أتابع مثل كثيرين، هذه الحرب التي تقودها أمريكا على تنظيم «الدولة الإسلاميّة» أو ما يسمّى «داعش» في سماء العراق وسوريا، حيث «طائرات أبابيل» شتى متفرقة مختلفة، كثيرة متتابعة؛ تأتي من كلّ مكان؛ كما قالوا في «الطير الأبابيل» التي أُرسلت على «أصحاب الفيل» الذين قدموا من اليمن، يريدون تخريب الكعبة؛ أو هي خرجت من البحر بيضاء سوداء خضراء، لا تصيب شيئا إلاّ هشّمته. وهذه حرب قد تكون من نوع مختلف؛ وقد تجمّع فيها كلّ لِسْنٍ وأمّة، فما يفهمُ الحُدّاث إلاّ التراجم؛ كما قال المتنبيّ في وصف قلعة الحدث. على أنّ ما يعني متابعا مثلي، أمر هذا التنظيم «اللغز» وقائده «أبو بكر البغدادي»؛ وهو اسمٌ قناعٌ أو رمزٌ؛ وقد نصّب نفسه «خليفة المسلمين» ليعيدنا إلى ماض يخاله كثير منّا قد ولّى وذهب.
ماضٍ أساسه نوع من التمثّل، كما هو الشأن عند السلفيّين والجهاديّين عامّة؛ يفيد، من بين ما يفيد، إعادة إحضار «الهويّة الدينيّة» ممارسة. وقد لا يخفى أنّ المًصادرة التي يأخذ بها هؤلاء، كلّما تعلّق الأمر بتمثّل الماضي؛ أنّ الهويّة حقيقة ثابتة معطاة ما قبليّا، أو أنّ من واجب الخلف[ مسلمو هذا العصر] أن يشبهوا أسلافهم؛ وكأنّ الأمر يتعلّق بـ»نسخة مطابقة للأصل». وقد يجد بعضهم في هذه «الأبستيميّة» الجديدة مسوّغا ما لاستمراريّة التّقليد السّلفيّ. ولكن شتّان بين «المعاودة» و»المشابهة» كما أشرت إلى ذلك في مقال سابق؛ فالتّاريخ ليس تكرارا كمّيا أو مشابهة كمّية، ومجال العلم الطّبيعيّ ليس هو مجال الفعل الإنساني. وإذ نقول عن شيئين إنّهما متشابهان مثل قطرتيْ ماء، أو»لا علم إلاّ بما يتكرّر»؛ فالاختلاف هو بالطّبيعة بين المعاودة والمشابهة. بَيْدَ أنّه ليس بميسور أيّ منّا؛ حتى لو كان مؤرّخا، وهو يواجه هذا «الفكر الداعشي» أن يقف موقفا محايدا أو أن يدّعي الموضوعيّة المطلقة فـ»لا ينتمي إلى عصر بعينه ولا إلى بلد بعينه»؛ على نحو ما يشترط البعض في معالجة الأحداث التاريخيّة. فهذه موضوعيّة لا سند لها من واقع أو تاريخ؛ بل هي أشبه ـ متى سلّمنا بها ـ بثوب ينضاف إلى ثيابنا، فنقلعه متى نشاء، ونرتديه متى نشاء. بل هي «موضوعيّة» تفيض على حواف التاريخ، وتجاذب أحداثه بغير وجه حقّ. وكلّ تفكير معقود عليها، تميدُ من تحته الوقائع، وتضطرب قراءتها. وغنيّ عن التذكير بالمقولة المأثورة بأنّ كلّ تاريخ هو في حقيقته تاريخ معاصر، يمسّنا في العمق؛ سواء كنّا على أطراف وقائعه أو في الصميم منها.
كيف يجيز قائد «داعش» أن ينصّب نفسه «خليفة»؟ وما هي أسانيده الدينيّة؟ والخلافة مسألة خلافيّة لا بين سنّة المسلمين وشيعتهم فحسب، وإنّما بين أهل السنّة أنفسهم أيضا. فالبعض يرى أنّ الماوردي في «الأحكام السلطانيّة»، هو الذي وضع النظريّة السنيّة في الخلافة من حيث هي نظام، ورمز لسيادة الشريعة وسلطانها. في حين يرى آخرون أنّ نظريّة الماوردي هي نظريّة المذهب الأشعري لا غير، وأنّها «دفاعيّة» نشأت عندما احتدم الخلاف بين أهل السنّة عامّة وخصومهم من الشيعة والخوارج الذين كانوا يتّهمونهم بالولاء لـ»خلفاء مزيّفين» من الأمويّين والعبّاسيّين. والحقّ أنّ هذا يحتاج إلى بسطة في القول، ممّا لا يتّسع له هذا المقال؛ إذ لابدّ من الوقوف على التعديل الذي طال النظريّة الأشعريّة مع الإمام الجويني خاصّة، وعلى سياقها التاريخي حيث كانت السلطة الحاكمة «الدنيويّة» تواجه شؤونا وقضايا خطيرة؛ حتى أنّ الغزالي في «الإحياء» يميّز بين الخلافة والولاية:»الولاية الآن لا تتبع إلاّ الشوكة، فمن بايعه صاحب الشوكة فهو الخليفة» والمقصود به صاحب السلطة العسكريّة أو صاحب القوّة والبأس. و»الداعشيّة» على ما يبدو تنتسب إلى هذا الفكر بنسب صريح. بل ربّما تجد أسانيدها عند بدر الدين بن جماعة( أبو عبد الله الكناني الحموي639 هـ – 733 هـ) في مصنّفه «تحرير الأحكام في تدبير أهل الإِسلام». فقد أقرّ بأنّ السلطة العسكريّة تتمثّل إمامة صحيحة، وحجّته لذلك أنّ «الحقّ المنتزع بالقوّة حق مشروع». يقول:» فإن خلا الوقت من إمام، فتصدّى لها من هو ليس من أهلها، وقهر الناس بشوكته وجنوده؛ بغير بيعة أو استخلاف، انعقدت بيعته، ولزمت طاعته؛ لينتظم شمل المسلمين وتُجمع كلمتهم. ولا يقدح في ذلك كونه جاهلا أو فاسقا في الأصحّ. وإذا انعقدت الإمامة بالشوكة والغلبة لواحد؛ ثمّ قام آخر، فقهر الأوّل بشوكته، وجنوده؛ انعزل الأوّل، وصار الثاني إماما؛ لما قدّمناه من مصلحة المسلمين، وجمع كلمتهم». وهذا إنّما يُكتنه في سياقه التاريخي أي منذ أن قضى المغول على خلافة بغداد عام 1258، وفرض جنكيز خان قانونه المعروف بـ»اليسق»(ولعلّ الكلمة التونسيّة «يساق» أي ممنوع، مشتقّة من «يسق»). وهو قانون بالغ الصرامة. ومن فصوله العجيبة :
«من ذَبَحَ ذَبْحَ المسلمين يُقتل. فقد كان المغول يعمدون إلى لفّ قوائم الحيوان للذبح وشقّ جوفه، حيث يُدخل أحدهم يده إلى قلبه، فيمرسه في يده حتى يموت».
هذا مشهد من مشاهد كثيرة تثوي في خلفيّة مسرح التاريخ؛ تروح وتجيء كظلال الأشكال السحريّة، ورسومها تدور حول مصباح يمسكه صاحب العرض في لحظة من لحظــات التاريخ الفارقة. ولعلّ شعار أمريكا.. وربّما شعار»داعش» والآخرين من المتفرّجين على التراجيديا السوريّة: «طالما اشتريت الدمى، فما المانع من شراء المسرح أيضا؟».
كاتب تونسي
منصف الوهايبي