كانت العمليات الحربية ما زالت مستمرة في منطقة المشرق العربي، بين قوات الحلفاء من جهة، والقوات الألمانية والعثمانية من جهة اخرى أثناء الحرب العالمية الأولى، مع ذلك فإن مجموعة من المفاجأت والإعلانات الصادمة أخذت تتوالى في التداول، وفيها ما يمثل إحباطاً لأمان عريضة واسعة لدى العرب في سعيهم الى الإستقلال والوحدة .إذ أن حبر الإتفاق والتفاهمات لم يكن قد جف بعد، بين الشريف حسين وبعض القيادات البريطانية على ما يمكن منحه للعرب إذا ما أعلنوا الثورة على العثمانيين، وإذا ما تم الوصول إلى إخراجهم من بلدان المشرق العربي. وبسبب ذلك فإن إعلان الثورة لم يتأخر، وتم إعلانه في 10 حزيران/يونيو من عام 1916، ومن مدينة مكة ومن قبل الشريف حسين بالذات.
إلا أن الأمور لم تسر حسب ما كانت تأمله الأماني العربية، لأن «طبيعة» المرحلة الإستعمارية، مع ما يقتضي ذلك من توسع واستحواذ على أكبر مساحة ممكنة من دنيا القارات المكتشفة وثرواتها، كانت بوصلات الإرشاد والتوجيه، وخطط السياسات لدى إدارات الدول الإستعمارية في تلك المرحلة.
إن القضاء على طموحات محمد علي باشا والي مصر، وتوسعه في بلاد الشام، وفي غيرها من مناطق المشرق العربي من قبل البريطانيين والفرنسيين – على سبيل المثال – في أواسط القرن التاسع عشر ونهاياته، لم يكن من أجل تدعيم أركان الدولة العثمانية والحفاظ على وحدتها. بل كان من نوع تسليف الديون آنياً، لتحصيلها أضعافاً مضاعفة في وقت لاحق.
هكذا تم عقد إتفاق سايكس – بيكو بين بريطانيا وفرنسا في عام 1916، وبتفاهم مع القيصرية الروسية لإقتسام «الممتلكات» العثمانية، ومن بينها المنطقة العربية، وهكذا تم الإعلان عن وعد بلفور البريطاني للصهاينة وذلك «بالعطف على أمانيهم لإنشاء وطن قومي لهم في فلسطين» في تشرين الثاني/نوفمبر من عام 1917. أي في فترة كانت فيها العمليات الحربية ما تزال مستمرة، وما زالت القوات البريطانية لم تدخل فلسطين بعد. هكذا كشفت الثورة الروسية على القيصرية في عام 1917، ما كان مستوراً من إتفاقات بين الحلفاء، وكلها تصب على تقاسم ووراثة الدولة العثمانية- على سبيل المثال- في الأجزاء التي كانت تحتلها في اوروبا- البلقان- والمنطقة العربية وغيرها.
إذا كان وعد بلفور قد تم الإعلان عنه من خلال رسالة وجهها وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور الى روتشيلد، أحد كبار الزعماء الصهاينة في ذلك الزمان. فهل تم نشر الوعد رسمياً في فلسطين، والتي ستحل فيها نكبة إنشاء «الوطن القومي» لليهود، وعلى حساب أرض وممتلكات ووجود ناسها؟
ما تم تدوينه من وقائع تاريخية، أفاد بأن الوعد عرف ونشر في بلدان عدة، إلا أنه لم ينشر رسمياً في البلد المعني- فلسطين- وبقي طي الكتمان، الى أن تم دمجه بصك الإنتداب الذي قرره الحلفاء في مؤتمر سان ريمو في نيسان/ابريل من عام 1920، وتقرر فيه إنتداب بريطانيا لإدارة فلسطين، بعد ان أدارت البلاد منذ التاسع من كانون الأول/ديسمبر من عام 1917، حسب قانون الإحتلال من قبل إدارة عسكرية، كانت مرجعيتها تعود الى الفيلدماريشال ادموند اللنبي في القاهرة، وقد إرتأت هذه الإدارة عدم نشر نص وعد بلفور في فلسطين، إلا بعد دمجه بصك الإنتداب. فلماذا تم ذلك، ولأي سبب تم هذا الإحتراز؟
علماً بان بعض المصادر أشار الى ان نص الوعد نشر في القاهرة بتاريخ 9/11/1917، أي بعد اسبوع من إعلانه، كما أن الصهاينة في القاهرة والإسكندرية وبعض تجمعاتهم في فلسطين- على سبيل المثال- أقاموا إحتفالات صاخبة في منتدياتهم ونواديهم إحتفالاً بصدور الوعد.
في أيار/مايو من عام 1920، وبعد مرور نحو سنتين ونصف السنة على إعلان وعد بلفور، وقبل أسابيع قليلة من إنهاء الإدارة العسكرية في فلسطين، فإن الجنرال لويس بولز الحاكم العسكري لفلسطين، أعلن وأثناء إجتماعه بأعيان مدينة نابلس- هناك مصادر أخرى ذكرت ان الإعلان تم في 20 شباط/فبراير من عام 1920 أثناء إجتماع الحاكم العسكري نفسه مع أعيان القدس، كما أن مصادر أخرى ذكرت أنه تم في 28 نيسان/ ابريل 1920- رسمياً عن الوعد، على أن يعني «عدم التعرض للعادات الدينية والأماكن المقدسة، وعدم تقييد شيء من الحرية الدينية، ويسمح للمهاجرين بدخول البلاد على قدر حاجتها الى النمو والإرتقاء، ولا يخرج أصحاب الأملاك الحاليون من أملاكهم ولا تنزع منهم، ولا تمنح إمتيازات إقتصادية لأفراد أو جماعات إذا كان في منحها ضررا لغيرهم، ولا يسمح بحال من الأحوال لأقلية أن تسيطر على الأكثرية من السكان» حسب ما ذكره الجنرال بولز في حينه. إلا ان الأقوال المهمة السابقة وغيرها كثير؛ ما كانت إلا من نوع الخداع الكبير والخطير، ومن نوع تبليع السم والتخدير والإيهام وبالتدريج وعلى جرعات، كي لا ينتفض الفلسطينيون، ولا يعلنون الثورة المباشرة على قوات الإحتلال البريطاني والصهاينة معاً، وهو ما أخذت تحمل به الأيام. وتتكون فيه الشرارات والإنذارات والوقائع، خصوصاً وانه وجد من بين الصهاينة من سعى الى تحويل فلسطين الى وطن قومي حقيقي لهم وفي أسرع وقت. لذلك فإنه إستمر في إستسناح أية فرصة للإعلان وتنفيذ خطوات عملية تخدم إقامة الوطن القومي الصهيوني في فلسطين، لذا فإن المناوشات والتصادمات أخذت تتوالى بين الصهاينة والفلسطينيين في مدن عدة من فلسطين: يافا، القدس، حيفا، نابلس. وغيرها لأسباب عدة، خصوصاً وأن الصهاينة لم يكفوا عن الإحتفال بمناسباتهم، ومن بينها الإحتفال بمناسبة منحهم وعد بلفور وإستفزاز الفلسطينيين.
لكن هناك من الأسباب أيضاً ما يجدر بنا ذكره: لا شك ان القوات البريطانية التي حلت مكان القوات العثمانية تعتبر قانوناً قوات احتلال، وهذا الأمر يرتب على قوات الإحتلال المحافظة على الوضع في البلاد المحتلة كما كان في أيام الإدارة العثمانية السابقة، في حين أن الصهاينة كانوا في غاية العجلة لتغيير الوضع لصالحهم. بالإضافة الى أن اعتراضات الإدارة الأمريكية، والتي طالبت بتقرير المصير للشعوب، وأرسلت لجنة كينغ- كرين كي تتحرى الوضع بنفسها وتقف على رغبات السكان ومطالبهم في المنطقة العربية.
إن ذلك… وغيره من أسباب وعوامل، ساهمت في تصرف الإدارة العسكرية بحذر في فلسطين، وأوجد لديها قناعة بأنه لا داعي لإستفزاز الفلسطينيين، أو قيادة الشريف حسين في مكة، او قيادة الأمير فيصل في دمشق، بنشر وعد بلفور في الأيام التي تلت صدوره، وانتظرت الى ان تم دمجه بصك الإنتداب الذي كرس بريطانيا لإدارة شؤون فلسطين من قبل الحلفاء وعصبة الأمم. مما اوجد «المسوغ القانوني» للإدارة البريطانية والتي حملت الصفة المدنية في تموز/يوليو من عام 1920 برئاسة هربرت صامويل- البريطاني الصهيوني المعروف- كي يشرف على الإدارة، ويقوم بتنفيذ وعد بلفور، حسب ما يرتأيه لمصلحة بريطانيا والصهاينة معاً. وعلى حساب الغالبية المطلقة من سكان فلسطين- كان الفلسطينيون العرب يمثلون نحو 93 في المئة من السكان- .
لجنة بالين تحقق في حوادث عام 1920
إذا ما كانت الإدارة البريطانية في فلسطين، إرتأت تأجيل نشر وعد بلفور رسمياً نحو سنتين ونصف لأسباب ذكرنا بعضها، ففي تقرير لجنة بالين- ترجم أحد كتابنا الإسم الى بالن- Palin – إرتأت الإدارة البريطانية تأجيل نشره لزمن طويل. وأورد كتابنا ومؤرخونا العرب تواريخ مختلفة عن زمان نشره، وبعضهم نفى نشره أساساً . فلماذا حصل ذلك، وما هو سبب تكوين لجنة بالين في الأساس، وما هي بعض بنود التقرير الذي كتبته؟
المعروف أن صداماً وقع بين الفلسطينيين العرب في القدس من جهة، وبين الصهاينة من جهة أخرى، بعد حوادث ومواجهات عدة قبل ذلك. وقد حدث صدام واسع أثناء إحتفالات النبي موسى في 4/4/1920 وذهب جراء ذلك قتلى وجرحى ومعتقلين وغير ذلك، وكتب الجنرال بولز الحاكم العسكري البريطاني يومذاك تقريراً الى قيادة الفيلد مارشال اللنبي في القاهرة، حمل فيه الصهاينة جانباً من مسؤولية ما حدث. إلا ان الإدارة البريطانية المركزية، ونظراً الى الشكاوى التي تلقتها من حليفتها القيادة الصهيونية، خصوصاً في ما يتعلق بما ذكرته الأخيرة من تهاون القيادة العسكرية البريطانية المحلية وتراخيها تجاه ما كان يجري، فإنها أرسلت الى فلسطين لجنة للتقصي والتحقيق، كان على رأسها الميجور جنرال بالين، والبريغادير وايلد بلد، والكولونيل إدواردز كعضوين، وعقدت جلسات عدة إستغرقت 50 يوماً، واستجوبت152 شاهداً ناطقين بما لا يقل عن ثماني لغات- حسب ما جاء في كتاب «التأسيس البريطاني للوطن القومي لليهودي» للدكتورة سحر الهنيدي- وأنهت اللجنة كتابة تقريرها في أوائل شهر تموز/يوليو من عام 1920، أي في اليوم الأول لإنتهاء عمل الإدارة العسكرية في فلسطين، وإستلام الإدارة المدنية زمام الأمور تحت قيادة هربرت صامويل.
فما الذي ذكرته المصادر العربية عن اللجنة وتقريرها، وما هي نصوص التقرير، وما هي أسباب عدم النشر؟
بالعودة الى مصادر عربية عدة، فإنني وجدت التالي في ما يتعلق بلجنة بالين وتقريرها:
– لم أجد أي معلومة عن اللجنة وتقريرها في الموسوعة الفلسطينية- المجلدات الأربعة الأساسية- وصدرت الموسوعة في عام 1984.
– ذكرت الدكتورة سحر الهنيدي في كتابها الوارد ذكره سابقاً «أن التقرير لم ينشر قط – كما ورد – وبقي وثيقة سرية يحظر على الجمهور الإطلاع على محتوياتها» ص 59. علماً أن الكتاب صدر في عام 2003، وهو رسالة دكتوراه مترجمة من الإنكليزية.
– أورد الدكتور تيسير جبارة في كتابه «تاريخ فلسطين» «درست اللجنة أقوال العرب واليهود ورفعت تقريرها السري الذي لم ينشر حتى عام 1947» ص 117. وذكر في هامش الصفحة نفسها « انظر تقرير بالين» أي أن التقرير أصبح معروفاً ومنشوراً، أو ربما أجزاء منه! علماً ان الكتاب صادر في عام 1998.
– جاء في كتاب «تاريخ فلسطين الحديث» للدكتور عبد الوهاب الكيالي، الصادر في عام 1970، ما يلي «الجدير بالذكر أن تقرير لجنة بالين ترك طي الكتمان، ولم يكشف النقاب عنه حتى عام 1968» ص 151.
فما سبب هذا الإختلاف في تاريخ نشر التقرير، أو الإطلاع على بعض فقراته؟ لا شك ان تقرير لجنة بالين قد تم إرجاء نشره، وبقي طي الكتمان لفترة زمنية طويلة وبأوامر من الإدارة البريطانية في لندن، كما وبأوامر من القيادة العسكرية في المنطقة العربية. إلا أن المصادر العربية إختلفت في زمن نشره بعد عشرات السنين من كتابته، أو ربما في نشر أجزاء منه، أو في إطلاع بعض الكتاب على فقرات منه. علماً أن الدكتورة سحر الهنيدي ذكرت في رسالتها أو اطروحتها التي نالت عنها شهادة الدكتوراة من جامعة مانشستر في بريطانيا في عام 1995»أن التقرير لم ينشر قط».
