من التوصيفات الدارجة لدى الكثير من القراء، دون استثناء الشعراء منهم، عند قراءة النتاج الشعري لأنسي الحاج، هو التباس القصيدة على حساب متعة القراءة. وفي أحسن الأحوال، حصرُ هذه المتعة في زوايا متفرّقة مشرذمة، في جملة هنا، ومقطع هناك، من هذا النتاج الممتد على طول ست مجاميع شعرية. قراءة شعر أنسي الحاج تبدو في معظم الأحيان، كالتفرّج على سماء ضبابية تزيّنها تلك النقاط المضيئة الجميلة.
والحال، أن هذه الزاوية في النظر، تفتقد السياق التاريخي الأدبي لتجربة، هادمة في الأساس، شكّلتْ منعطفاً حاداً في الكتابة الشعرية العربية. وضمن هذين المعْلَميْن: الرغبة في الهدم، والتطلّع إلى إحداث انعطافة دائمة، تبدو المتعة هدفاً ثانوياً، لم يكن أنسي الحاج في رأيي، مهتمّاً كثيراً في تحقيقها.
تاريخ قصيدة النثر بعد المجموعة الأولى للحاج «لن» (1960)، ليس كما قبلها بالتأكيد. بدأ الهدم والانعطاف بها، وأُعلن عنهما بشكل علني ورسمي في الإعلان/ المقدمة الشهيرة التي استهلّ بها الشاعر مجموعته. اكتملتْ عملية الهدم في المجموعة الثالثة «ماضي الأيام الآتية» (1965)، والتي حاول فيها الحاج، بعدما استنفد أدوات وأهداف تكسيره اللغوي والمعنوي، التحوّل نحو البناء، نحو كتابة شعرية يهمّها تشييد المحتوى وليس تحطيمه. كتابة البناء هذه استكملها في مجموعات «ماذا صنعت بالذّهب ماذا فعلت بالوردة» (1970)، «الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع» (1975)، و»الوليمة» (1994). يبدو هذا الانتقال واضحاً في «ماضي الأيام الآتـية» التي يشـــوبها اضـــطــراب المحطات الانتقالية، وتبدو عليها أعراض انفصام الهوية. هذه المجموعة كانت الجسر الذي حاول الحاج من خلاله العبور من هاجس النظر إلى الوراء، إلى هاجس التطلّع إلى المستقبل.
٭ ٭ ٭
الكلام السابق على غياب المتعة، حول ما يمكن أن نسمّيه المرحلة الأولى (الهادمة) من تجربة الحاج، ليس غايته التقليل من أهمية هذه المرحلة، بل على العكس. فغياب الهاجس الجمالي يترافق في معظم الأحيان مع التحولات التاريخية في الأدب. عند صدور مجموعة «لن»، كانت قصيدة النثر ما زالت تصارع وجودياً أشياء كثيرة: الشرعية، والانتشار، والإيديولوجيا، والذائقة الشعرية السائدة. ومن أجل تحقيق الانتصار، كان لا بدّ للحاج، ومجلة «شعر»، من السير في طريق تصادمية، الأولوية فيها لمعول التحطيم. الإرث الشعري العربي، المسنود بإرث لغوي قرآني، وتقاليد شعرية عربية راسخة في القدم، لم يترك مجالاً إلّا لهذه الراديكالية الصدامية، وهذه الرغبة في الغرابة المشهدية وإعادة النحت النحوي واللغوي، السمتان اللتان تميزان المجموعتَيْن الأوليتَين «لن» و «الرأس المقطوع» (1963)، وقسماً من «ماضي الأيام الآتية». كان هاجس الحاج في ذلك الوقت تمهيد الأرض وليس تعميرها، الهاجس الذي نستشفّه في شهادة له كتبها العام 1988، ونشرها نوري الجراح لاحقاً؛ فيها يقول: «كنت أريد أن أجعل قصيدة النثر صعبة حتى لا تُبتذل… تلك الأيام شهدتْ قولاً شائعاً يرى في القصيدة الجديدة رد فعل على صعوبة الوزن، الأمر الذي ألجأهم إلى النثر… وكان جوابنا أن نمعن في تصعيب شروط قصيدة النثر».
ومع أن «لن» لها امتياز الأسبقية والمقدمة، إلّا أن مجموعته الثانية «الرأس المقطوع» تذهب أبعد في عملية تشريس القصيدة، وسَرْيَلتها [من السوريالية]، وفي مهمة تحطيم المعنى. «الرأس المقطوع» هي الضربة الأقوى التي وجّهها الحاج إلى الذائقة والماضي.
لا بدّ هنا من التعريج سريعاً على المسار التاريخي لقصيدة النثر قبل الحاج. المسار الذي كان الـمُمهِّد للوصول إلى نقطة الانعطاف التي جسدّها هو، ومجلة «شعر».
فالحاج، كما هو معلوم، لم يكن أول من كتب قصيدة النثر. الإرهاصات كانت كثيرة، بدأت منذ العام 1910 لِـما اُصطلِح على تسميته بـ»الشعر المنثور» في المجموعة الشعرية «هتاف الأودية» لأمين الريحاني، ولا تنتهي بمجموعات شعرية نثرية لأورخان ميسّر وعلي الناصر، لويس عوض، ثريّا ملحس، حسين مردان، فؤاد سليمان، ألبير أديب، سليمان عوّاد، وطبعا توفيق صايغ، إضافة إلى آخرين. صدور «لن» كان تتويجاً ولم يكن ريادة. لكنه كان التتويج الذي أحدث الخرق الأخير والأكثر نفاذاً.
أسباب عدّة ساعدت الحاج (ومجلة «شعر») على امتلاك هذا الدور التاريخي. أولاً: نضوج اللحظة، بعد التراكم الذي سبق ذكره في الشعر المنثور، إضافة إلى التخلخل السابق للشكل التقليدي للقصيدة العربية تحت أثر حداثة التفعيلة. ثانياً: خرجتْ قصيدة النثر هذه المرة من منبر إعلامي مؤثر، ومركز مديني ثقافي، وجماعة أدبية متناسقة إلى درجة ما. يعترف الحاج في الشهادة السابقة نفسها بدور مجلة «شعر» التي كانت تصدر في بيروت، في الدويّ الذي أحدثته «لن» ومقدمتها، والذي ما كان ليحدث من دونها (حسب شهادة الحاج). ثالثاً وأخيراً: الوعي النقدي المدعوم بشرعية غربية. فوجود الحاج ضمن جماعة أدبية حداثية (خصوصاً تشجيع يوسف الخال بحسب شهادة الحاج نفسه)، إضافة إلى المرجعية النظرية التي وفرتها أطروحة سوزان برنار النقدية «قصيدة النثر: من بودلير حتى الوقت الراهن» (اعتمد عليها الحاج في مقدمته)، والترجمات الشعرية التي نشرتها مجلة «شعر»، والأسماء الأدبية الفرنسية التي تم استحضارها في مقدمة «لن»؛ كل ما سبق تم الاستناد عليه لشرعنة قصيدة النثر، وإثبات مكانتها الأدبية. كان الوعي النقدي لدى الحاج ومجايليه عالياً. ويمكن القول أن وعي الحاج كان الأكثر صفاء والأكثر تصالحاً مع ذاته. لم يجد غضاضة في الإقرار بأن قصيدة النثر هي منتج غربي تمّ استيراده. كان يعتبر هذا تجديداً. وكان أكثر من غيره، بعيداً عن الوقوع في فخ الثنائية العبثية: التغريب والتحديث. يقول في حوار أجراه معه كامل صالح العام 1994 (نُشر في السفير شباط/ فبراير 2014): «لا أشعر بضرورة استنباط مرجعية تراثية لأعطي قصيدتي شرعية… أنا أختلف مع أدونيس في هذا الموضوع، فهو يريد أن يجد جدوداً له في الشعر العربي، وكأنه متهم. أنا لا أشعر أني متهم… إذا كان التجديد جريمة، فأنا مجرم… لماذا الرغبة في افتعال مراجع عربية لحالات حديثة؟».
٭ ٭ ٭
كما ذكرنا، لم يكن الحاج وحيداً في مجابهته لجدران التراث. لا يمكن إغفال دور بقية أعضاء مجلة «شعر»، لكن ربما كان الأكثر حرية، وذكاءً. بسبب هذا الذكاء كان تحوّل الحاج الأسلوبي، الذي بدأه في «ماضي الأيام الآتية». بعد هذه المجموعة، بدأ الغبار يقلّ والأفكار تتوضّح. لم تعد الجمل والأفكار بنفس التوتر والقلق. بدأتْ ملامحُ تماسكٍ تظهر. الحالة الوجودية التي كانت سلبية في السابق، تحوّلتْ نحو إيجابية تمجيد المرأة والحب.
مع ذلك، كان قلم الحاج كأنه قد تعوّد على أسلوب لم يعد بالسهولة التخلّص من آثاره. بدا ذلك واضحاً في مجموعته الأخيرة «الوليمة»، التي لم تقدّم لقصيدة النثر مساهمة صريحة. فالطوابق الأجمل لعمارة قصيدة النثر العربية، ستبنيها أجيال قصيدة النثر اللاحقة للحاج. ولذلك، تبقى في رأيي، المرحلة الأولى من شعر الحاج هي روح وقلب ومصير تجربته، هو الذي يشتكي في مقابلات عديدة من «عدم دراسة شعره جوّانياً»، وعدم تقييم محتوى تجربته بشكل نقدي عميق. ولكن في الحقيقة، التقييم الأكثر إنصافاً وتخليداً للحاج هو داخل الشكل وليس خارجه. لقد كان من الجيل الذي أزال الحاجز أمام الطريق، لتسير فيها من بعده أجيال قصيدة النثر السبعينية وما بعدها. لم يستطع هو المضي في الطريق بعيداً. ولكن لم يكن أحد ليستطيع السير فيها لولاه.
٭ ٭ ٭
في لقاء قديم جمعني مرّة مع ناقدة سورية معروفة، قالت ما معناه أنّ مَن توجهوا إلى كتابة قصيدة النثر، إنّما فعلوا ذلك بسبب عجزهم أمام الوزن. طبعاً الفكرة السابقة، تفضح سوء فهم عميق لتاريخ التجربة الشعرية، وأسباب ظهور قصيدة النثر. هي فكرة تقليدية دوغمائية بامتياز، بعيدة عن حيادية النقد. كتابة الشعر نثراً هي في الحقيقة موقف من الشعر، واللغة، والعالم، لا يمكن تجنّبه. هو موقف كياني كما عبّر الحاج نفسه: «إنّ عجزي عن الالتزام بأوزان خارجية صارمة هو عجز كياني… كنتُ أشعر لدى خوضي النظم بأني أمثّل… نثري هو شعري بمعنى أنه شخصيتي» (الأخبار- 30 تشرين الأول/ أكتوبر 2010).
هذه القصيدة التي دشّن الحاج عصرها لم تتوقف عن التطوّر، أو لنقل التحوّل. لا يهم الاستسهال الذي يشتكي منه كثيرون، هذا حدث ويحدث مهما كان الشكل، والشعر الحقيقي لا يخبّئ رأسه. التحوّل الذي أقصده، هو ذاك الموازي لما اعتبره البعض انتقالاً من الحداثة إلى ما بعد الحداثة. من الحدود الواضحة إلى التشظّي. من الفصْل إلى التداخل. فكما انتهى عصر الإيديولوجيات الصافية، تغيم حدود الأجناس الأدبية وتبهت. قصيدة النثر تقف في رأس هذا التحوّل في الكتابة الأدبية. نحو كتابة متعدّدة المصادر ومتداخلة الأشكال. كتابة تكره التصنيفات القاطعة. أيّ في النهاية، كتابة فوق التصنيف، يلهث وراءها النقد.
فادي سعد