يمكن اعتبارُ الرؤية الشعرية تجاه الطبيعة والفن، بما هي رؤية جمالية وفكرية، للذات وللوجود، أحد أهم السبل التي يوظفها الكائن في تصالحه مع العالم، وفي تخفيفه من حدة شراسة اليومي وبؤسه، كما هي سبيله لتحجيم فاعلية المقولات العدمية، والممارسات الإقصائية، التي دأبت على حشره في زوايا اللاجدوى، كي يمارس حضوره، بعيدا عن أي تأطير تهجيني، يختزله في مجرد حشرة مطاردة بلعنة الخطيئة.
إن الرؤية الشعرية للعالم، ومن منطلق اختلافها عن المعرفة التجريبية، تلقننا تقنية العثور على اللآلئ المحتجبة في قسوة اليومي، كما تنجح في إبداع ذلك التناغم السحري، الناتج عن تفاعل الحواس مع مختلف المعروضات الجمالية، المكشوفة أمام العين الرائية، كي تغدو نقطا مضيئة، تتبدد تحت أشعتها السحرية نوازل القبح والألم، وباقي الممارسات العدوانية، التي دأب الواقع على التلويح بها في وجوهنا.
إنها تتخذ شكل مَمَرٍّ معشب، يمتد بين نيران المعيش، وقد غدا محفوفا ببرد الطمأنينة وسلامها، كما أنها وبفعل انتمائها إلى راهنية المعيش، الحافل بجمالياته الفنية والطبيعية، تفلح في تكريس واقعيتها، ومشروعيتها كصيغة نموذجية من صيغ الحضور، مما يساهم في قطع صلتها بكل اليوتوبيات المتعالية، والمنفصلة عن الفضاءات الحية، التي يتواجد فيها الكائن، بما يرتقي بها من مستوى المؤانسة المؤقتة والعابرة، إلى مستوى الضرورة الإنسانية، أي إلى منزلة مُكَوِّن حقيقي وفعلي، من مكونات الوجود، وأحد المنابع الأساسية التي ينتزع بها الكائن، اعترافه من رتابة اليومي. ومن المؤكد أن انعكاس تأثير جمالية الرؤية الشعرية، على بنية الوجود، يفتح المجال لإمكانية اهتدائه إلى نوع من التوازن، الكامن في ظل سيرورته المشذبَة من أشواك شراستها، باعتبار أن الرؤية الشعرية، ومن خلال كشفها عن أسرار تناغم وتنافر الإيقاعات الدلالية للكون، تكشف في الوقت نفسه عن بنياته الفرحة، التي تضع حدا لتسلط المعيش. وهو الكشف الذي يُحدث توازنا ملموسا في حركية الوجود، حيث يميل هو أيضا، إلى تغيير علاقته بالكائن، مبديا استعداده للتصالح معه، كما لو أن الأمر يتعلق بحضور حالة صحو، تحُدُّ من عنفه، وتوقظ فيه أحوالا شبه بشرية، تأخذ بيده إلى فضاءات الإنساني، بما يتخللها من انتشاءات بِكرٍ. من هنا يمكن القول، إن الرؤية الشعرية التي هي جُماع ما توحي به الرؤية الجمالية للعالم، تلعب دورا مهما في إضفاء حالة تفاعلية بناءة، على الوجود، فاتحة بذلك شهيته للتواصل مع الكائن، والإنصات إلى ما يطرحه عليه من أسئلة.
إن الرؤية الشعرية، تتواطأ مع الكائن، في تذكير العالم، بما يتواجد فيه من جمال، إنها تجدد تكوينه، وكأي مدْرسة للسلوك النموذجي، تغريه بالجلوس على كراسيها، كي يعيد النظر في منهجيات تواصله مع الجنس البشري. أيضا إنها تُوسِّع من حجم المساحة التي يتحرك فيها الكائن، من خلال قدرتها على ترميم انكساراته، ورفع ما يتوزع على مسالكه من عوائق وحواجز. أيضا تساهم الرؤية الشعرية، في طي تلك المسافات الفاصلة بين الكائن وذاته، حيث تجعله أكثر قربا منه إليه، باعتبار أن الاقتراب من الذات، يسمح أكثر بالإنصات إلى أصواتها ونداءاتها، كشرط أساسي للاقتراب من الآخر، علما بأن أصوات الذات، لا يمكن أن تكون إلا مدائح للشِّعريِّ، ودعوة لتجريب صيغ مغايرة، من صيغ الإقامة في مساكن الكون. بهذا المعنى، يتم تصنيف الرؤية الشعرية، بوصفها سؤالا فكريا، فلسفيا ووجوديا، لأنها لا تندرج ضمن المُسكِّنات التي تروم تخفيف الألم، كما لا تهدف إلى إبهارك بخُلَّبِ بروقٍ وهمية، بل لكونها، وعلى النقيض من ذلك، تمدنا ببعض المفاتيح الجمالية، التي يمكن أن تساعدنا على ولوج تلك الباحات المغلقة، التي يتعذر على الكائن ولوجها، أو الاهتداء إليها، بفعل تواجدها الدائم في دوامات العنف الكوني، وداخل سُجُف المكابدات اليومية. إن التعرض الدائم لشحنات الأحداث المأساوية، التي تستبد بالمشاهد اليومية، يُفقد الكائن متعة إحساسه بالجميل، كما يفقده إحساسه بمقامات الرغبة والانتشاء، خاصة مع تصاعد الوعي بهيمنة تلك الفُوبيا الغامضة، تجاه ما يٌتوقع حدوثه الآن، أو بعد حين. إن الجانب الأمني أمسى الهاجس الأكثر حضورا، حيث تتقلص حظوظ عقلنة مفهوم الإحساس بالخطر، واحتمال وقوع الكارثة، في هذا السياق تحديدا، تتجسد ملحاحية الرؤية الشعرية، التي تحد من سلطة شبح الخوف الغامض، مفسحة بذلك المجال لحضور الطيف الجمالي، الذي يكون دليلنا إلى مصادر ومنابع الحياة الحميمية، فكلما استطاع الكائن أن يرتقي بالرؤية الشعرية إلى مستوى السلوك اليومي، إلا وامتلك القدرة على عقلنة الإحساس برهبوت الخوف الغامض، بدون أن تتحول الرؤية بالضرورة، إلى وسيلة للتهرب الانهزامي من ضراوة الواقع.
من المؤكد أن الرؤية الشعرية، ليست مجرد عملية تجميلية للكون، بقدر ما هي عملية تنظيف للتورمات المتوزعة على جسده، بغاية استعادة ما يحتجب فيه من بهاء، لذلك سيكون من الطبيعي أن تدخل في صراع محتدم، مع عناصر التيئيس والظلام، المكدرين لصفو فضاءاتها الثقافية والحضارية. إنها وفضلا عن اقترانها بالجميل، فإنها معززة بعنفها الداخلي، الذي يمدها بما يكفي من الحيوية، التي تواجه بها فلول القبح، علما بأن الجميل في هذا السياق، لا يحيل بالضرورة إلى النماذج المؤطرة بالمعايير التقليدية، المعتمدة عادة في توصيف الجمال، مادام الجميل هو أيضا محفوفا بأبعاده المتعددة، ومعاييره اللانهائية، فضلا عن امتلاكه الإثارة والخصوصية، ما يؤهله لأن يتحول إلى سؤال معرفي شديد التعقيد. وعلى الرغم من أهمية العمق الذاتي الحاضر في التقييم الجمالي، إلا أن العمق الجماعي يظل محتفظا بخصوصيته، حيث يسري في الأعضاء الجماعية، عن طريق العدوى، كما هو الشأن في التظاهرات الموسيقية الكبرى، والاحتفالات الطقسية، بدون أن يكون لهذا البعد تأثيره السلبي، على تلقائية حرية التلقي وتفاعله، التي تفضي بها إلى الاشتباك مع كل المعايير الثابتة المقننة بسلطاتها العرفية، لهذا السبب تحديدا، يحدث أن تصطدم الرؤية الشعرية بحاجز الرؤية السكونية للأخلاق، خاصة منها المتمحورة حول سؤال الواجب، كما تتعارض مع منطق الخطابات السياسية المتحجرة، بدون أن تكون بهذا المعنى متعالية، أو منفصلة عن العمق المنفتح على كل من الخطاب الأخلاقي والسياسي. لأن القوانين حينما تُصَعِّدُ من آلية، ومن وتيرة اشتغالها، فإنها لا تلبث أن تنزاح إلى الجهة المضادة للكينونة، وهو الأمر الذي لا تسلم منه الرؤية الشعرية، كلما أُكرِهت هي أيضا، على تحويل وِجهتها، كي تُوظَّف في إنجاز مهام وأغراض لا علاقة لها بجوهرها الجمالي الفكري والفلسفي.
من بين الممارسات التحويلية، التي يكون لها دور مباشر، في مسخ وتشويه جوهر الرؤية الشعرية، تلك المتمثلة في تكييفها، كي تأخذ شكل ممارسة اجتماعية مُلزِمة للجميع، حيث إنها، وفي ظل هذه الممارسة، تنفلت من إطارها المرجعي، كي تتواجد في إطار مضاد لما نُذرت إليه، أي إطار التوجهات المندمجة، والمندرجة ضمن الأنساق السلطوية، بمفهومها المتعالي والهيمني. هنا تحديدا، تكون مجبرة على تبني دور الوصيفة المتهافتة، التي تكتفي بتقديم خدمات مجانية للأخلاقي والعقدي والسياسي، وفق المعايير الفوقية التي تقرها السلطات السائدة، مدمرة بذلك هامشها الاستثنائي، المستقل بخصوصيته، الذي تطمئن الذوات إلى حضوره، حيث لن يعود لك الحق وأنت تستيقظ صباحا، في تأمل تكشيرتك الثملة أمام المرآة، أو أن تقف منبهرا أمام جمالية تصدر صندوق القمامة، المتربعة على منصة الشارع المركزي.
ضمن هذه المقاربة الحرجة، سيكون من الضروري التأكيد على ضرورة الاحتراز العقلاني من كل ممارسة ذات أفق توحيدي، والعمل بالإقامة في الظل، أي على هامش الاهتمامات العامة والمشتركة، حيث ليس له أن يتجاوز حدود الاستئناس العادي والبسيط، الذي يمكن أن يبديه الآخرون في شأنه، كاختيار محايث حر، وقابل للرفض أو القبول. إذ من الأجدر بحضوره أن يكون منحصرا في خلفية التفاعلات الاجتماعية، التي لا يتحقق إلا من خلال توفر الذوات، على نسبة عالية من الحرية الفردية، وهي الحرية التي لا يمكن أن تتحملها القضايا الموجهة بالقيم الكليانية والموحدة، لكونها وفي حالة احتلالها قلب الحياة المجتمعية، لا يمكن إلا أن تؤدي إلى إفسادها وعرقلتها. إنها تفرغ الذوات من حرية المبادرة وتُحولها بالتالي إلى مجرد آلات وظيفية، موجهة بأوامر متعالية، تحد من جموح الحرية الفردية، وبالتالي من إمكانية الحلم بأي مبادرة إبداعية.
٭ شاعر وكاتب من المغرب
رشيد المومني