في الذكرى الـ94 لتأسيس الجمهورية التركية… أردوغان يفرض نفسه «زعيما تاريخيا» مستغلا ضعف حزب المؤسس أتاتورك

حجم الخط
1

إسطنبول ـ «القدس العربي»: كما يفعل كل عام، تقدم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أمس الأحد، أركان الدولة وقادة المعارضة الذين زاروا ضريح مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك بأنقرة في الذكرى الـ94 لتأسيسها التي تحتفل بها البلاد على نطاق واسع.
لكن هذا المشهد لا يعكس بطبيعة الحال الوضع الحالي في البلاد التي شهدت سلسلة تغيرات على مدى العقود السابقة كان أبرزها العقد الأخير الذي شهد صعود نجم حزب العدالة والتنمية الحاكم وزعيمه أردوغان وبات ينافس أتاتورك في مكانته التاريخية مستغلاً ضعف حزب الشعب الجمهوري أكبر أحزاب المعارضة الذي أسسه مصطفى كمال وحكم البلاد لسنوات طويلة.
فأُسس العلمانية التي أرساها أتاتورك عقب تأسيس الجمهورية عام 1923 وعلى الرغم من أنها ما زالت قائمة بقوة في الدستور وكافة مناحي الحياة، إلا أنها فقدت جوهرها وباتت الكثير من نصوصها شكلية في ظل الخطة الممنهجة التي عمل عليها الحزب الحاكم وزعيمه أردوغان من أجل زعزعة «قدسية» أتاتورك في المجتمع وتعزيز التوجه الإسلامي المحافظ في البلاد. وعلى مدار 15 عاماً من سيطرة حزب العدالة والتنمية الإسلامي المحافظ على الحكم في البلاد اتخذت سلسلة طويلة من القرارات والإجراءات الدستورية والتنفيذية التي أحدثت تغييرات واسعة في شكل الجمهورية وجوهرها وسعت من شعبية أردوغان ومكانته مقابل تراجع غير مسبوق في مكانة أكبر أحزاب المعارضة الذي فشل في مقارعة الحزب الحاكم في 7 جولات انتخابية هامة على مدار هذه السنوات.
وبخطوات تدريجية هادئة وعلى فترات متباعدة، ألغى أردوغان حظر الحجاب في المؤسسات المدنية في الدولة والمستشفيات والمدارس والجامعات، ولاحقاً في القضاء، وصولاً إلى إلغاء حظر الحجاب في المؤسسات الشرطية والعسكرية وداخل أروقة الجيش خلال الأشهر الأخيرة.
وفي التعليم، وعقب سنوات طويلة من تهيئة الرأي العام والتدرج في الخطوات، أدخل الحزب الحاكم تعديلات واسعة على المنهاج التعليمية العام الحالي تم من خلالها التقليل من الدروس التي تتحدث عن تاريخ أتاتورك، مقابل زيادة الدروس الدينية والتي تتحدث عن بطولات الشعب التركي و«أردوغان ضمنياً» في مواجهة محاولة الانقلاب الفاشلة التي جرت العام الماضي.
وقبل أيام، ولأول مرة في تاريخ الجمهورية، جرى تعديل دستوري من خلال البرلمان مُنح بموجبه موظفو رئاسة الشؤون الدينية «المفتيين» صلاحية إقامة عقود الزواج الرسمية التي كان يقوم بها موظفو البلدية فقط، في خطوة رأت فيها المعارضة محاولة جديدة لهدم أسس العلمانية في البلاد.
وكانت محاولة الانقلاب في الخامس عشر من تموز/ يوليو من العام الماضي فرصة تاريخية لأردوغان تمكن من خلالها من الإطاحة بكبار قادة الجيش «الأتاتوركيين» وتعزيز سيطرته على أهم مؤسسة في الجمهورية بشكل غير مسبوق. لكن أبرز التغييرات التي جرت في السنوات الأخيرة، تمثلت في الاستفتاء الذي تم بموجبه الموافقة على إجراء تعديل دستوري يغير نظام الحكم في البلاد من برلماني إلى رئاسي ويمنح أردوغان إمكانية البقاء في الحكم حتى عام 2029 وبنظام رئاسي يعزز زعامته في الدولة والمجتمع.