أي أن اطروحتها هي آخر ما اطلعنا عليه في هذا المجال. لذا فإنني اجتهد بأن فقرات من التقرير اطلع عليها الكتاب العرب الوارد ذكرهم أعلاه، وان ما ذهبت اليه الدكتورة الهنيدي هو الأقرب الى الصحة، لأن المصدرين السابقين اللذين أشارا الى التقرير وغيرهما- لم يوردا إلا شذرات قليلة منه لا تتعدى الأسطر القليلة.
فهل ما جاء في التقرير يجيب عن أسئلتنا السابقة، أي يكشف عن سر عدم النشر؟ جاء في ملاحق كتاب الدكتورة الهنيدي الوارد ذكره أعلاه مقتطفات من تقرير لجنة بالين منقولة من المصدر: Fo371/5121E9373 ومن بينها:
– الشعور بخيبة الأمل- لدى سكان فلسطين- نتيجة عدم الوفاء بالوعود التي أعطتهم إياها الدعاية البريطانية.
– العجز عن التوفيق بين سياسة الحلفاء المعلنة بشأن تقرير المصير وبين وعد بلفور، الأمر الذي أثار لديهم شعوراً بالخداع والقلق البالغ إزاء مستقبلهم.
– إساءة فهم المعنى الحقيقي لوعد بلفور، ونسيان الضمانات المحددة فيه، بسبب لغة السياسيين الطنانة الفضفاضة والتصريحات والكتابات المبالغ فيها من جانب الأشخاص ذوي المصلحة، ولا سيما الصهيونيين.
– الخوف من المنافسة والهيمنة اليهوديتين،وهو خوف يبرره واقع الأمر، وسيطرة الصهيونيين الواضحة على الإدارة.
– أعمال الطيش والإستفزازات الصهيونية، التي فاقم وعد بلفور المخاوف منها.
– إن اللجنة الصهيونية والمسؤولين الصهيونيين يتحملون مسؤولية الأزمة الحالية الى حد كبير، بسبب تسرعهم وطيشهم ومحاولاتهم الضغط على الإدارة.
– وضعت العراقيل بدرجة كبيرة أمام سياسة الإدارة، وذلك عن طريق التدخل المباشر من جانب السلطات البريطانية- المركزية- .
– إن حاكمية القدس العسكرية أخفقت في إتخاذ الإستعدادات الكافية لمواجهة إضطرابات محتملة في موسم النبي موسى، على الرغم من تلقي تحذيرات ومعلومات مستفيضة عن الموقف، وهو إخفاق قد يعزى الى الإفراط في الثقة التي سببها نجاح سلطات الشرطة في التعامل مع تظاهرات سابقة.
– إن الجيش أبطأ في السيطرة الكاملة على المدينة- القدس- بعد إعلان الأحكام العرفية.
– إن الموقف الحالي السائد في فلسطين، خطر الى أبعد حد ويتطلب معالجة حازمة ومتأنية إذا أردنا تجنب كارثة خطرة.
هل يمكن إضافة المزيد من الأسباب في عدم نشر تقرير لجنة بالين أيضاً؟
– هناك الكثير من الوقائع والأسباب التي أوردتها المؤلفة في كتابها، كما ويمكن الإجتهاد في إيراد غيرها. لكن من المهم التذكير بما قاله غيلبرت كلايتون في إحدى جلسات وزارة المستعمرات البريطانية. إذ أكد «أن السياسة الصهيونية كانت مجرد مظهر للسياسة البريطانية» وذكر نصاً:
«من الصحيح ان الصهيونيين استنكروا نشر تقرير لجنة التحقيق- بالين- بإعتباره ضاراً الى حد ما بقضيتهم، لكني أغامر بالقول إن النشر أيضاً غير مرغوب فيه، إذا أمكن تجنبه لمصلحة حكومة جلالة الملك، وسيفضي الى إحياء شعور العداء للصهيونيين، والتعريض بالصهيونيين هو تعريض بسياسة حكومة جلالته بصورة ما».
و… قالت العرب «عند جهينة الخبر اليقين» أو « وقطعت جهيزة قول كل خطيب»!
سليمان الشّيخ