش في ذهنيات من يهابون الآخر بداعي «المؤامرة»، أو بالأحرى ينصبونه عدوا أبديا، به يستقيم وجودهم على هذه البسيطة الفيحاء.
1 ـ 3 عبور النص:
لقد شكل انفتاح الجمالية الشعرية في المغرب، على التجارب الشعرية العالمية، هاجسا كبيرا بسبب رغبتها الملحة في احتلال مواقع جد متقدمة في المشهد الشعري العالمي، تحت يافطة الكونية؛ من خلال تبني بعض طرائق الكتابة الشعرية المتداولة عالميا، كتجربة الهايكو، والقصيدة الشذرية، فضلا عن استثمارها لمجموعة من القيم الجمالية والفنية المشتركة بين الشعراء عالميا.
لم يعد الحديث عن كونية الكتابة من داخل الجمالية الجديدة، حديثا يوتوبيا أو وهميا، وإنما غدا ضرورة تفرضها مقتضيات العصر. وما يحسب لهذا الأفق الشعري الجديد في بعض من مستوياته الأصيلة عند البعض، كونه يسعى للكونية بدون الانفصال عن الذات كوعاء ثقافي وحده القادر على الحفاظ على جوهر الهوية الشعرية العربية. فترى الشاعر (ليس كل الشعراء) يستثمر روح الثقافة المحلية، من حكايات شعبية، ومفارقات إنسانية محلية، وموروث شعبي… بفنية ماكرة ورائقة تؤهله لكي يرقى فنيا إلى اللحظة الكونية المنشودة.
وتبقى الترجمة في نظر هؤلاء الفرسان الجدد، سبيلهم الآمن لتهجير نصوصهم إلى الضفة الأخرى، بهدف استكمال استحقاق الانتماء إلى هذا العصر كفاعلين هذه المرة، لا كمنفعلين فقط. والملاحظ أن ما يطبع هذا السعي الحثيث لعبور الشعر المغربي إلى الهناك، هو التشتت والفوضى والتسرع والعفوية، على الأقل في جله، في انتظار استراتيجية مؤسِّسة وهادفة؛ إذ نلفي محاولات ومبادرات فردية، هنا وهناك، تبدو للنظرة العجلى والمتأنية معا، بائسة.. إلا أنها على كل حال، تبقى محاولات تؤمن على الأقل بأن الترجمة هي قدر الشعر الجدير بالكونية، مما يبشر بمستقبل قد يكون منصفا لبعض الكتابات الشعرية المغربية الراهنة.
2 . الكتابة الشذرية والرؤى المتشظية
إن هذا السعي الدؤوب من قبل الشعراء، للدفع بالشعر إلى الأقاصي والتخوم، جعل اختياراتهم الجمالية، عند الكثيرين، تروم الكتابة الشذرية الموسومة بنفحتها الفلسفية والمغلفة بأسلوب رؤياوي معقد؛ أسلوب يُقلق كل توقع سطحي يتحصن بما تيسر من قلاع وحصون المواضعات خوفا من كل جديد. ووجبت الإشارة ها هنا، إلى أن ما يتميز به هذا الاختيار الجمالي من صعوبات، يجعل من هذا النوع من الكتابة عصيا ومتمنعا، عكس ما يعتقده البعض. فالشذرة كما يقول نيتشه، نص جينيالوجي مصاب بالكثافة والتشظي والفجوات. لقد ظلت الكتابة الشذرية أقل حضورا في مشهدنا الشعري المغربي، هي المعروفة بعمقها الفكري، وروحها الشعرية، لصعوبتها تارة، ولعدم الاعتراف بها كقصيدة من قبل عسس الشعرية المحافظة تارة أخرى. والحق إنه في وقتنا الراهن، أضحت للقصيدة الشذرية مكانة مهمة لدى شعراء الجمالية الجديدة، لكونها تتبطن أفكارا قد تبدو صبيانية وهامشية، لكنها مضيئة ومشرقة في لحظات عابرة وبدون أي صرامة نسقية.؛ يقول الباحث عبد اللطيف الوراري في هذا السياق «بموازاة ذلك، نقف على شعرية الاقتراب من اليومي والعابر، وتشذير واقع التفاصيل الدقيقة والأشياء العادية، البسيطة ظاهريا والعميقة داخليا، بشكل يشف عن علم جمال اليومي عبر تصويره وشخصنته والهزء منه على نحو لوذعي». وليس من الغرابة أن ينتسب رواد هذا الصنف من الكتابة إلى الفضاء المعرفي الفلسفي على نحو رائد الكتابة الشذرية الفيلسوف الألماني نيتشه، نذكر من هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر، الشاعر بنسالم حميش، وجلال الحكماوي، وعبد الحميد بن داوود، ومحمد بلمو…
والحاصل أن الكتابة الشذرية في مشهدنا الشعري المغربي، تحولت إلى أفق شعري جديد في تدافع لا ينقطع نحو اللا قصيدة أو ما بعد القصيدة حيث التعتيم الأجناسي.
3- اللغة المواربة
اللغة في الكتابة الشعرية الجديدة لغة مواربة، لغة مخاتلة وجانوسية (نسبة إلى جانوس إله الأبواب والعتبات في الأسطورة اليونانية). فالكلمة لم يعد لها معنى في ذاته، بل أصبحت تنحت معناها في السياق العام للصورة، أو للنص أحيانا. فترى شاعرا يتخذها وسيلة قشيبة وشفيفة في نسيج نص شفيف، وتجد آخر يجعلها مرمزة وملغزة مضمرا المعنى ببوح كتيم، ومتوسلا في هذا التقنيع بالرمز والغرابة في التصوير والتركيب. وفي كلتا الحالتين، فإن الخلفية التي تتحكم في الشاعر ها هنا، هي الرغبة الملحة في «إنتاج المرحلة اللغوية الأولى الاستعارية» للدفع بالكتابة إلى ما بعد القصيدة.
كاتب مغربي
محمد الديهاجي