وفي حين تركز المعارضة على تاريخ الجمهورية الحديثة وأتاتورك، يفضل أردوغان ومسؤولي الحزب الحاكم التركيز على حقبة الحكم العثماني والتأكيد على «ضرورة ربط المجتمع التركي بتاريخه ومحاربة محاولات عزله عن تاريخه الحقيقي»، واتخذ أردوغان العديد من الإجراءات في هذا الاتجاه أبرزها استخدام الأزياء والأغاني العثمانية في الكثير من فعاليات الحزب الحاكم.
طموحات أردوغان في فرض نفسه كزعيم تاريخي إلى جانب مصطفى كمال أتاتورك لا تواجه صعوبات كبيرة في ظل الترهل الذي يعاني منه حزب مؤسس الجمهورية الذي يتزعمه كمال كليتشدار أوغلو الذي يواجه اتهامات بضعف الأداء والانسلاخ على المجتمع والفشل في 7 جولات انتخابية أمام الحزب الحاكم.
وفي تدوينته التي كتبها في دفتر الزوار بجانب قبر أتاتورك في أنقرة، الأحد، ربط أردوغان بين نصر أتاتورك في حرب الاستقلال ونجاحه في افشال محاولة الانقلاب، معتبراً أن «الروح التي تكلّلت معها حرب الاستقلال بالنصر، وساهمت في بناء الجمهورية التركية قبل 94 عاماً، ما زالت حية، وتجسّدت في المقاومة الباسلة التي ظهرت خلال المحاولة الانقلابية الفاشلة في 15 تموز/ يوليو 2016».
وفي اجتماع لأنصار الحزب الحاكم في قونيا، السبت، وجه أردوغان انتقادات لاذعة لزعيم حزب أتاتورك كمال كليتشدار أوغلو، قائلاً: «لقد خسر جميع الانتخابات التي خاضها بدءا من الانتخابات المحلية عام 2009، مرورًا بالاستفتاء الذي أجري 2010، والانتخابات العامة في 2011، وصولا إلى الانتخابات المحلية والرئاسية في 2014، فضلا عن الانتخابات العامة التي أجريت مرتين في 2015»، معتبراً أن الانتخابات المحلية والعامة والرئاسية التي ستجرى في 2019، ستحدد مستقبل تركيا لنصف قرن مقبل.
ويهدف أردوغان في الذكرى الـ100 لتأسيس الجمهورية عام 2023 إلى الإعلان عن تحقيق بلاده انجازات سياسية واقتصادية في ما يطلق عليه «تركيا الحديثة»، وتقول المعارضة إنها محاولة لإعلان نفسه زعيماً تاريخياً لما يعتبره «الجمهورية الثانية».
وتُظهر جميع المعطيات أن أردوغان مصمم على ترك بصمته في تاريخ بلاده على غرار أتاتورك، وعادة ما يردد عبارة «الحمار يموت وسرجه باق. الرجل يموت وأعماله باقية»، وعمل في هذا الإطار على بناء عدد من المشاريع العملاقة في البلاد أبرزها مترو «مرمراي» ونفق «أوراسيا» اللذان يمران من أسفل مضيق البوسفور، ومد جسراً ثالثاً فوق البوسفور، في حين يقترب من الانتهاء من بناء مطار اسطنبول الثالث الذي يقول إنه سيكون الأكبر في العالم، ويستعد لوضع حجر الأساس قبيل نهاية العام الحالي لمشروع «قناة إسطنبول» التي ستكون بمثابة مضيق بوسفور جديد يشق اسطنبول ويربط البحر الأسود ببحر مرمرة.

في الذكرى الـ94 لتأسيس الجمهورية التركية… أردوغان يفرض نفسه «زعيما تاريخيا» مستغلا ضعف حزب المؤسس أتاتورك

إسماعيل جمال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية