مثل نسمة من «ريح تمر» من العام المنطوي (24.04.2015) رحل الشاعر وحل الشعر! شِعر لا يحفر الضاد إلا ليرقد في كل شبر من الأبدية. إنها الذكرى الأولى لرحيل السيزيف الأسمر ذي الأيادي البيضاء الشاعر محمد مفتاح الفيتوري. هذا العملاق القادم من عصر الكلمات، معتمرا عمامة الأبجدية الأزهرية، متعطفا بجبة عنترة بن عبس، معتلياً مطية شعره الأسود المكلل بديباج البياض… مُهرقاً دواة العبودية السحماء على صحائف الشمس المشعة، يعود بذكراه اليوم إلينا، بعبق روح تعتلق صبابة وجدانها بأربعة أقطاب: شَدّتها خيوط من حرير المعاناة لتسمو بها نحو ذرى سموات الرؤى، فتفشي ما تفشيه في شطحاتها، وتسفر عما يؤرجها من بديع أسرارها وفاتن أنوارها. مسيرة لطالما قدمت قرابينها على موائد الفكر والوعي ومنابر الذائقة مانحة خبزها المقدس معجونا بماء الـ: (أفريقانية ناصعة الزنوجة)، (ثورة لا ساحل لها)،(الصوفية ) (العروبة):
أبعاد أربعة تجلت في شعر هذا السيزيف الأسمر: السوداني المولد، المصري النشأة، الليبي الجنسية، اللبناني الهوى، المغربي المقام والأجل والأزل. يمزج بعجائبية – أين منها أسرار جبل قاف – مِدادِ الشرق بالغرب، في معادلة ناصعة الرذاذ فوق جغرافية سوداء عطشى للحرية.
ولد الفيتوري بحسب شهادة والدِه في 1929.11.24 في قرية الجنينة عاصمة دار مساليت غرب السودان. والد الشاعر ليبي الأصل وشيخ السجادة الصوفية الشاذلية. أما والدته فسيّدة جَهمِية (عزيزة علي سعيد) وتنتسب إلى إحدى الأُسر الشريفة. وهي ابنة علي سعيد بن يعقوب الشريف جد الشاعر، الذي «كان تاجر رقيق وعاج وذهب وحرير. أما جدَّته لأمه وتدعى (زهرة) فأصلها من قبيلة فرسان، وهي أميرة سوداء جميلة ابنة شيخ إحدى أهم القبائل ما بين الجنوب السوداني وغربه، تم اختطافها عنوة في سن 9 سنوات من خلف الكثبان الرملية وهي تملأ الماء وإهداؤها كجارية إلى جد الشاعر، الذي أعتقها وجعلها حرة، ليس لجمالها فحسب، بل لكونها ابنة شيخ قبيلة كبار قومها، وتزوجها فأنجبت له ذكرا توفي وانثى وهي عزيزة والدة الشاعر. تألفت أسرة الفيتوري من الاب والأم وشقيقة واحدة ومنه. وما لبثت أن هاجرت إلى مصر وبالتحديد إلى الإسكندرية.
في طفولته التحق الفيتوري بـ(مدرسة الأخلاق) لحفظ القرآن، ثم في المعهد الديني في الإسكندرية والتحق بعدها بكلية دار العلوم، حيث نشر أول دواوينه في تلك الفترة ثم غادرها إلى العمل الصحافي، فعمل محررا أدبيا في الصحف المصرية والسودانية، كما عين خبيرا للإعلام في جامعة الدول العربية في القاهرة ثم مستشارا ثقافيا في السفارة الليبية في إيطاليا، ثم مستشارا وسفيرا في السفارة الليبية في بيروت، ثم مستشارا للشؤون السياسية والإعلامية في سفارة ليبيا في المغرب.
أُسقطت عنه الجنسية السودانية عام 1974 في عهد جعفر النميري وتم سحب جواز السفر السوداني منه لمعارضته نظام الحكم، لكن العقيد معمر القدافي منحه جواز سفر ليبيا واستقبله في ليبيا. عام 2005 أصيب بجلطة دماغية، عانى أثرها من شلل نصفي في الجزء الأيمن من جسده، فالتزم منزله، لكن مع سقوط نظام القذافي سحبت منه السلطات الليبية جواز السفر الليبي فاستقر في المغرب مع زوجته المغربية (رجات أرماز) في ضاحية سيدي العابد في الرباط. لكن عام 2014 عادت الحكومة السودانية فمنحته جواز سفر دبلوماسيا. رحل الفيتوري يوم 24.4.15 في مستشفى الشيخ زايد ووري الثرى في مقابر الشهداء في الرباط.
لشعر الفيتوري أبعاد أربعة ( الزنوجة ) (الثورة ) (العروبة) (الصوفية )
البعد الزنوجي في شعره
يتجلى في شعره، صراع أزلي ضد الرق والاستعباد والاستعمار والقمع والقهر مستعرضا قضية الزنوجة بكل جوانبها. نابذا لكل ألوان العنصرية، داعيا الأفارقة إلى الاعتزاز بلونهم الأسود. والمحافظة على عرقهم ومنع ذوبانه في الكيانات الاستعمارية البيضاء. « أنا زنجي../وأمي زنجية../أنا أسود/أسود لكني حر أمتلك الحرية /أرضي أفريقية../عاشت أرضي.. عاشت أفريقيا».
كما يستخدم في قصائده كل ما يخص المجال الأفريقي وطوطميته: الطبول، والغاب، والنار، والسفينة: « كأفريقيا في ظلام العصور/عجوز ملفعة بالبخور/وحفرة نار عظيمة/ومنقار بومة/وقرن بهيمة/وتعويذة من صلاة قديمة.
البعد الثوري
« ولدتُ فوق عتبات الصمت والغضب/أنا تمرد التعب /أنا تجسد الذهول».
روح ثائرة مُثَقَّلة بالغضب هكذا هو الفيتوري، أبرز ما يطبع شخصه أنه انسان شموس، مُستفَز، بل حاضر للاستفزاز، لما ينطوي عليه من روح معذبة وكبرياء مجروحة. شخصية متوترة استفزازية غاضبة حانقة متمردة ثائرة على كل شيء، اللون التمييز العنصري، الحب، الاسترقاق، الاستعمار، الهوية المذوّبة، الشعر. ثورة عارمة متأججة بنار ما يختلج وجدانه من تناقضات، الاسترقاق والسيادة، الأسود والأبيض، العبودية والحرية. شاعر مطبوع بموهبة متوهجة متدفقة الوجدان والوجد، الهدوء والعنف، وحمى السؤال والتخبط. لا يقتصد الشاعر في إحضار كل الرموز الثورية من شخصيات وأماكن: لومومبا ونكروما قائد ثورة العبيد والسلطان تاج الدين ومانديلا وعمر الكونغو وستانلي فيل وجميلة بوحيرد:
« لا تطرقي رأسك يا جميلة/ لا تخفضي جبهتك النبيلة/خُوّف جنود الإمبراطورية/ قفي بوجه العذاب / شامخة بالعذاب.
بُعد العروبة
«شاعر التخوم،لا ينتمي إلى وطن نهائي، فهو يقيم على تخوم الخريطة العربية والأفريقية وعلى تخوم العروبة والزنوجة أيضا». عاش الفيتوري ابنا للوطن العربي بأسره، «لم يكن يستشعر انتسابا حقيقيا إلى وطن»، ولد في السودان ونشأ في القاهرة وعاش في ليبيا وعمل في بيروت واستقر في المغرب وورِي الثرى فيه. وعى على الحياة بكل متناقضاتها، واحتك بكل العرب، مطلعا على أزمات الأمة العربية، وأحداثها المتفجرة، مواجها إياها بإدراك إنسان معاصر. متعاملا مع أحداثها بفكر متحضر، يتصادم مع الأنظمة تارة، ويهادن تارة أخرى، مجتهدا في التعبير عن خلجات الأمة من خلال مشاعره الفردية وأحاسيسه، فتارة تراه يهاجم عبد الناصر في مصر وتارة يرثيه، ويمجد بن بللا في الجزائر، ويمدح الشابي التونسي، وينشد للعراق، ويرثي عبد الخالق محجوب ورفاقه، ويهجو الصادق المهدي في السودان، ويكتب عن حرب بيروت وأطفال الحجارة في فلسطين، والقذافي في ليبيا، فالجماهير عنده «مصدر الفن والفكر والحياة والتاريخ، وهي تيارات نهر الإنسانية العظيم الذي لا يتوقف».
«حين يأخذك الصمت منا / فتبدو بعيدا../ كأنك راية قافلة غرقت / في الرمال/ تعشب الكلمات القديمة فينا/ وتشهق نار القرابين/ فوق رؤوس الجبال/ وتدور بنا أنت/ يا وجهنا المختفي حلف ألف سحابة/ في زوايا الكهوف التي زخرفتها الكآبة/ ويجر السؤال، السؤال/ وتبدو الإجابة نفس الإجابة».
ولفلسطين يقول: «ليبقى كل بطل مكانه/ولتصعق الخيانة/ولتخرس الرجعية الجبانة/فالشعب سوف يغسل الإهانة».
البعد الصوفي
بعد نكسة 1967 كتب الشاعر الفيتوري مجموعه «معزوفة لدرويش متجول» صوّر من خلالها الدرويش الصوفي حين ينتابه القلق والشك في وحدته وضياعه تماما مثل المريد الذي يتعلق بشيخه رغبة منه في المعرفة. وتصوفه فلسفة حياة تهدف إلى الارتقاء بالنفس الإنسانية أخلاقيا وتتحقق حد الفناء في الحقيقة الأسمى، لأنها فلسفة وجدانية الطابع وذاتيته. فالتصوف في جانبه السلوكي هو أقرب إلى التصوف الديني، أما باعتباره نظرة للحياة فهو فكر وفلسفة، كما نراه عند الفيتوري، فعندما تخلص الشاعر من عقدة اللون ومن نبشِهِ في الذات الأفريقية المعذبة وأحاسيس الحقد والنقمة، دخل إلى عوالم الوجدان الصوفي، وراح ينظر في داخله، ليفجر ما بداخله من قوى روحية مؤسسة على تراث ثر فيصعد بالإنسان نحو الإلهي، يرفع الناسوت إلى اللاهوت محاولا ترقية العبد من درجته إلى درجة تليق بمقام الإنسان في حضرة الذات الإلهية، أمر ليس بغريب على من نشأ في بيت تتلى فيه الأذكار وتقام فيه الحضرات وهو ابن شيخ السجادة الشاذلية:
«في حضرة من أهوى/عبثت بي الأشواق/حدقت بلا وجه/ورقصت بلا ساق/وزحمت براياتي وطبولي الآفاق/عشقي يفني عشقي/وفنائي استغراق/مملوكك لكني سلطان العشاق».
إنها حالة وجد وما تمثله من وحدة كونية ورمز للتوحد مع الحقيقة المطلقة والفناء، فالله هو الحقيقة المطلقة والصوفي هو من يجتهد من اجل الفناء: أي امّحاء الذات البشرية الفردية في الذات الإلهية:
«شحبت روحي صارت شفقا/شعّت غيما وسنا/كالدرويش المتعلق بقدمي مولاه أنا/أتمرغ في شجني/أتوهج في بدني/غيري أعمى مهما لن يبصرني/فأنا جسد…حجر». وهو كالصوفي هنا يستعد من أجل الحضرة لأن ما يسمى بالشهود (حدقت بلا وجه) والفناء (صارت شفقا) هما آخر الطريق إلى الحضرة: أي إلى المثول أمام الحقيقة المطلقة والذات الإلهية، وهذا لا ينتج إلا عن حالة وجد، فحالة الشهود والغياب في الوجد، والفناء في الحضرة إنما هو دنو من ذات الحق من فرط المحبة ومن فرط الرغبة في المعرفة. «قنديل زيتي مبهوت في أقصى بيت في بيروت/أتألق حينا ثم أرنّق ثم أموت».
الفيتوري بتجربته الصوفية هذه يبحث عن النور وعن (عمق الحياة) والفن والجمال والحب، ظمئ لصوفية فكرية فهو فنان، وللفنان أقباس من السماء يبحث بها عن نشوته الروحية، عساه يجدها في الفكر والمعرفة.
شاعرة وباحثة من فلسطين
شادية حامد