في الذكرى الرابعة للثورة التونسية… تكريم الشهداء بالكشف عن قتلتهم

حجم الخط
1

اتّصل بي محام فرنسي يسألني إن كان بإمكاني مساعدته في الاتصال بأسرة الشّهيد حاتم بن الطاهر، ليرفع قضيّة في فرنسا ضدّ الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، الذي أعطى الأوامر بإطلاق الرصاص على المتظاهرين في تونس.
كان ذلك قبل يومين اثنين من فرار بن علي من البلاد، فقد استشهد الدكتور حاتم بن الطاهر يوم 12 يناير 2011 ، عندما شارك في مسيرة بمدينة دوز، مسقط رأسه، في إطار التحركات الاحتجاجية التي اجتاحت البلاد خلال تلك الفترة. وأصيب في رأسه وصدره برصاص رجال بن علي، ومات على الفور. لكنّ شقيق حاتم أجابني أنّ الذي يهمّ أسرته هو الكشف عن الجاني ومحاكمته في تونس وليس خارجها. كان حاتم يدرّس في الجامعة الفرنسية، وقرّر قبل سنة واحدة من استشهاده أن يعود إلى بلاده ليدرّس، ولكنّ الأجل عاجله وهو في عزّ العطاء. وعندما عرضت الحكومة التونسية على أسرته فدية مالية، رفضت الأسرة تسلّمها، وقالت إنّها لا تطلب مالا، ولكنها تريد كشف الحقيقة، ومحاكمة الجاني. هكذا ردّت بعض أسر شهداء الثّورة في تونس، على الفدية المالية التي عرضت عليها. ورفعت القضايا في مختلف المحاكم ضدّ القتلة، ولكنّها رغم مرور أربع سنوات، مازالت إلى اليوم مفتوحة أمام القضاء، لأنّ ذوي الشهداء، يبحثون عن أحكام في حجم الجريمة، تدين قتلة أبنائهم، وهو ما لم يظفروا به بعد.
تقول فاطمة الورغي، إنّ ابنها أحمد )24 عاما(، استشهد عندما قدم من السويد لزيارة أسرته، فقد خرج ليلا مع أبناء الحيّ )حي مونفلوري بالعاصمة( لحراسة خزّان الماء، فأصابه رصاص قنّاص، وأرداه قتيلا. وتضيف اشتكيت إلى القضاء، ولكن القاتل ظلّ طليقا، وصدر ضدّه حكم بأربعة أشهر سجنا، مع تأجيل التنفيذ. لكنّني سأواصل المطالبة بمحاكمة عادلة.
إنّ الكشف عن القتلة، والجهة التي أمرت أو سمحت بإطلاق الرصاص على المتظاهرين و»المشبوهين» أيّام الثورة، سرّ مازال بعيد المنال عن مهد الرّبيع العربي، الذي انطلقت شرارته قبل أربعة أعوام. هذا واحد من الأسباب التي أدّت إلى حصول ضجيج وصخب واحتجاجات من أسر الشّهداء التي حضرت إلى قصر الرئاسة بقرطاج يوم 14 يناير الماضي، في حفل إحياء الذّكرى الرابعة للثّورة. وهذا ما جعل عددا غير قليل من هذه الأسر ترفض الحضور هناك، رغم الدعوات التي وجّهت إليها. لقد اختار حكام تونس الجدد ترتيبا آخر لأولويّات الحكم، وقدّموا «شهداء الإرهاب» على شهداء الثّورة، وهو ما يؤكّد أنّ الأولوية عندهم ستكون لمحاربة ما يعتبرونه إرهابا، وليس العمل على إرساء العدالة وحماية حقوق الناس وتحقيق أهداف الثّورة، إن كانوا يؤمنون بها أصلا.
شهداء الثّورة قتلوا برصاص رجال النّظام السابق وتعليماتهم، وعددهم يزيد عن الثلاثمئة شهيد. أمّا «شهداء الإرهاب» فقد اختصرهم احتفال الذّكرى الرابعة للثّورة، في ثلاثة أشخاص هم: شكري بلعيد، ومحمد البراهمي، ولطفي نقض، وأسقطوا من حسابهم – في هذه المناسبة على الأقلّ – بقية ضحايا الإرهاب من المواطنين العزّل والأمنيين والعسكريين. وإذا أجمع التونسيون على اعتبار كلّ من بلعيد والبراهمي، شهيدين من ضحايا الإرهاب السياسي، الذي استهدف ضرب استقرار تونس وأمنها، عندما صبّ فيهما الجاني رصاصا في وضح النهار، ولاذ بالفرار، فإنّ خلافات كثيرة حصلت حول أسباب وفاة لطفي نقض، منسّق حزب «نداء تونس» في مدينة تطاوين، الحزب الذي أسّسه الرئيس السبسي. ويقول كثيرون إنّه مات بسكتة قلبية، وإنّ رياح السياسة منحته رتبة شهيد. كما أنَ رياح السياسة ذاتها، جعلت من ثمانية إسلاميين من أبناء المدينة، متّهمين في قضية وفاته، رغم ما عرفوا به من اعتدال في الفكر والسّلوك، على رأسهم الدكتور سعيد الشبلي، المدرّس والناشط الحقوقي. ومازال المتّهمون في السجن منذ أزيد من عامين، رغم وجود تقرير طبي يؤكّد أنّ الوفاة كانت بسبب سكتة قلبية، ورغم صدور قرار قضائي بإخلاء سبيلهم. بينما أخلي سبيل جميع رجال بن علي الذين وقع إيقافهم وسجنهم بعد الثّورة.
هذا ما دفع ذوي الشهداء الذين حضروا إلى قصر قرطاج – رغم قلّة عددهم – إلى الاحتجاج، أمّا الآخرون، فقد اختاروا أن يحيوا الذكرى بعيدا عن القصر الرئاسي.
إنّ تعمّد التغطية على قتلة شهداء الثّورة، وعدم محاسبتهم على ما فعلوا، يعمّق الشكوك والمخاوف، في مدى احترام سلطات البلاد للأهداف التي قامت من أجلها الثّورة، وأهمّها ضمان الحقوق والحريات، وضمان العدالة.
هذا ما سجّل أيضا في محاكمة المدوّن ياسين العياري الذي انتقد المؤسسة العسكرية في كتاباته في شبكة التواصل الاجتماعي «الفيس بوك». فقد تمّ اعتقاله من المطار عندما قدم من فرنسا لزيارة أسرته، وصدر ضدّه حكم بالسجن النافذ لمدّة سنة، من محكمة عسكرية، في خرق واضح لنصوص الدستور الجديد الذي يخصّ المحاكم العسكرية بمقاضاة العسكريين فقط. وكان يمكن إسعاف هذا الشاب النشيط، بمراعاة حالته الشخصية والعائلية، خصوصا أنّ جرح فقدان والده مازال ينزف. فهو ابن الشهيد العقيد الطاهر العياري، الذي باغته رصاص الإرهاب وهو يؤدّي واجبه العسكريّ، في ما يعرف بأحداث الروحية سنة 2011.
والأغرب أنّ كثيرين انتقدوا المؤسسة العسكرية قبله، ولم يتابعوا قضائيا، بل أنّ القائد الأعلى للقوات المسلّحة، الرئيس منصف المرزوقي، وجّهت له خلال السنوات الثلاث الماضية، انتقادات قاسية وتهم خطيرة لا أساس لها في الواقع، تمسّ هيبة الجيش الوطني، ولم يقع فيها متابعة أحد قضائيا.
من جهة أخرى، كانت احتجاجات جرحى الثّورة، والمطالبة بأن تتكفّل الدولة بمواصلة علاجهم، من بين أهمّ المطالب التي رفعت خلال تظاهرات يوم 14 يناير الماضي في العاصمة. فعدد منهم مازال يعاني، وحياته مهدّدة، لمضاعفات الإصابات التي تلقّوها من حراس نظام بن علي، ولكن لا مجيب على استغاثاتهم.
هذا القلق على الحقوق والحريات، أصبح جديا في تونس، خصوصا أنّ الأحزاب السياسية التي كانت تجعل من الحرية والعدالة هدفا تستميت في الدّفاع عنه، جنحت الآن إلى الصّمت عن هذه التجاوزات، وعمدت إلى تجاهلها، بحثا عن موقع لها في المعادلة السياسية الجديدة. لقد أصبح التنكّر لأهداف الثورة ورجالها وجرحاها، واقعا يوميا لا يقوى على إنكاره أحد في تونس.

٭ صحافي ومحلل سياسي تونسي

علي بوراوي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية