ربما أصبحت كلمة (طائفية) و(صراع طائفي) سمة مميزة لما يحدث في العالم العربي والشرق الأوسط اليوم، وأصبح مصطلح الطائفية الأكثر شيوعا في الكتابات العربية المعاصرة، على الاقل منذ سبعينيات القرن العشرين، لأسباب تاريخية وسياسية واجتماعية، أدت إلى طرح المصطلح والبحث فيه بشكل لم يسبق له مثيل قبل ذلك، فلقد اكتسبت كلمة الطائفة تفسيرا مغايرا لما كانت تعنيه منذ قرابة القرن، حيث لم تكن تشير هذه الكلمة إلى ما هو متداول اليوم من معنى يشير إلى الجانب الديني لمجموعة ما، علما بأن المعنى المعجمي لهذه الكلمة هو الإشارة إلى أي مجموعة ترتبط بعلاقة ما تحدد هويتها المتمايزة عن المجاميع الأخرى التي تعيش بينها.
ومعنى مصطلح الطائفة في الدولة العثمانية، التي انسلخت منها كل الدول العربية الحديثة كان ذا طابع اقتصادي بحت، حيث كانت (الطائفة) تصف تجمعات الحرف أو ما عرف في فترات لاحقة بطوائف الحرف، وهي بناء اجتماعي واقتصادي أهلي أشبه بالتنظيمات النقابية الحالية، كانت تضم بين عضويتها كل العاملين في حرفة من الحرف بمستوياتهم المختلفة، علما بأن هذا النظام لم يكن حكرا على الدولة العثمانية، بل كان نظاما معمولا به في كل العالم قبل الرأسمالي، فهو شكل اجتماعي «مديني» في الأغلب عرفته مدن وبلدان العالم المتحضر جميعها منذ القرون الوسطى، وبينما استمر هناك فيما يعرف بالـ( Guilds) فإنه أخذ بالتآكل والاندثار في عالمنا العربي لأسباب كثيرة، فإذا نظرنا إلى مصر التي بدأت مشوار خروجها مبكرا من عباءة الدولة العثمانية، لوجدنا أن عدد طوائف الحرف كان حوالي 270 طائفة عام 1801، قبل تولي محمد علي باشا ولاية مصر، الذي أدت سياسته على مدى حوالي النصف قرن من الزمان، إلى احتكار الدولة لنشاطات المهن وإلى تدمير هذه الطوائف.
ولم يشر أحد من الباحثين إلى تاريخ محدد لتحول المفهوم إلى ما هو عليه اليوم من معنى، منصبا على توصيف الجانب الديني من حياة التجمعات الاجتماعية، إذ أن المجموعات الدينية التي كانت تعيش في الدولة العثمانية كان يطلق عليها (الملل)، والقانون العثماني الذي نظم وحكم علاقات الملل الداخلية وعلاقتها بالدولة عرف بـ(القانون الملي) وقد سن هذا القانون في عهد التنظيمات الإدارية التي بدأها السلطان عبد المجيد الأول، في محاولة لانتشال الدولة العثمانية مما كانت تتخبط فيه من المشاكل الداخلية، ففي عام 1839 صدر فرمان (خط كلخانة) الذي نص على «أن المواطنين العثمانيين متساوون في الحقوق والواجبات، مساواة تامة، وبدون تمييز بسبب الدين أو اللغة أو الجنس؛ ومنح الجميع حرية العبادة، وحماية أرواحهم وأملاكهم». وكان لهذا القانون الدور الاهم في معالجة أزمة جبل لبنان، التي اندلعت بعد الحرب الأهلية التي أدت إلى ما عرف بنشوء متصرفية جبل لبنان عام 1860، والتي لم تكن تعرف على انها مشكلة طائفية، بقدر تعريفها على أنها مشكلة احتراب او اقتتال بين الملل (الموارنة والدروز) .
بعيد الحرب العالمية الأولى ابتدأت حقبة الحداثة بالنسبة للدول العربية التي كانت ولايات عثمانية، وابتدأت تتلمس طريقها في بناء وتعريف الدولة والامة والدستور والعقد الاجتماعي وغيرها من المفاهيم الحديثة التي ابتدأت بالتعرف عليها في نهاية العهد العثماني فيما عرف بالثورة الدستورية عام 1908، لكن التطبيق العملي جاء متزامنا مع عهد الاحتلالات الاوروبية للدول العربية، وبالتالي جاء بناء هذه المفاهيم متكئا على مصادرها الكولينالية، واذا امعنا النظر في الدول التي حوت نسيجا دينيا متنوعا، والتي نالت استقلالها مبكرا مثل مصر والعراق وسوريا ولبنان، سنلاحظ نشاطا فاعلا عابرا للمكونات الدينية والمذهبية، ورغم أنه كان نشاطا يمكن وصفه بالمحاولات الاولية، إلا أنه كان يمثل مؤشرا قابلا للتطوير، لو كانت سنحت له الفرص المناسبة، ففي مصر مثلا تولى رئاسة الحكومة مسيحيان في الفترة الخديوية هما، نوبار باشا نوباريان وبطرس باشا غالي، مع عدد لابأس به من الوزراء والنواب والاعيان المسيحيين، كذلك فارس الخوري الذي تولى رئاسة الوزراء في سوريا مع عدد من الوزراء المسيحيين والدروز والشيعة، أما في العراق فقد تولى عدد من المسيحيين واليهود والشيعة والبهائيين مناصب وزارية أو برلمانية عديدة، ورغم عدم تولي رئاسة الحكومة من غير المسلمين في العراق، إلا انه كان تمثيلا مقبولا نسبيا لما يمكن أن يمثل دولة مواطنة قائمة على الهوية العابرة للطوائف.
اذن متى ابتدأت الطائفية بمعناها الديني تمثل إشكالية في عالمنا العربي؟ يشير العديد من الباحثين إلى أن النصف الاول من القرن العشرين كان حقبة الايديولوجيات الكبرى في العالم العربي على صعيدي الحكومات والشارع، فالحكومات ذات النمط الليبرالي الغربي تعارضها ايديولوجيات شعبوية ماركسية وقومية، وفي خضم كل هذا الصراع لم يكن هنالك هامش تعيش فيه التيارات الطائفية التي تصاعدت بعد منتصف القرن العشرين وبرز نشاطها بينا ومؤثرا بعد هزيمة يونيو 1967 وانكسار الايديولوجيات الكبرى، لنصل إلى عقد السبعينيات الذي اعتبر العقد الذهبي لنشاط تيارات الاسلام السياسي وطروحاته، التي مثلت تطبيقا حقيقيا لمشكلة الطائفية والصراع الطائفي في المجتمعات العربية، فالحرب الاهلية اللبنانية التي استمرت خمسة عشر عاما كانت مختبرا مصغرا لصراع الطوائف ونموذجا للدولة الطائفية بالمنطقة واحتكار السلطة من قبل بعض الممثلين لطوائفهم، أما في بقية الدول العربية فان تلفع العديد من هذه السلطات بازياء حزبية او عقائدية لم يخف سيطرة توجهات دينية او مذهبية على مراكز القرار والسلطة الفعلية فيها، وأصبح التوجه المذهبي والديني لهذه الحكومات أمرا معروفا ومسكوتا عنه .
ووصل الحال اليوم بالطائفية إلى معنى مطاطي يمتد من صراع بين مذاهب إسلامية، كالحالة العراقية والبحرينية في الصراع (السني – الشيعي)، أو الحالة السورية والصراع (السني – العلوي)، والصراع المركب في لبنان ما بين (المسيحي – الاسلامي) و(السني ـ الشيعي)، والصراع (الاسلامي ـ القبطي) في مصر، والصراع (الاسلامي ـ المسيحي) في السودان الذي أدى إلى تقسيمه إلى دولتين، بدون أن يتوقف هذا الصراع. كما أن الصراع الطائفي يمتد ليفرض سطوته على التنوع الإثني، حيث اعتبر البعض الاثنيات طوائف في بعض المجتمعات العربية مثل الصراع (الكردي – العربي) في العراق وسوريا، والصراع (الامازيغي – العربي) في المغرب العربي، أو صراع العرب مع القبائل الافريقية في السودان، يضاف إلى كل ذلك المكونات الصغيرة، وما يقع عليها من سحق وتدمير في ظل صراع المكونات الكبرى، كما هو حال الايزيديين والصابئة والشبك والتركمان في العراق، ولا يمكن أن ننسى الصراع المركزي في المنطقة وهو صراع مركب (ديني إثني قومي) وهو الصراع الاسرائيلي الفلسطيني الذي يدور في دوامة لا يبدو انها ستصل إلى حل منصف يخرج المنطقة من أزمة اشتعال حروب متكررة منذ سبعة عقود.
المفارقة الطائفية اليوم ورغم لبوسها الملبس الديني، إلا أن حقيقتها السياسية باتت واضحة لكل مراقب، وأصبحت النكتة التي تقال في العراق عن (الملحد السني والملحد الشيعي) لا تضحك احدا، لأن سطوة الطائفة أصبحت عابرة للفضاء الديني وتمددت في الفضاء الحياتي والاجتماعي والسياسي، وأصبح التوصيف الطائفي وصما قدريا لا يستطيع الفرد الفكاك منه، فالاتكاء المذهبي الذي تلتف به الأطروحة الطائفية عبر الطقوس والتمظهرات الجمعية والنبش التاريخي، باتت كلها عوامل تشتغل على رص الانا ومنحها الهوية الافتراضية التي رسمت وترسم حدودها بالدم، مقابل الآخر المختلف الذي ينتمي إلى فضاء مذهبي أو ديني أو إثني آخر يحاول بدوره شحذ كل أسلحته المعنوية والمادية في صراع لا يقبل فيه حالة التعادل، إنما هو صراع يعمل في الأساس على إفناء الآخر للتمتع بالسطوة على الساحة الوطنية بشكل منفرد. إن من يطلق عليهم مثقفو الطوائف اليوم هم من يلعبون لعبة التحشيد الشعبوي باستخدام كل ما تطاله أيديهم من أعتى الأسلحة، حتى قصص التاريخ المهملة التي تحتاج إلى إعادة درس وتمحيص ونقد وفق المناهج النقدية الحديثة، كل من يشارك في لعبة الطوائف سيصل عاجلا أم آجلا إلى نتيجة واحدة وهي استحالة القضاء على الآخر ووجوب التعايش معه.
والخلاصة أن الدول القائمة على تعدد مذهبي وديني وإثني لا تعني في أي حال من الاحوال الجمع البسيط لمكوناتها، بمعنى لصق هذه المكونات ببعضها بعضا وهي ما تزال تحتفظ بقيمها الطائفية، أو كما يجري الآن في العراق ولبنان، وفق ما بات يعرف بالاستحقاقات أو الكوتة أو المحاصصة على الأساس الطائفي، لأننا سنكون أمام حالة من الاستقرار الهش الذي يمكن أن ينكسر في أي لحظة أو مع أي صدمة يمكن أن يواجهها المجتمع، وأن الحل الاوحد هو خلق الهوية الوطنية العابرة للطوائف والجامعة لكل الأفراد على أسس المساواة الحقيقية في الحقوق والواجبات، بدون تميز على أساس الدين أو المذهب أو العرق أو الجنس، مع علمنة كل مفردات الحياة السياسية والثقافية والدينية والاجتماعية، وبالتالي سيصل المجتمع إلى احترام الآخر المساوي للأنا والمتعايش معه تحت ظل هوية وطنية جامعة.
كاتب عراقي
صادق الطائي