في الطريق إلى تفويت فرصة استراتيجية

حجم الخط
0

إذا لم يقع تطور مفاجئ، فإن قمة ترامب ـ بوتين في فنلندا، الأسبوع القادم، ستسجل نهاية للحرب الأهلية في سوريا. صحيح أنه في عدة أماكن في أرجاء الدولة بقيت جيوب مقاومة لنظام الأسد، وبينها مثلاً نحو ألف من رجال داعش ينتظمون تحت اسم «شهداء اليرموك» على مسافة غير بعيدة من حدود إسرائيل ـ إلا أنه في نهاية المطاف، يمكن القول إن الرئيس فعل ما لا يصدق وخرج منتصرًا من الجحيم الذي خلقه هو نفسه.
كيف تصل إسرائيل إلى خط النهاية؟ بشكل لا يمكن فهمه، ورغم الفرص التي لم تكن مثلها، الجواب هو: بلا إنجازات. فالحرب خلف الحدود لم تجرفنا، وهذه نقطة ليست مفهومة من تلقاء ذاتها، فالهدف الاستراتيجي الذي تقرره إسرائيل لنفسها الآن هو بالإجمال العودة إلى وضع الأمور كما الحال قبل الحرب، أو كما صاغ هذا رئيس الوزراء إذ قال: «الحفاظ بشكل متشدد على اتفاق الفصل من العام 1974م».
من الصعب أن نصف كم هو متدن مستوى هذا التطلع، فما هي تلك «اتفاقات فصل القوات»؟ معناها أن الأسد يمكنه أن يبني جيشه من جديد؛ معناها عودة إلى طاولة تهديد الحرب التقليدية بين إسرائيل وسوريا؛ معناها تأهب خالد في هضبة الجولان خوفًا من هجوم مفاجئ سوري على نمط حرب يوم الغفران، بما في ذلك الاحتفاظ بألوية من الدبابات في الجولان في حالة تأهب دائمة؛ معناها أن الساحة الجغرافية الاستراتيجية انقلبت رأسًا على عقب، ولكننا نتحدث مثلما تحدثنا في العام الماضي.
إذا كان ينبغي أن نقول الحقيقة، فإسرائيل ستعود إلى نقطة البداية؛ فمن نواح عديدة سيكون الوضع أخطر بأضعاف، فليست سوريا حينئذ الوحيدة التي ستهددنا من الشمال، بل وسيدتها الكبرى، روسيا. وستكون معهما أيضًا وإيران، سواء بطرق مباشرة أم عبر المليشيات، وبالطبع فإن هذا سيكون في ظل محاولات الوجود الدائم. وينضم إلى هذه الجوقة حزب الله، الذراع الاستراتيجية لإيران، سيعود إلى لبنان مدربًا، وخبيرًا، ومسلحًا، والآن محررًا، لكي يتحدانا كلما وجد ذلك من الصواب.
حتى من الناحية السياسية، التي هي أقل أهمية لموضوعنا، لا يبدو أن إسرائيل توشك على تحقيق إنجاز ما.
ثمة أحاديث هنا وهناك عن السعي إلى اعتراف دولي بهضبة الجولان، ولكن وفقًا للتسريبات التي خرجت من واشنطن، يبدو أن ترامب لن يستجيب لهذا الطلب. بعد أيام أو أسابيع ستعود سوريا لتكون سوريا، وكأنه لم تكن سبع سنوات حرب، وكأنه لم تكن فرص، وكأنه لم تكن إمكانيات.
كان يمكن تثبيت حقائق استيطانية في هضبة الجولان؛ استغلال ضائقة حزب الله وتوجيه ضربة ساحقة لمخزوناته من الصواريخ؛ مساعدة الأكراد. كان يمكن، ولا تزال، المطالبة بتجريد سوري مضاعف من السلاح مما في تلك الاتفاقات البائسة من العام 1974م. وليس من الحكمة النظر إلى الوراء، ولكن هذه الاقتراحات رفعت في الزمن الحقيقي في جلسات الكابنت، في الصحف وعلى منصات أخرى. ولكن إسرائيل، من رئيس الوزراء وعبر الوزراء المتغيرين وحتى الأجهزة الأمنية، تجمدت على حالها بسبب قصر نظر استراتيجي.
يدير نتنياهو منظومة علاقات حميمة وغير مسبوقة مع بوتين ومع ترامب على حد سواء. في الساحة السورية وجهت هذه العلاقات ـ ولا سيما مع بوتين ـ إلى إنجازات هامة، وعلى رأسها حفظ حرية العمل الإسرائيلية.
أما الرفع للمستوى الاستراتيجي الذي كان يفترض به أن يكون نتيجة لهذه الإحداث، فلم يحصل. «الشرق الأوسط يجتاز هزة تاريخية»، شرح لنا نتنياهو مرات عديدة جًدا، فهل الحد الأقصى الذي كان يمكن لإسرائيل أن تستخلصه من ذلك هو أن ترى الأسد مرة أخرى وهو يجلس على الجدران؟ بالتأكيد لا.

إسرائيل اليوم 11/7/2018

في الطريق إلى تفويت فرصة استراتيجية
لم نستخدمها لكي نرفع المستوى الاستراتيجي للعلاقة مع سوريا ولبنان
اريئيل كهانا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية