تدخل الحرب في سوريا عامها الرابع وتحل الذكرى الرابعة في 15 آذار/مارس والأزمة السورية تعيش أسوأ مراحلها حيث فقدت القوى التي خرجت تهتف باسم التغيير وبناء مجتمع عادل وتحقيق المساواة الأمل. وتحولت سوريا إلى «أرض يباب» وسكانها يركبون البحر في محاولات انتحارية للخروج إلى «ارض العسل واللبن» في أوروبا. ورمى المقاتلون السلاح ورحلوا، وتحول المقاتل والمدني إلى لاجئ في مخيمات لا ترحمها الطبيعة ولا الجيران. وما جرى خلال الأربعة أعوام الماضية هو تدمير منظم للحضارة السورية التي تعد من أقدم حضارات العالم وقتل منظم للإنسان بدرجة لم تشهدها حروب سابقة. فقد استهدف النظام السوري وبدرجة كبيرة الإنسان السوري وضربه بأسلحة بدائية، ودعم النظام حركة بدائية خرجت من سدوم التاريخ لا تعرف غير القتل والتدمير، وصارت «الرواية» السورية محلا للتنازع بين النظام وتنظيم الدولة الإسلامية. ومنذ سيطرة الجهاديين على مدينة الموصل وإعلانهم خلافة مزعومة في كل من العراق وسوريا فلا شيء يأتي من سوريا والعراق بالضرورة إلا عبر منظورهم. فقد تسيد إعلام الدولة بصوره البشعة وتفننه في القتل والذبح كل ما خرج من سوريا العام الماضي، وفي المقابل واصل النظام السوري قتله للمدنيين وبحصانة تامة غير خائف من العقاب. فقد منعت سياسة اختطاف الصحافيين الأجانب الصحافة الدولية من تغطية الحدث السوري، ومثلما حدث في بداية الثورة حيث اعتمد الإعلام على ما تقدمه الفصائل المقاتلة أصبح الإعلام العالمي يعتمد على ما يقدمه تنظيم الدولة الإسلامية الذي أتقن إعلام التواصل الإجتماعي ونجح في نقل رسالته عبر اللغة العالمية- الإنكليزية. ولهذا أصبح كل ما يتم الحديث عنه في سوريا مرتبط بممارسات التنظيم من قتل الصحافيين الأجانب التي بدأت في آب/أغسطس ووصلت ذروتها في شهر شباط/فبراير بحرق الطيار الأردني معاذ الكساسبة. وفي الوقت الذي لم يتوقف فيه تدفق اللاجئين السوريين لدول الجوار واستمر القتل ركز العالم على ظاهرة الجهاديين الأجانب حيث أصبحت الحرب في سوريا خطرا على الأمن القومي في دول الغرب.
تحول في الخطاب
وبسبب هذا حدث تحول في الخطاب السياسي الغرب حول سوريا سواء الخطاب المائع حول تغيير النظام والمعارضة المعتدلة وضرورة دعمها، فلم تعد المعارضة المعتدلة «موجودة» والهزائم التي تعرضت لها نهاية العام الماضي على يد جبهة النصرة عنى أنها لم تعد حليفا يوثق به، فيما استمرت خلافات المعارضة السياسية وتشرذمها أكثر وأكثر. ولعلنا نفهم السبب الذي دعا الرئيس السوري بشار الأسد إلى الخروج من عزلته وتقديم عدد من اللقاءات الصحافية مع الدورية الأمريكية المعروفة «فورين أفيرز» واخرى مع جيرمي بوين مراسل هيئة الإذاعة البريطانية. وقد تمت المقابلتان بمبادرة من النظام، ورغم الإنطباعات التي سجلها كل من بوين وجوناثان تبرمان مدير تحرير «فورين أفيرز» الذي قال إن الرئيس السوري رجل واهم يصدق كذبه، إلا أن المقابلتين منحتا النظام السوري فرصة لتقديم روايته. وهذه المقابلات الصحافية جاءت في وقت لم يعد الجدال حول رحيل الأسد، وهو المطلب الرئيسي للمعارضة، مهما للغرب، فرغم تمسك الرئيس الأمريكي باراك أوباما بضرورة تغيير النظام السوري، وقد كرر هذا الموقف قبل أيام في لقائه مع أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، إلا أن الإدارة التي رسمت استراتيجيتها في أيلول/سبتمبر 2014 من أجل إضعاف وتدمير تنظيم الدولة الإسلامية لم يعد يهمها الحل في سوريا، أي ديمقراطية ونظام تعددي، وهو انعكاس لمآلات الربيع العربي وعودة الدولة العميقة في مصر وتونس وخراب ليبيا واستمرار الخراب السوري. وتحدثت «واشنطن بوست» قبل أيام في افتتاحيتها بأسى عن تفضيل أوباما للأمن على حقوق الإنسان فيما يتعلق بمصر وهذا الكلام ينسحب بالضرورة على سوريا. فالرئيس أوباما الطامح فيما تبقى لديه من سنوات في البيت الابيض إلى لملمة الملف النووي الإيراني، ليس معنيا بقدر كبير بمجريات سوريا وغير راغب بالتورط فيها. ومن هنا يفهم التحالف التكتيكي الواضح سواء في الاجواء السورية والعراقية لضرب تنظيم الدولة، وإن صدقنا الرئيس السوري الذي قال إنه يتواصل مع الأمريكيين عبر طرف ثالث نفهم أن جوهر الحل الذي تريده أمريكا يقوم على التخلص من تنظيم الدولة الإسلامية وتريد تجنيد كل الجهود من أجل تحقيق هذا.
فورد يتحدث إليكم
وينعكس هذا سلبا على الوضع السوري ففي الوقت الذي تريد المعارضة السورية مواجهة الأسد والقوى المتحالفة معه، تريد الولايات المتحدة منها قتال تنظيم الدولة الإسلامية وبعدها يمكن النظر في موضوع الأسد. ومنذ عامين أو يزيد والإدارة الأمريكية تتحدث عن برامج لتدريب المعارضة السورية كي تكون قادرة على مواجهة الجهاديين في سوريا. وأعلنت البنتاغون عن برنامج لتدريب 5.000 مقاتل سوري، واتفقت تركيا والولايات المتحدة قبل أيام على البرنامج، حيث أكد وزير الخارجية التركي أن المعارضة ستتلقى تدريبات كي تكون مؤهلة لمواجهة تنظيم الدولة ونظام الأسد، لكن الإدارة الأمريكية قالت إن الهدف هو مواجهة تنظيم الدولة. ولم يفت التناقض في الموقفين السفير الأمريكي السابق في سوريا روبرت فورد، ففي مقابلة مع موقع «ميدل إيست مونيتور» قال إن الدول الأجنبية المعنية بالأزمة السورية يجب أن تتفق على العدو، هل هو الأسد أم تنظيم الدولة الإسلامية؟ وإن لم تتفق القوى الأجنبية (على العدو) فمهما فكر الأمريكيون بفعله لن ينجح». وتبدو فكرة تدريب المعارضة «المعتدلة» بمثابة ذر الرماد في العيون، والسفير السابق فورد يعرف هذا حيث يرى أن 3.000 مقاتل لن يفعلوا شيئا أمام قوة ضاربة لتنظيم الدولة تتراوح ما بين 10.000- 15.000 مقاتل. وما يقوله فورد صورة عن الطريقة التي تعاملت فيها الإدارة الأمريكية مع الملف السوري حيث اتسمت مواقفها بالتردد والتحرك بعد فوات الآوان. ورغم تأكيد فورد أنه لم يعد في الحكومة، إلا أن آراءه تعكس تفكير المؤسسة الرسمية. ففي مقال كتبه بموقع «ماكلاتشي» قال إنه لم يعد يدعم المقاتلين السوريين. ولكن فورد أكد في مقابلته مع «ميدل إيست مونيتور» أن المقال لم يكن دقيقا وكرر في المقابلة حديثه عن مشاكل المعارضة المسلحة التي قال إنها تفتقر إلى القيادة المركزية، وتحدث عن أثر اللاعبين الخارجيين الذين يدعم كل طرف منهم طرفا في معادلة النزاع السوري: «لا وحدة بين الجماعات المسلحة نظرا لوجود دول مختلفة تدعمهم. وحتى يكون لديك قيادة واحدة في سوريا»، فالمشكلة تظل قائمة. وقال إن غرفة قيادة العمليات التي تديرها عدة دول في تركيا لم تقم بمهمة جيدة مقارنة مع غرفة عمليات عمان- الأردن. ويعتقد فورد أن وجود قوة موحدة على شكل الجيش السوري الحر كفيلة بالدفع نحو حل سياسي وحكومة متعددة لا تسمح للمتطرفين بلعب دور فيها. وهو وإن تفهم التحالفات التكتيكية التي تدفع بعض الفصائل للتعاون مع جبهة النصرة مثلا إلا أنه يرى المشكلة نابعة من تقديم الدول الدعم لفصائل مختلفة وكان الأحرى مساعدة قيادة موحدة لا «أحرار الشام» أو «حركة حزم»، «لواء التوحيد» أو غيره. ويرى فورد أن العدو الذي يمثل تهديدا على المجتمع الدولي هو تنظيم الدولة الذي برز للوجود بسبب نظام الأسد، و»وحشية نظام الأسد وشعور السنة في سوريا والعراق بالإضطهاد أن لا أحد يساعدهم». ولهذا يرى أن تدريب المعارضة من أجل مواجهة تنظيم الدولة لن يحل المشكلة السورية. وفي الوقت الذي استبعد فيه السفير الأمريكي إرسال قوات برية إلى سوريا إلا أنه رأى الحل ممثلا بحل سياسي وحكومة قوية في دمشق تحظى بدعم شعبي وتمنع وصول القوى المتطرفة مثل جبهة النصرة.
حل سياسي
ويقول إنه لا السوريون يريدون قوات أجنبية في بلادهم ولا أمريكا تريد إرسال جنودها إلى هناك. وفي النهاية لا بد من حل سياسي، ولم يعد يهم في المرحلة الحالية رحيل الأسد أو بقاؤه، وهذا هو جوهر ما يطرحه المبعوث الدولي الخاص إلى سوريا سيتفان دي ميستورا الذي دعا في تشرين الثاني/نوفمبر إلى فكرة تجميد القتال والتوصل لاتفاقات نار محلية تبدأ كما اقترح من حلب. والمنطق وراء دعوة ميستورا هي أنه لن يتم التفاوض بدون وقف إطلاق النار بين الطرفين، وعلى الجميع الجلوس إلى طاولة المفاوضات حيث سيتم اتخاذ قرار بشأن مستقبل الأسد. وقد أبدى الأخير موافقة على الحل السياسي، وكما قال لمدير تحرير «فورين أفريرز»، فالحروب هي أداة للحل السياسي، لكن الأسد كعادته استبعد المعارضة واعتبرها دمى في يد القوى الخارجية. وتعبر تصريحات الرئيس السوري وما تطالبه المعارضة أو ما تبقى منها، عن حالة انسداد وصعوبة تحقيق الحل، فمبادرة روسيا لجمع الأطراف السورية حضرها النظام السوري ولكن بتمثيل على مستوى السفراء وغابت عن لقاء موسكو أطراف في المعارضة السورية. وتساءل فورد عن الدافع وراء المبادرة الروسية مع أن موسكو لم تمارس الضغط الكافي على الأسد في محادثات جنيف العام الماضي والتي استقال فورد بعدها.
لا حسم
وبعيدا عن توسع تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا، وتأكيد الأكراد حضورهم بعد خروج الجهاديين من عين العرب/كوباني، تشهد الجبهات السورية بين المعارضة والنظام حالة انسداد. ففي الشمال لم يتقدم النظام رغم ما تعانيه المعارضة من ضعف وتشرذم ولم يستطع إحكام السيطرة على حلب وظل يمارس لعبته بقصف ما تبقى من المدنيين فيها بالبراميل المتفجرة. أما في الجنوب فقد أعلن في 8 شباط/فبراير عن «معركة الحسم»، وظهر فيها قاسم سليماني قائد فيلق القدس الإيراني ومقاتلين من حزب الله. وجاءت بعد يوم من إعلان المعارضة في الجنوب عن معركة «كسر المخالب». وكان النظام يهدف للسيطرة على المثلث الإستراتيجي الذي يربط بين درعا- القنيطرة – دمشق. ورغم ما حققه النظام المدعوم من الميليشيات الشيعية، إلا أن المعارك سواء في الجنوب والشمال أبعد عنها من الحسم وهي عبارة عن حرب كر وفر، فالجبهات بين النظام والمعارضة تظل هلامية، وسوريا اليوم مقسمة عمليا بين النظام وتنظيم الدولة وما تبقى يتداوله الأكراد والمعارضة التي صار يشار إليها بغير الجهادية. وفي هذا السياق لاحظ إدوارد دارك في مقال نشره موقع «المونيتور» حول الثمن الذي يدفعه المدنيون في الحرب، فرأى أن سقوط الضحايا ليس عرضيا بل يعبر عن استراتيجية عسكرية للمتحاربين. ويرى أن الخسائر العالية في الحرب بين المدنيين نجمت من طبيعة الحرب التي تدور رحاها في المدن والضواحي. ويقول «إن القسوة وعدم الإهتمام بمعاناة السوريين من قبل المتحاربين الذين يقاتلون باسمهم، النظام السوري والجماعات الجهادية التي تعارضه كانت ملمحا مركزيا في هذه الحرب الوحشية». ويرى أن الحرب جعلت كل طرف غير مهتم بمصير الآخر، فالنظام يدعو لمحو دوما ولا يتحرك سكان دمشق، وعندما تسقط قنابل الهاون على العاصمة لا يتحرك سكان الغوطة تعاطفا. وفي النهاية لم يحصد السوريون من الحرب سوى الموت والدمار، ومثلما لم يكن لديهم خيار في بدئها لا رأي لهم في نهايتها، فهل هي حرب بلا نهاية؟
إبراهيم درويش