الولوج لعوالم الكتابة يحتاج إلى مئات المقالات وعشرات الكتب وعين متفرسة ومسؤولية إضافية وذوق رفيع ورادار أدبي له قدرة خارقة على الاستشعار لرصد هذه الظاهرة المسماة معين بسيسو، حنجرة الأرض وشاعر المقاومة.
كما أن الدخول في تفاصيل هذه يتطلب الإمساك بمفاتيح عدة للمرور من خلال أبوابها المتعددة، فهل هو الشاعر الثائر؟ أم الثائر الشاعر؟ أم الروائي المسرحي؟ أم السياسي الحزبي؟ أم هوصعلوك القبيلة الذي انحاز للفقراء فخرج شاهراً منجله ومتأبطاً ِشعره؟
جمع معين بين العمل الثوري والفكر التقدمي وأدرك مبكراً أهمية الدور الذي يلعبه الشعر وبأنه ليس أدباً للصفوة، بل هو ثقافة جماهيرية يمتلك عنصرأ كونياً يجعله يسمو على الإقليمية والقومية والمحلية والعرقية والطبقية، فاستقل قطار الإبداع وانطلق به بعيداً عن كل الخطوط المعدة له سلفاً، شراعه القلم وسفينته الورقة وصوته الريح، فكانت حروفه سوطاً من نار تلسع الجلادين، وصرخة مدوية من أجل تحرير الإنسان من الاستلاب ولمسة حنان لملايين المعذبين، وبعثا لروح المقاومة وإيقاظا للنائمين من سباتهم الطويل وتعبيراً عن واقع الجماهير، وكانت كلماته مصارحة لها بقضية الحرب والكفاح على الصعيد العملي الحقيقي لا على صعيد الشعارات ومهرجانات الأقنعة والرياء والتخدير، فتبعته الجماهير ورددت أشعاره وعممتها.
لم تقف محنة السجن الطويلة والمريرة والفترة التي قضاها حبيس الزنازين ثمناً لمبادئه وقناعاته ومواقفه الوطنية المشرفة، حاجزاً في طريق كتاباته وإجهاض موهبته، ولم تجعله ينزوي في الظلام والظلال، بل كانت حافزاً للمزيد من إبداعه الشعري ومخاضاً للخروج من اليأس إلى الأمل وإلى المستقبل الذي يحمل التجدد والانبعاث والحياة، فكتب قصائده بالدم والحبرالأحمر على جدران الزنازين وخيام اللاجئين وأربطة الشاش البيضاء، فوق الرمل والثلج وفوق ماء البحر وبالجمر فوق أفق الحريق، وعلى أكياس الرمل والمتاريس، مستخدماً الأبجدية معولاً للبحث عن الحقيقة ولهدم قلاع الظلم، فكانت سلاحاً فتاكاً في وجه المستغلين ونصيراً للكادحين والمظلومين والضحايا والفقراء، في قدرة فنية فائقة في إبداع الأسلوب والمضمون ولم يمنعه التزامه العقائدي عن الإمساك بالخيط الرفيع الذي يفصل بين رؤية الأديب الملتزم إنسانياً ورؤية المناضل والثائر فلم تكن كلماته بياناً ثورياً، بل كانت أدباً ثورياً تعبوياً تناقلته الأفواه ورددته الحناجر واختزنته الذاكرة الجمعية.
سبعة وخمسون شتاءً تعاقبت على معين بسيسو ابن حي الشجاعية في مدينة غزة، والثائر الأممي في الجسد الفلسطيني، قضاها في رحلة بحث مريرة عن معنى أوسع للحرية في مشوار حياته الذي قضاه في حالة نضال واعتقال، مطارداً في المنافي ومتنقلا بين المطارات والعواصم في حالة سفرٍ دائم، من شوارع غزة وهو يشعل المظاهرات ويقودها بصدرٍ عارٍ في مواجهة الرصاص الحي، ضد مشروع توطين أبناء الشعب الفلسطيني إلى تجربة الاعتقال في السجن الحربي الرهيب في القاهرة «كنت قد اعتقلت في غزة إثر تظاهرات اشتعل بها القطاع ضد مشاريع إسكان وتوطين اللاجئين الفلسطينيين في سيناء، كانت المرة الأولى التي أدخل فيها إلى الزنزانة وأجلد فيها بالكرباج، حبال الكرباج المجدولة من أسلاك التليفون أحسست أنها قد رسمت على ظهري إلى الأبد خريطة الوطن».
تنقل معين من منصات الخطابة والشعر إلى متاريس وخنادق المقاومة، متمنطقاً مسدسه وشاهراً شعره بخصوصية الثائر وعنف المقاوم ورقة الشاعر من معركة وحصار مخيم تل الزعتر «أرسمي من دمي ومن أصفادي/ يا أيادي خريطة لبلادي»، إلى مواجهته الفاعلة للحصار الصهيوني لبيروت «لن تدخلوا بيروت/ كل كيس رمل/ كل صخرة/ كل موجة في بحرها تابوت» إلى أرصفة المطر والتشرد والغربة مروراً ببغداد ودمشق وموسكو والقاهرة وطرابلس، كان مُعين مَعيناً لا ينضب من المقاومة، وجمرة متقدة من الإبداع الشعري والأدبي وطائر رُخ أسطوري، كان مسافرا باستمرار عبر العصور والأزمنة في سماء الحرية وفوق أعناق الجلادين وأقبية الزنازين السوداء، يأخذه المنفى لمنفى آخر، المتراس بوصلته وفلسطين وجهته.
بلغت أعماله الأدبية أكثر من أربعين عملاً ما بين شعر ونثر ومسرح وإذاعة ومئات المقالات التي لا تزال حاضرة في جسد الأدب الفلسطيني والعالمي، ترجمت إلى العديد من اللغات العالمية كالروسية والألمانية والإنكليزية والفرنسية واليابانية والفارسية، وتعد ملحمته الشعرية «القصيدة» التي اشتهرت بين القراء بـ»سفرٌ سفر» التي أتم كتابتها قبل رحيله بشهرين، من أعظم ما كتب، وإن لم تأخذ حقها في الانتشار والنقد، فقد كانت بمثابة إلياذة فلسطينية ونبوءة شعرية ووصية مقدسة وشهقة احتضار، نزفها الشاعر حروفاً ونحتها كلمات كانت قد اختمرت في ذاته ونضجت خلال زمن طويل، كما ينضج الماس في باطن الأرض ببطء واستمرار، في ملحمة شعرية قاربت الألف بيت مليئة بالصور والرموز والتجسيد والتجريد وتوظيف للتراث والعناصر التاريخية، يتشابك فيها الماضي مع الحاضر والموروث مع الإبداع في جمل قصيرة متوترة على طريقة مسرحية الشخص الواحد وأسلوب القصيدة الدائرية المغلقة التي تنتهي إلى حيث تبتدئ، فيها يبدأ الشاعر بالسفر وينتهي أيضاً بالسفر، قدره وقدر كل فلسطيني. سفر إرغامي من الميلاد إلى الموت وسفر دائم للحرية وللوطن «سفر الهداهد في القصائد/ سفر الثعالب في عناقيد الدمِ» سفر الموت والغربة والمرض وسفر الشمس والحقول والأرض التي لم يزرها بعد.
عاصر معين في عاميه الأخيرين بحزن مرير حربين وحصارين وشاهد تخلي الأصدقاء وتناحر الرفاق وانحراف فوهة البندقية عن هدفها وانكسار الحلم، ولأن أحزان الشاعر لا يمحوها الزمن، بل يختزنها القلب حين يصبح قلب الشاعر هو قلب العصر ووجدان الأمة فقد شاخ معين بسرعة وكبر في عامين ألف عام، وجرفه نهر الحزن الذي لا عودة منه وهو يستشرف زمن الانهيار العربي المقبل، كالعراف الذي يرى المأساة سلفاً، لكنه لا يملك لها دفعاً فألقى على الملأ قصيدته الأخيرة في الأسبوع الثقافي الفلسطيني في لندن وتناول عشاءه الأخير «هذا العشاءُ هو الأَخيرُ على موائدِكُمْ/ وإنِّي الآنْ الآنَ أعرِف آكِلي لحْمَ الخُيولِ الميِّتهْ/ لَحْمَ المَراياَ الميِّتَهْ /لَحْمَ الرِّياحِ الميِّتَهْ» وخلد في صمت إلى الموت في غرفته الفندقية واضعاً على باب الغرفة شارة (عدم الإزعاج) ولم تكتشف وفاته إلا بعد مرور ثمانٍ وأربعين ساعة.
سافرمعين ابن الريح والتراب والصيف العربي الحار عن سابق تصميم وتصور سفره الأبدي في ضباب لندن وليلها البارد على هديل الحمام الحزين «سلاماً أيها المتراس/ الآن كيفَ ترى لأرضكَ/ كلّما زدّتَ اقترَاباَ/ كلّما زدّتَ اغتراباَ/ الآن كيفَ تَرَى لِنَجْمِكَ/ كُلَّما زادَ ابْتِعَاداَ/ كلّما زدْتَ امتدادا».
معين أيها الحزين حتى الضحك، الشرس حتى العذوبة، يا من فرقته الجغرافيا فاحتضنته القصيدة فسكنت بيتاً من الشعر لا من الحجر، وأكلت الكلمات بدلاً من الخبز، يا وجه طفل وعينين من عسل ومرمر، وجذع سنديانة، سعيد من له مرقد قلب في عالمك وسلام على روحك في ذكرى سفرك الثالث والثلاثين.
استشهد الماء ولم يزل يقاتل الندى
استشهد الصوت ولم يزل يقاتل الصدى
وأنت بين الماء والندى
وأنت بين الصوت والصدى
فراشة تطير حتى آخر المدى
كوبنهاغن ـ هشام عمار :