كم كانت تلك المرحلة جميلة بكل ما اعتراها من أخطاء وسلبيات، حين كان المثقف أو المثقف العضوي يناضل على «جبهة الكل» وكان الحلم طريقا مفروشا بالرصاص وقضبان المعتقلات. آنذاك كان كل شيء جميل يوجد على اليسار: اليسار الأرسطي واليسار الإسلامي واليسار الهيجيلي واليسار الفرويدي واليسار الإسرائيلي … ومن كان يتياسر بجرعات زائدة يوصف بالمتطرف والجذري الذي يثير الفوضى وينشر العدمية. كان التحول الذي يعرفه العالم المعاصر يفرض نوعا من التعامل يتلاءم مع المرحلة ومع المد العالمي وكان المنظور المثالي آنذاك ينطلق من الجهة اليسرى لتحليل الأوضاع وطرح البديل.
كما أن الحلم الذي كان يسعى إلى تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة وتذويب الفوارق الطبقية لازالت مبررات وجوده قائمة، وربما ازداد ت الحاجة اليوم إلى هذا اليسار الذي لم يفشل كما يدعي البعض فالحلم لايعرف الفشل لأنه سيرورة دائمة نحو التحقق والمضي إلى الأمام عبر استخلاص دروس الماضي والحاضر. لقد كان اليسار دائما محاولة لتصحيح المسارات وحركة تبحث دوما عن العالم الأفضل وإشعال الشموع في الطرق المظلمة، لذلك نحن بحاجة إلى تجديد الفكر اليساري وتجديد آلياته بما يتلاءم مع تطورات العصر، وبما استجد في الساحة العربية من أحداث ينبغي التحفظ على أنها أحداث تاريخية مادام هناك من يحصد النتائج ويحول اتجاهها نحو الزوايا المعتمة.
لمعت في ذهني هذه الأفكار وأنا أقرأ أحد الكتابات المهمة في مجال التحليل النفسي وأقصد كتاب: «اليسار الفرويدي» لبول أ.روبنسون وهو أحد المراجع المهمة في هذا المجال، وقد خصص الكاتب هذه الدراسة من أجل الوقوف عند ثلاثة أعلام من الحركة اليسارية الفرويدية التي اشتهرت في بداية القرن العشرين وهي الحركة التي جاءت لتصحيح الكثير من الأفكار التي جاء رائد التحليل النفسي وجعلها منسجمة مع هذا المد الكبير للفكر اليساري خلال القرن العشرين.
لاشك أن نظرية التحليل النفسي تعتبر من أكبر الثورات الفكرية والعلمية التي طبعت القرن الماضي من خلال الإنجازات العلمية الكبرى التي قام بها رواد هذه المدرسة ابتداء من مؤسسها سيغموند فرويد حتى آخر تلامذته ومريديه. كما أنه هذه النظرية ارتبطت بالمجال السياسي حين تم منع التحليل النفسي في الاتحاد السوفيتي وظلت ممارسته ممنوعة بسبب موقف المناضلين الشيوعيين وعلى رأسهم فلاديمير لينين الذي نعت التحليل النفسي بأنه ممارسة بورجوازية تتطفل على الأمور الجنسية للناس. وقد نهضت بعض الأسماء التي عارضت هذا التوجه للدفاع عن النظرية لكن من جهة نظر نقدية ساهمت بشكل كبير في تطويرها وكذلك في توسيع دائرة هذا العلم الذي أصبح يتناول القضايا السياسية من منظور سيكولوجي مستعينين في ذلك بآراء كارل ماركس وانجلز، فبدا بعض المفكرين والمحللين يوظفون مبادئ التحليل النفسي في فهم أعمق لمشاكل سياسية وتاريخة وثقافية وفنية. ومن بين هؤلاء المفكرين بعض رواد مدرسة فرانكفورت النقدية أمثال هوركهايمر وأدورنو وماركوز وإريك فروم الذين حاولوا توظيف آراء فرويد في اتجاه فهم ظاهرة الاغتراب في المجتمعات الرأسمالية المعاصرة وفهم الآليات الآيديولوجية السائدة في السيطرة على الجماهير كما تفعل الأنظمة الفاشية.
لقد وجدوا في الجهاز المفاهيمي الفرويدي مشروعا لفلسفة راديكالية وسياسية جنسية تؤدي إلى تقويض أسس الثقافة الرسمية في المجتمعات الصناعية المعاصرة.
يخص كتاب «اليسار الفرويدي» بالحديث ثلاثة رواد من هذا الاتجاه اليساري وهم: فلهلم رايش وجيزا روهايم وهربرت ماركوز، هذا الثالوث الذي اعتبره الكاتب القطب الرئيسي في هذا التيار الذي جعل من التحليل النفسي مذهبا ثوريا ونقديا يواجه ظواهر المجتمع المعاصر بسلاح النقد والتفكيك. يتفق هؤلاء إذن على تحمسهم المطلق للجنس وإيمانهم بأن المتعة الجنسية هي المعيار الأساس لتحقيق سعادة الإنسان، فضلا عن عدائهم المعلن للقمع الجنسي الذي تتسم به الحضارة الغربية المعاصرة، كما يشتركون في الاقتناع بأن السياسة والحياة الجنسية على صلات وثيقة، فراديكالية كل منهم تألف من اعتبر ان القمع الجنسي هو إحدى الآليات الرئيسة للسيطرة السياسية على الشعوب.
في كتابه الشهير «إيروس والحضارة» ربط ماركوز بين التطور النفسي للفرد و تطور الجماعة استنادا إلى ما كتبه فرويد. مبينا أن تطور الفرد يكشف عن التحكم في الجانب الغريزي فيه في سبيل بقائه في المجتمع. وإذا كانت الغريزة بطبيعتها تنزع إلى الإشباع الكامل، فهي تصطدم بمبدأ الواقع الذي يحول دون ذلك عبر القيود التي يفرضها عليها. وبذلك يتطور الفرد ابتداء من هذا الصدام بين مبدأ الغريزة و مبدأ الواقع و يتعلم التحكم في غرائزه و السيطرة عليها، بل و تتطور كل ملكاته في اتجاه هذا الطريق القمعي. و كما يعمل الفرد على إحلال مبدأ الواقع محل مبدأ اللذة، تتكرر عملية الإحلال هذه على مستوى المجتمع و التاريخ، وقد بين ماركوز إلى أن فرويد انتهى إلى ضرورة القمع و السيطرة على الغرائز لأن هذا هو السبيل الوحيد لقيام الحضارة، لذلك لابد من إطلاق الإيروس لأنه هو الحياة. و هذا ماجعل ماركيوز يصنف فرويد ضمن الاتجاه القمعي للحضارة السائدة، أي أنه جزء من المشكلة وليس حلا لها.
بالنسبة للبعد النفسي سبق لماركوز في كتاباته أن قدم تحليلا أرجع من خلاله المرض النفسي إلى التطور المعاصر للرأسمالية و إلى التناقض بين نسق القيم التي تنشرها الرأسمالية وواقعها الفعلي. فالصراع ضد الآثار النفسية السلبية للرأسمالية هو صراع ثقافي قبل كل شيء، و هو أيضا صراع مع النظام القائم حول الرموز الثقافية التي تتم معرفة الإيروس من خلالها. فما أراده ماركيوز هو تغيير نسق القيم المرتبط بالغريزة و فصل هذه الغريزة عن المنطق النفعي للرأسمالية و فك ارتباطها بعملية التحول السلعي لكل القيم. فالغريزة أصبحت سلعة وتم إخضاع عملية إشباعها لمنطق الرأسمالية، و المطلوب تحريرها من هذه الدائرة المغلقة.
كاتب مغربي
محمد مستقيم